عـاجـل: وزارة الخزانة الأميركية تعلن فرض عقوبات جديدة على 5 شخصيات إيرانية

خرافة "الشعب الآرامي" وتخريب تاريخ فلسطين القديم (4-2)

يتابع الكاتب سلسلة مقالاته عن الآراميين وتاريخ فلسطين.
 
ورد اسم (الآراميين Armenia وغالباً ما يترجم إلى أرمينيا ويا للعجب) في السجلات الآشورية مثلاً: نقوش شلمانصر الثالث وسنحاريب وسرجون الثاني وشلمانصر الثالث (V. RECORDS WRITTEN AFTER THE SIXTH CAMPAIGN BULL INSCRIPTION  FROM  THE PALACE AT NINEVEH ).
 
هذه السجلات تحدثت عن معارك مع (آرام صوبة)، ولأجل رسم إطار تاريخي عن هذه المملكة السورية المزعومة الملفقة، سأعطي المثال التالي الذي يفنّد لا أسطورتها؛ بل يفنّد أسطورة الآراميين برمتها.
 
في نقش سرجون الثاني  722 - 705 ق.م، يسجل العاهل الآشوري أنه استولى على (صوبة) وانتزعها من قبضة الآراميين. إن جغرافية المعارك التي يسجلها النقش تشير إلى الجوف ومأرب وليس إلى سوريا. ومن يرغب في الاعتراض على هذا الاستنتاج، عليه أن يقدم أدلة مضادة.
 

هاكم نص النقش:

151)ورحلت عن بني صيح (Pan zish) عابرا جبل عشتر أوره (Ishtar-aura) واقتربت من (Aukanê الخانع) وهي ولاية من أرض ذخرتو/ذخر (Zikirtu). وكان (مطاطري) (Metatari) ملك (ذخرتو) (Zikirtu) قد تخلص من نير (آشور)، كان قد فرّ من أول سونو-الصونو (Ullu sunu) الملك، وسيدهم، وتخلص من خدمته، واضعا ثقته في آلرشو (Ursa) (Armenia الآرامي) والذي كان هو بدوره مثله بعيدا عن وجه المحاكمة، وحليفه الذي لم يستطع إنقاذ نفسه.

كان قد أقدم على الصعود المخيف لجبل طريقا (Uash dirikka) وهو جبل شاهق، ورأى قدوم حملتي من بعيد. فأصيبت أعضاؤه (المجلد الخامس) (لحمه) بالشلل. جمع كل شعب أرضه وأخذهم، بصعوبة بالغة إلى أعالي الجبال البعيدة ، حتى لم يعودوا على مرأى من أحد. حتى الباردة (Parda) مدينته الملكية لم تكن غالية في عينيه. ترك ثروة قصره ومضى إلى بؤسه (؟). وأطلق خيوله ومقاتليه وأرسلهم لمساعدة ومناصرة حليفه الرشو Ursa  فذبحت أنا محاربيه الشجعان الذين كانوا يتمركزون في طرقات جبل عشة والطريقا (Uas hdirikka) لمرافقتهم (لمرافقة خيوله ومقاتليه) واستوليت على: صوبة (supa).

في الواقع لا يوجد في التاريخ العربي وتاريخ الشرق الأوسط القديم مملكة باسم (صوبة). لكننا نعرف من تاريخ اليمن القديم، أن (مخلاف صوبة) كان مملكة صغيرة

في هذا النقش، يتضحّ لنا بجلاء أن الآراميين في (آرام صوبة) هزموا وسقطت مدنهم كلها، واحدة إثر أخرى في قبضة الآشوريين. في الواقع لا يوجد في التاريخ العربي وتاريخ الشرق الأوسط القديم مملكة باسم (صوبة). لكننا نعرف من تاريخ اليمن القديم أن (مخلاف صوبة) كان مملكة صغيرة.

ألقوا نظرة عابرة على أي كتاب عن مخاليف/ممالك اليمن القديم، وسوف ترون اسم صوبة أمامكم كمخلاف/مملكة يمنية ضمن مملكة سبأ الموّحدة 950 ق.م. كانت (صوبة) أو ما يدعى (آرام صوبة) جزءا من مملكة أكبر، تعرف تاريخياً باسم (مخلاف العود) وكان هذا المخلاف في الأصل نواة مخاليف/ممالك رداع عاصمة الحميريين.

