أطفال القدس.. طفولة مستباحة وأحلام مبددة

منذ 270 يوما يعيش الطفلان محمد (يسار) وأحمد بين جدران منزلهما في بلدة العيساوية (الجزيرة)
منذ 270 يوما يعيش الطفلان محمد (يسار) وأحمد بين جدران منزلهما في بلدة العيساوية (الجزيرة)

أسيل جندي – القدس

منذ 270 يوما يعيش الطفلان التوأمان محمد وأحمد محيسن حبيسي جدران منزلهما في بلدة العيساوية شرق القدس بعد اعتقالهما في مارس/آذار الماضي، وتحويلهما للحبس المنزلي الذي لم تضع محاكم الاحتلال سقفا زمنيا لإنهائه حتى الآن.

بدأت أولى حلقات معاناة الطفلين بينما كانا يلعبان كرة القدم مع أقرانهما بالحي ابتهاجا بحلول فصل الربيع، وكعادتها اقتحمت قوات الاحتلال القرية وفرّ محمد وأحمد إلى المنزل وراقبا الأحداث من بعيد ولم يعلما حينها أن مجرد وجودهما في مكان الاقتحام كان ذنبا لن يغفره الاحتلال لهما.

بعد يومين من الاقتحام داهمت قوات الاحتلال منزل الطفلين في تمام الرابعة فجرا واعتقلتهما واقتادتهما لمركز شرطة شارع صلاح الدين الأيوبي وهناك خضع كل منهما لجلسة تحقيق منفردة.


التؤمان ينظران من نافذة منزلهما إلى أطفال الحي وهم يلعبون كرة القدم (الجزيرة)

ترهيب وغرامة
وصف محمد  (13 عاما) ساعات حياته تلك بالأقسى، وقال للجزيرة نت إن المحقق الإسرائيلي تعمد الصراخ عليه عدة مرّات ليعترف بأنه رشق الحجارة باتجاه الجيش، وخوفا من الأسوأ اعترف محمد وكذلك شقيقه أحمد.

تبددت أحلامهما منذ تلك اللحظة ونقلا بمركبة عسكرية إلى المحكمة المركزية وهناك صدر قرار بإجبار والدهما على دفع غرامة تقدر بستة آلاف دولار أميركي وأفرج عنهما مقابل حبسهما بالمنزل.

يسارع التوأمان للإجابة على كل الأسئلة بذات الكلمات فهما لم يفتحا عيونهما على الحياة بنفس اللحظة فقط، بل يشتركان في الهوايات والطموحات وبالمصير وبالتزاحم على نوافذ المنزل لمشاهدة أطفال الحي وهم يمارسون هوايتهم بلعب كرة القدم، ولا يملكان القرار في التحول من دور الجمهور إلى المشارك في اللعبة.

تتراجع أحلامهما وينخفض سقف أمانيهما تدريجيا ليقتصر على أمنية واحدة، وهي أن ينعما بنوم متواصل في الليل، إذ افتقدا ذلك منذ حبسهما منزليا بسبب مداهمات قوات الاحتلال كل يومين لتفقدهما وضمان التزامهما بالقرار.

وفي أحسن الأحوال يتصل الضابط هاتفيا بوالدهما ويطلب منه أن يوقظ الطفلين ليطلوا من نافذة المنزل لتفقدهما بدلا من المداهمة.

"الضابط يعرف الطريق لغرفة محمد وأحمد.. يتفقدهما ويخرج" هذا ما قالته والدتهما منال محيسن التي أنهكها دور السجّانة على طفليها فيما ينفطر قلبها أيضا على ابنها الثالث رامي المعتقل في سجن النقب منذ عام والذي ودّع مرحلة الطفولة مؤخرا.

وفي اليوم العالمي للطفل أطلقت منال صرخة لأحرار العالم بأن يلتفتوا لطفولة القدس المسلوبة، والعمل على وضع حد للإجراءات التعسفية بحق أطفال المدينة ليعيشوا بأمان وحرية.

الطفل قصي داري ووالدته مها داري (الجزيرة)

مستقبل مبعثر
الحرمان من التعليم وحرية التنقل والحركة أبرز الحقوق التي سلبت من الطفل قصي داري (17 عاما) الذي اعتقل للمرة الأولى مع بلوغه سن الحادية عشرة، وقد اعتقل حتى الآن عشر مرات .

وتحدث للجزيرة نت عن تجاربه "مستقبلي مظلم.. الاحتلال لن يتركني وشأني وهددني المحقق بتحويلي للزنازين الانفرادية في الاعتقال القادم لأنني لا أزودهم بما يريدونه من معلومات بالتحقيق".

يشعر قصي بضيق شديد كلما شاهد قوات الاحتلال تقتحم بلدة العيساوية لأنه يعلم أنه سيكون من بين المعتقلين، ورغم قضائه حكما بالسجن الفعلي لمدة 13 شهرا، تحرر منها في يونيو/حزيران الماضي، إلّا أنه اعتقل بعدها مرتين.

وخاض تجربة الحبس المنزلي لمدة عام ونصف العام، ويعتبر أن هذه الانتهاكات المتكررة حولته لشخص عصبي وذي مزاج سيء على مدار الساعة.

والدته مها داري تشعر أنها عاجزة عن مساعدة ابنها، وتؤكد أن سبب تحوله من شخص هادئ إلى شخص يثور غضبا لأبسط الأمور هو إقدام قوات الاحتلال مرارا على تعريته من ملابسه وتسليط الأسلحة والكلاب البوليسية عليه في المنزل قبل اعتقاله.

وتتمنى داري أن يعيش أطفال القدس طفولتهم الطبيعية، وتقول إن "كل الأطفال يعشقون لعبة (جيش وعرب) ويطاردون بعضهم في الأزقة.. لا أحد منهم يطلب شراء لعبة فجميعهم يحولون العنف الذي يتعرضون له إلى ألعاب مرعبة".

محمد وأحمد وقصي ينضمون لنحو 95 ألف طفل مقدسي يرضخون لأنظمة أبارتهايد تمارس ضدهم على يد سلطات الاحتلال الإسرائيلية، ولا تقتصر الانتهاكات على الاعتقال والحبس المنزلي بل على تحويل كثير من هؤلاء لمشردين بعد هدم منازلهم، وإذلالهم أثناء عبور الحواجز، وحرمانهم من حقهم في الحياة بإعدامهم بدم بارد.

ووفقا لبيانات لجنة أهالي الأسرى المقدسيين يقبع في سجون الاحتلال حاليا 75 طفلا مقدسيا في سجن مجدو وطفلتان في سجن الشارون، فيما يقبع خمسة آخرون في المؤسسات الداخلية ويخضع 20 طفلا للحبس المنزلي.

المصدر : الجزيرة