كنوز عثمانية تجتمع في منزل مقدسي

إحدى غرف المنزل العثماني التي رممها أبو قويدر قبل عامين وكشف خلال الترميم عن الحجارة العثمانية الأصلية (الجزيرة)
إحدى غرف المنزل العثماني التي رممها أبو قويدر قبل عامين وكشف خلال الترميم عن الحجارة العثمانية الأصلية (الجزيرة)
أسيل جندي-القدس

بخطى واثقة ثابتة يمضي المقدسي كمال أبو قويدر (50 عاما) مشواره نحو تحقيق حلمه الأكبر في استكمال ترميم منزله التاريخي الواقع في منتصف سوق خان الزيت بالبلدة القديمة في القدس.

وفي الطريق إلى المنزل من جهة باب العامود تشد الزائر روائح الخبز والفلافل والأطعمة الزكية المنبعثة من سوق خان الزيت وشارع الواد.

وقبل الوصول إلى المنزل بخطوات يودع الزائر رائحة المخللات المختلفة من حانوت قديم بالسوق، وابتسامة بائعات الخضروات المسنات اللاتي يصلن للقدس يوميا مع بزوغ الفجر لتجد بضاعتهن طريقها إلى مطابخ المقدسيات.

وبمجرد دخول منزل أبو قويدر يكاد ينسى الضيف حاضره ويعود بذاكرته إلى أكثر من قرن للوراء وبالتحديد إلى الفترة العثمانية التي شيد خلالها المنزل وعاشت في ه عائلة أبو قويدر في ثلاثينيات القرن الماضي.

مدخل منزل المقدسي كمال أبو قويدر في أحد أزقة سوق خان الزيت بالبلدة القديمة في القدس (الجزيرة)

بصمات عثمانية
اشترى كمال المنزل المكون من طابقين عام 2000 من عمه وعائلة السعودي، وبدأ منذ ذلك العام بترميمه بعدما اضطر لبيع شقتين سكنيتين ومحل تجاري في كفر عقب شمال القدس بهدف الانتقال للعيش بالبلدة القديمة في المدينة.

وخلال استضافته الجزيرة نت في منزله تحدث عن التكاليف الباهظة التي أثقلت كاهله ودفعته للتوجه إلى المؤسسات المسؤولة عن مشاريع دعم صمود المقدسيين من خلال ترميم بيوتهم المتهالكة، لكنه سرعان ما تراجع عن ذلك بعدما فوجئ باستهتار هذه الجهات بتراث هذه البيوت وعراقتها.

وبشأن هذا الموضوع قال "هذه المؤسسات تسعى لترميم المنازل بأقل التكاليف عبر استخدام مواد خام رديئة.. أخفت كل معالم بيتي التاريخية من أجل الانتهاء منه بسرعة ووضعه على قائمة المنازل المرممة".

سبع غرف موزعة على طابقين تطل على فناء خارجي رمم معظمها كمال أبو قويدر وأعاد ترميم ما عملت عليه المؤسسات للكشف عن الحجارة الأصلية التي حولت منزله إلى متحف يؤمه أصدقاؤه يوميا لالتقاط الصور فيه وللجلوس في أجواء تراثية بامتياز، ووصلت تكاليف الترميم حتى الآن إلى نحو مليون دولار.

زير الماء الذي عثر عليه أثناء الترميم وبعض المقتنيات التراثية الأخرى في إحدى غرف المنزل (الجزيرة)

شغف بالتاريخ
انتهى أبو قويدر مؤخرا من ترميم سادس غرف منزله وجال فلسطين من شمالها إلى جنوبها للحصول على البلاط المناسب الذي يشبه إلى حد ما البلاط الذي امتازت به البيوت الفلسطينية القديمة، وبعد ثلاثة أشهر من البحث تمكن من شرائه من مدينة حيفا
.

وخلال ترميمه الغرف عثر على زير ماء تاريخي بالإضافة لغليون التدخين الذي وجد عددا منه بين حجارة الجدران، بالإضافة لكثير من العملات المعدنية التي يعود تاريخها إلى بداية الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس.

شغفه بالتراث دفعه منذ 25 عاما لشراء مئات القطع الأثرية المختلفة من البلدة القديمة في كل من القدس ونابلس والخليل، ومن بين هذه القطع مكواة تاريخية ومذياع وتلفاز والكثير من الأواني النحاسية بالإضافة إلى موقد حطب يعود تاريخه للفترة العثمانية.

وقال "هذا حلمي أن أعيش في أجواء قديمة.. أنا أعشق تاريخ القدس ولا يمكنني التعبير عن شعوري تجاه هذه المدينة، إنها باختصار جنة الله على الأرض".

المقدسي أبو قويدر يطل من إحدى غرف منزله على البلدة القديمة بالقدس وقبة الصخرة (الجزيرة)

حكاية ساعة
ويجد كمال صعوبة في تصليح القطع التراثية التي يقتنيها كإحدى ساعات الحائط التي اشتراها من مدينة الخليل ويصل عمرها إلى 150 عاما، وبشأنها قال "أرسلتها لمصلح الساعات الأثرية الوحيد في باب السلسلة بالقدس واسمه بولص".

ويتابع "كلفني تصليحها ألف شيكل (250 دولارا)، أعطيته المبلغ دون تردد لكنها سقطت على الأرض وتعرضت لعطل ولن أتمكن من تصليحها لأن بولص توفي وتوفيت معه الساعة التي لم أجد في فلسطين من يصلحها لي بعده". 

لا شيء يعكر صفو ذهن كمال أبو قويدر طالما يتنقل ببصره بين زوايا منزله التاريخي، لكنه لا يخفي شعوره بالقهر لحظة جلوسه على سطح منزله أو خروجه منه ومشاهدته البؤر الاستيطانية التي تغلغلت في أزقة البلدة القديمة وبات يجاوره المستوطنون منذ سنوات.

ويفتخر كمال بكونه تمكن من ترميم منزله بعرق جبينه ومن مصدر رزقه المتواضع وهو "بسطة الكعك" التي عمل عليها والده منذ 55 عاما، وتولى هو العمل عليها منذ كان طفلا وحولها قبل سنوات لبسطة تبيع الذهب المقلد، متمنيا أن يسير أبناؤه وبناته السبعة على نهجه في الحفاظ على كنوز القدس التاريخية.

المصدر : الجزيرة