قرار تقسيم فلسطين ووضع القدس فيه

في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947م اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181، الذي نص على إنهاء الانتداب على فلسطين، وتقسيمها إلى دولتين مع الحفاظ على اتحاد اقتصادي بينهما، ونص القرار على تحويل القدس بضواحيها إلى وحدة إقليمية مستقلة ذات وضع دولي خاص.

وخصصت للدولة اليهودية مساحة 14.1 ألف كيلومتر مربع (56% من أراضي فلسطين) بسكان عددهم 498 ألف يهودي و497 ألف عربي. في حين خصص للدولة العربية 11.1 ألف كيلو متر مربع (43% من أراضي فلسطين) بسكان عددهم 725 ألف عربي وعشرة آلاف يهودي. وخصص للقدس وضواحيها 117 كيلومترا مربعا بسكان عددهم 205 آلاف شخص، ومنهم مئة ألف يهودي.

جاء هذا الإعلان من الجمعية العامة للتأكيد على زيادة الوعي العالمي بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف في تقرير المصير، والسيادة والاستقلال، وعودة اللاجئين الفلسطينيين لديارهم الأصلية وممتلكاتهم.

كان بوسع قرار التقسيم أن يهيئ أساسا فعليا لحل المشكلة الفلسطينية، لكن ذلك لم يدخل في حسابات زعماء الصهاينة الذين سلكوا نهج الحيلولة دون تأسيس الدولة العربية الفلسطينية

كان بوسع قرار التقسيم أن يهيئ أساسا فعليا لحل المشكلة الفلسطينية، لكن ذلك لم يدخل في حسابات زعماء الصهاينة الذين سلكوا نهج الحيلولة دون تأسيس الدولة العربية الفلسطينية مهما كانت الوسائل، وسعوا إلى توسيع أراضي الدولة اليهودية إلى أقصى حد باغتصاب الأراضي التي خصصت بموجب قرار الأمم المتحدة للدولة العربية المرتقبة.

وبعد مرور سبعين سنة على قرار التقسيم، ما زالت العقبات تحول دون بلوغ هذا الحل الشامل والدائم، وفي مقدمته تمكين الشعب العربي الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير.

تواصل إسرائيل انتهاكها الصارخ لميثاق هيئة الأمم المتحدة الذي يحرم اللجوء إلى العدوان واستخدام القوة في حل النزاعات، والتنكر لقرار الجمعية العامة 2625 لسنة 1970 الخاص بإعلان مبادئ القانون الدولي المتصلة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، "يحظر الاحتلال العسكري الناجم عن استخدام القوة، وكذلك الاعتراف بشرعية اكتساب أية أراضٍ بهذه الطريقة".

والواقع أن إسرائيل، وفي تحدٍ لهذه المبادئ وتجاهل واضح لأحكام قرار مجلس الأمن 242 لسنة 1967؛ تواصل منذ خمسين سنة احتلالها الناتج عن العدوان المسلح للأراضي العربية الفلسطينية، لا بل إنها أصدرت تشريعات لضم القدس الشرقية لها.

وبديهي أن العقبة الكبرى التي تحول دون إمكانية ممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير هو استمرار إخضاعه، كما أرضه، لسلطة الاحتلال الإسرائيلي.

المطلوب من مجلس الأمن الدولي ممارسة دوره الفعال في الإشراف على عملية السلام برمتها، على اعتبار أن الأراضي الفلسطينية تحكمها اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949، وأحكام القانون الدولي ذات الصلة بعملية الاحتلال الأجنبي، وأن ما تقوم به إسرائيل من إجراءات إحادية هي إجراءات باطلة ولا ترتب التزاماً.

الشعب العربي الفلسطيني والأمتان العربية والإسلامية والمسيحيون في العالم يرفضون الاحتلال الإسرائيلي للقدس وكافة إجراءاته المخالفة للقانون الدولي

إن القدس مدينة عربية فلسطينية إسلامية مسيحية، وإنها قلب فلسطين النابض بأرضها وشعبها ومقدساتها، وهي العاصمة الأبدية لدولة فلسطين، وإن سيادة الشعب الفلسطيني عليها حق وطني تكفله المواثيق والقوانين الدولية، وهو غير قابل للنزاع أو الانتقاص أو المشاركة، ولا تنازل عنه، وبدونه لا يقوم سلام.

كما أن الشعب العربي الفلسطيني، والأمتين العربية والإسلامية والمسيحيين بالعالم، يرفضون الاحتلال الإسرائيلي للقدس، وكافة إجراءاته المخالفة للقانون الدولي والشرعية الدولية؛ باعتبارها إجراءات لاغية وباطلة، لا تمنح شرعية ولا تؤسس حقاً.

وللعلم، فإن المقدسيين لا يرفضون الديانة اليهودية؛ فمثلها مثل باقي الديانات السماوية الثلاث، التي اشتهرت القدس بحضانتها تلك الديانات، وإنما يرفضون تهويد مدينة القدس وفرض التطهير العرقي عليها وإجلاء سكانها مسيحيين ومسلمين إلى خارج حدودها المزعومة، وتشويه مقدساتها الإسلامية والمسيحية بحثا عن هيكلهم المزعوم.

 لذلك يجب تعزيز الوجود العربي الفلسطيني (مسيحيين ومسلمين) في المدينة المقدسة، وضرورة توظيف كافة الإمكانيات المادية والبشرية لحماية هذا الوجود، ومحاربة سياسة التغيير الديمغرافي والتطهير العرقي، والتأكيد على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة سياسة الاحتلال وإجراءاته بكافة السبل المتاحة والممكنة.

كما يجب حماية الممتلكات العربية الفلسطينية في مدينة القدس، والحفاظ على طابعها العربي الإسلامي-المسيحي، ومواجهة التزييف والتزوير في الحقائق، وإعادة الواقع العربي الفلسطيني في المدينة، ومواجهة الواقع الإسرائيلي الباطل، حيث إنه لا معنى للدولة الفلسطينية إلا إذا كانت القدس بؤرتها الناصعة وجذوتها المتوقدة.

المصدر : الجزيرة