من باب المغاربة إلى باب الأسباط.. 27 عاما

عن الكاتب

ناجح بكيرات

كاتب وباحث في تاريخ القدس

يوم الاثنين 8 أكتوبر/تشرين الأول 1990 كنت على سطح قبة الصخرة أسير أنا وأيمن الشامي، والطائرات الإسرائيلية تحوم في السماء، والأنظار تتجه إلى باب المغاربة حيث اقتحم عدد كبير من المتطرفين اليهود -وعلى رأسهم كيرشون سلمون- المسجد الأقصى، ودعا إلى هدمه وتطهيره من المسلمين وجميع الأبنية التي فيه وإقامة الهيكل المزعوم. فتصدى لهم أهل المسجد الأقصى واصطدموا معهم، وما هي إلا لحظات قليلة بعد الاصطدام (10:30 صباحا) وإذ بمئات من الجنود يقتحمون المسجد من جهة باب المغاربة وسيل من الرصاص الحي والقنابل الغازية والرصاص المطاطي، فيما انتشر القناصة على سطح المدرسة التنكزية ليسيل شلال من الدماء الزكية في ساحات المسجد.

وكان على رأس الشهداء الشهيد أيمن الشامي الذي كنت قد دعوته إلى تناول طعام الإفطار قبل ساعة من المجزرة، فقال لي: "إني صائم وسأفطر إن شاء الله في الجنة". صدق الله فصدقه. وتساقط الشهيد تلو الشهيد، واستمرت المواجهات، لكن موازين القوى غير متكافئة، فكان جنود الجيش الإسرائيلي لا يوجهون بنادقهم ومدافعهم الرشاشة إلا إلى رؤوس الفلسطينيين وصدورهم، مما أدى إلى استشهاد 21 وإصابة نحو 850 واعتقال 500 بمجزرة الأقصى، بعد منع سيارات الإسعاف من الوصول لتسود المسجد حالة من الألم والوجع الذي لا ينسى إلى الأبد.

كان على رأس الشهداء الشهيد أيمن الشامي الذي كنت قد دعوته إلى تناول طعام الإفطار قبل ساعة من المجزرة، فقال لي: "إني صائم وسأفطر إن شاء الله في الجنة"، صدق الله فصدقه وتساقط الشهيد تلو الشهيد

ردود فلسطينية وإسرائيلية
استجمع المقدسيون قواهم ودفنوا شهداءهم، ولكن لم يدفنوا أقصاهم.. عشقوا الأقصى فقدموا أغلى ما يملكون، وجعلوا من ساحاته ومحاريبه ساحات حب وعشق للشهادة. وما هي إلا سنوات قليلة لتعلن دولة الاحتلال أن المسلمين قد سبقوها إلى المصلى المرواني الذي أعيد إعماره وافتتاحه في عام 1996. ويفتح بواباته العملاقة عام 1998 ويفتتح الأقصى القديم وتعمر السبل وتنتشر حلقات القرآن ولتكون هذه العمارة في كل نواحي المسجد، ويسجل التاريخ أن الأقصى لم يمر في عمارة وترميم منذ أربعمئة عام كما مراحل هذه الفترة التي كنت شاهدا على تفاصيلها.

أما الرد الإسرائيلي فكان أن افتتح الاحتلال عام 1996 نفقا من أسفل المدرسة التنكزية جنوبا إلى أسفل المدرسة العمرية شمالا، وهو نفق استمر حفره حوالي 26 عاما على طول الجدار الغربي للمسجد الأقصى، ليقدم الرواية التوراتية ويخلخل أساسات الأبنية الإسلامية على طول 490 مترا، ويعرض الأقصى إلى خطر حرب الحفريات التي ما زالت قائمة حتى اليوم.

هبة النفق والانتفاضة
على خلفية فتح النفق في 25 سبتمبر/أيلول 1996، انطلق الشعب الفلسطيني بكامل أطيافه للرد على هذا الفعل الاحتلالي لما يشكله النفق من خطورة بالغة على المسجد وعلى حياة المقدسين، مما أدى إلى سقوط 63 شهيدا فلسطينيا و1600 جريح؛ إلا أن هذه الهبة لم تستمر طويلا لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع.

ثم اقتحم أرييل شارون المسجد الأقصى من باب المغاربة في 28 سبتمبر/أيلول 2001 وسط حراسة مشددة لم يسبق لها مثيل، وبعد تطهير شبه كامل للمسجد الأقصى من المصلين والرواد لم يتبقَ إلا ثلة قليلة من الشبان الذين اعتصموا داخل المصلى القبلي وشكلوا الوهم القاتل لشارون وجيشه، وهو يتلقى الضربات بالكراسي والأحذية وما توفر لدى هؤلاء المحاصرين من أدوات خشبية ردا على الاقتحام والتصريحات التي أدلى بها وزعم أن الأقصى سيبقى تحت السيادة الإسرائيلية.