إن أي قارئ جيد للتاريخ اليمني القديم يعرف معنى ذلك, فهؤلاء ينتسبون لأهم قبيلة شكلت (التحالف السبئي) وفرضت الحكام/الكهنة من (أسرة الرم/آل رم أي الآراميين).

وفي النقوش المسندية يرد اسم (الرم/أرم ʾlrm) في هذه الصورة. فكيف أصبح هؤلاء فجأة (قوة حضارية) في سوريا، وأحياناً توضع في الأناضول أو أرمينيا؟ فإنه يتأكد لنا عند إمعان الفكر في نقش سرجون الثاني أن (خرافة الآراميين) لا أساس لها من الصحة، فهي ترد في صورة (Armenia) سوية مع اسم حمير؟ وما علاقة أرمينيا بقبائل حمير؟

 لقد ترجم مصطلح (إلرم/إلرمي) السبئي من جانب علماء الآثار إلى (آرامي/آراميون). ورد المصطلح في نقوش سبئية كثيرة، منها هذا النقش Ja 601 MaMB 205; ZI 49 من الفترة (د) Period D وفي الصورة التالية: أن يمنح المقه خادمه إيل رم (إلرم) 13 zʾn ʾlmqh s¹ʿd ʿbd-hw ʾlrm nʿmtm w-mn

كل هذا يدعونا للتساؤل عن السبب الذي دفع باللاهوتيين في علم الآثار لاعتبار هؤلاء شعباً (له حضارة كبرى) تمتد من الأناضول وسوريا حتى تخوم العراق؟

كل هذا يدعونا للتساؤل عن السبب الذي دفع باللاهوتيين في علم الآثار، لاعتبار هؤلاء شعباً (له حضارة كبرى) تمتد من الأناضول وسوريا حتى تخوم العراق؟

وفي نقش سرجون الثاني تفاصيل أخرى هامة للغاية يتوجب الاطلاع عليها، لأنها تصف ما فعله بالسبئيين والحميريين والآراميين:

(الذي حطم أسوار حصون مدينة سنحيتو- سنحان (Shinuhtu) ودمر مساكنها وأحرق ملكهم قيقه (Kiakki) بالمشعل; وهو الذي أطاح بأهالي بيت برط (Bît –Burut ash) الذين نسي ملكهم أفضال سرجون، ووضع ثقته بملك الآراميين Ur artu,)  Armenia في اور-أرتو) وبأرض موشكي  (Muski) بجيوشها الجبارة؛ والذي جاء لقتال الميديين (قبائل مدي)  Midas و (Mita). كان متا, ملك موشكي (Muski  قد دمر أرض بيت حمير (Bît-Hamuria) الشاسعة وفي رفح (Rapihu) كان السبب في هزيمة مصر (ن).

 و(هو) من أُحضر هينعمو- هينعم  Hanûnui  city of Shinuhtu, destroying its  

إذا كان التاريخ القديم يعرف جماعة قبلية همجية (كما تصفها النقوش الآشورية) بهذه القوة، والقدرة على الانتقال من ميدان قتال إلى آخر، وفي الآن ذاته ضد إمبراطورية عظمى مثل آشور؛ فهذا ما يمكن اعتباره خيالاً سقيماً

من الواضح -طبقاً لهذا النقش- أن سرجون الثاني خاض معاركه ضد قبائل معين الجوف (معين مصرن)، وواجه مقاومة ضارية من التحالف السبئي ومن قبائل مدي (في حجة) وقبائل حمير اليهودية الجنوبية، وكذلك من قبائل الآراميين(قبائل إيل رم  ʾlrm) في رداع عاصمة الحميريين.

وسيبدو أمراً يصعب تصديقه بصورة مطلقة أن نرى الجماعة نفسها وهي تقاتل بني إسرائيل دون توقف، وفي الآن ذاته تصارع الآشوريين، إنْ لم تكن هي مجرد قبيلة يمنية من القبائل التي دخلت في صراعات قبلية تقليدية مع جيرانها وخصومها؟

إذا كان التاريخ القديم يعرف جماعة قبلية همجية (كما تصفها النقوش الآشورية) بهذه القوة، والقدرة على الانتقال من ميدان قتال إلى آخر، وضد قبيلة صغيرة مثل بني إسرائيل، وفي الآن ذاته ضد إمبراطورية عظمى مثل آشور؛ فهذا ما يمكن اعتباره خيالاً سقيماً، لأن النقوش الآشورية تقول إنهم قاتلوا ضمن حلف قبلي، وإنهم ساندوا قبائل حمير، ودعموا كرب (إيلو)؟ وإذا كان هذا الشعب القديم عرقاً خاصاً وكانت لديه (حضارة) عظيمة، فكيف ولماذا لم يتركوا أي دليل على وجودهم، ولماذا يظهرون في النقوش الآشورية كقبيلة صغيرة؟ ولماذا كانوا يقاتلون مع حمير ضد الآشوريين؟

سأتوقف هنا لإعادة بناء الرواية التاريخية عن هذه الجماعة بصوتي لا صوت اللاهوتيين:

إذا كان الآراميون سكان سوريا كما يزعم اللاهوتيون، فهل من المنطقي تخيّل أنهم حاربوا سوية مع حمير اليمنية في رفح المصرية؟

يسجل النقش ما يلي (الترجمة العربية: نقوش سرجون الثاني: صفحة 3):

(وفي السنة الثانية من حكمي قام ذي تلو بعل (Ilu-bi'di) ملك حمة (Hamath)...... من أرض أمورو (Amurru ?) وجمع في مدينة قرقر (Karkar) والقسم..... مدن أرباد وشميرا (Arpad,Simirra) وثارت ضدي دمشق وشميرا (Samaria) وأمر السبئي (u 'Sib) بأن يقوم تورتان (turtan) بمساعدة شعننو (Hanno's) وتقدم نحوي للبدء بالمعركة والقتال. وبأمرٍ من سيدي آشور هزمتهم وهرب السبئي ( 'u Sib) وحده كراعٍ ضلّت عنه خرافه و مات. وقبضتُ على (Hanüni  حناني) بيدي هذه وأخذتهُ مقيداً إلى مدينتي آشور ودمرتُ مدينة (Rapihu  رفح) وحطمتُها وأحرقتُها بالنار؛ وحملتُ 9.033 شخصاً مع ممتلكاتهم الكثيرة.

 

(صفحة 26 من السجلات) وعندما بلغتُ السنة الخامسة عشرة من حكمي تسببتُ بهزيمة (Humbanigash) و(Elamite) في سهل (Der) فحاصرتُ

واستوليتُ على شميرا (Samaria) حاملاً معي 27290 شخصاً ممن كانوا يسكنون هناك. وجمعتُ من بينهم 50 عربة وأعطيتُ حصتهم للآخرين (حصّة من رحلوا) وعيّنتُ حكاماً من عندي عليهم، وفرضتُ عليهم جزية الملك السابق وهزمتُ (Hanno  حنانو) ملك غزة كما هزمتُ السبئي ('e Sib) حاكم مصر الذي خرج ضدي عند (رقح) (Rapihu) من أجل القتال ولكن السبئي (e ' Sib) خاف عند سماعه جلجلة أسلحتي، فلم يعد يراه أحد من يومها. أما (Hanno) ملك غزة فأمسكته بيدي هذه)

إذا كان الآراميون سكان سوريا كما يزعم اللاهوتيون، فهل من المنطقي تخيّل أنهم حاربوا سوية مع حمير اليمنية في رفح المصرية؟ علماً أن كل هذه المواقع ضمن إقليم رداع (إب) عاصمة الحميريين وفي الجوف ومأرب. وها هنا رفح اليمنية قرب صنعاء، وهؤلاء هم السبئيون الذين كانوا ملوك (معين الجوف/ معين مصرن) في العصر المكربي الأول.

المصدر : الجزيرة