لم يتبقَ إلا ثلة قليلة من الشبان الذين اعتصموا داخل المصلى القبلي وشكلوا الوهم القاتل لشارون وجيشه وهو يتلقى الضربات بالكراسي والأحذية

اندلعت الانتفاضة الثانية وتميزت عن مثيلاتها بأنها كانت شبه مسلحة من الجانب الفلسطيني، في حين أن موازين القوى لم تكن متكافئة، إذ استخدمت إسرائيل وعلى مدار خمس سنوات الطائرات والدبابات وأنواع أسلحة متطورة أدت إلى تدمير البنية التحتية للشعب الفلسطيني واستشهاد 4500 فلسطيني، وجرح خمسة آلاف آخرين. ولم تكن خسائر الجانب الإسرائيلي سوى 1200 قتيل ما بين جندي ومستوطن وجرح خمسة آلاف إسرائيلي.

خلال هذه الانتفاضة تمت تصفية قيادات فلسطينية عريقة، أمثال: ياسر عرفات وأحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وأبو علي مصطفى, وقيادات ميدانية، ولم تتوقف إلا في  فبراير/شباط 2005 بعد اتفاق الهدنة الذي عقد في قمة شرم الشيخ.

جمر تحت الرماد
الكل حاول أن يطفئ الجمر، وكانت محاولات حثيثة داخلية وخارجية، عربية وغير عربية، ولكن الحصار استمر على الشعب الفلسطيني خصوصا غزة والقدس، وبني جدار الفصل العنصري للحد من تواصل الجمر، واستمر الجمر الفلسطيني يتناثر يوما بعد يوم ليخرج من تحت الرماد المتكدسُ فوقه، وغلب على طابع الجمر الأفعال الفردية، فظهرت صناعة الصواريخ في غزة واختراعها لردع المارد المحتل، وقتل زئيفي وزير السياحة الإسرائيلي، إلا أن حكومة الاحتلال زادت من كمية الرماد على الجمر لمنع حدوث انتفاضة جديدة بكل ما أوتيت من قوة.

وأثّر الانقسام الفلسطيني بين حماس وفتح عام 2007 على إخماد الجمر نوعا ما، كما أن الوضع الإقليمي والدولي والعالمي لم يكن في صالح الفلسطينيين.

استمرت الرؤية البصرية العربية والإسلامية للمسجد الأقصى والبلدة القديمة من القدس شوكة بحلق الاحتلال الذي سعى منذ اليوم الأول إلى تغييرها وخلق واقع جديد، فأطلق مصطلح "الحوض المقدس" وصادر القصور الأموية ووضع مخطط "2020" ومخطط "2040" للبلدة القديمة والمسجد الأقصى، في محاولة لخنق المسجد وعزله عن محيطه والتوسع في الاستيطان وبناء آلاف الوحدات السكنية. واستمرت حرب الحفريات تحت جدران المسجد ووصلت إلى سلوان ومنطقة النبي داود، وزرعت البؤر الاستيطانية في الطور والشيخ جراح ورأس العامود، وبدأت حرب منظمة بملاحقة المقدسيين على كل الأصعدة لتجفيف الوجود العربي في البلد القديمة والأقصى.

شكل برنامج الاقتحامات في المسجد الأقصى تصعيدا خطيرا على قداسة المسجد وعلى الوضع التاريخي له (ستتك فو) وعلى المصلين والمرابطين فيه

وشكل برنامج الاقتحامات في المسجد الأقصى تصعيدا خطيرا على قداسة المسجد وعلى الوضع التاريخي له (ستتك فو) وعلى المصلين والمرابطين فيه، وعلى أبناء الشعب الفلسطيني بشكل عام. ولهذا كنا نجد بين الفينة والأخرى ردات فعل من الفلسطينيين -خصوصا المقدسيين- نتيجة الاستفزاز والقهر الذي يشاهدونه يوميا من قبل المتطرفين وممارسة الشرطة والقوات الخاصة في حمايتهم أثناء تجولاتهم في ساحات المسجد الأقصى ومحاولة أداء الصلاة أو بعض الرموز التوراتية. وقد قاد اليمين المتطرف بزعامة بنيامين نتنياهو الجمهور الإسرائيلي إلى درجة تعدت جميع الخطوط الحمراء، من قتل وإرهاب وحرق ودمار واعتقال وإبعاد.

الجديد في السياسات الإسرائيلية:

1- زيادة أعداد المقتحمين بنسبة سنوية تصل إلى 10% سنويا، وفي عام 2017 وصلت أعداد المقتحمين إلى 23 ألف متطرف حتى هذه اللحظة.

2- زيادة وقت الاقتحام بساعة، وزيادة عدد أفراد الشرطة والقوات الخاصة، وإضافة العنصر الشرطي النسائي.

3- الإغلاقات المتكررة للمسجد الأقصى ومهاجمة الشرطة والقوات الخاصة للمعتكفين والمرابطين في المصلى القبلي عشرات المرات.

4- إقرار مبدأ الإبعاد عن المسجد الأقصى حتى بات عدد الذين أبعدوا عنه من الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2017 أكثر من 1270 مبعدا.

شنت دولة الاحتلال حربا على المرابطين والمرابطات حتى أصدرت قرارا بجعل الرباط في المسجد تنظيما محظورا

5- شنت دولة الاحتلال حربا على المرابطين والمرابطات، حتى أصدرت قرارا بجعل الرباط في المسجد تنظيما محظورا أدى إلى حظر مصاطب العلم والرباط في المسجد الأقصى المبارك.

6- سمحت دولة الاحتلال للمستوطنين بممارسة الإرهاب ضد الفلسطينيين، حتى أدى بهم الأمر إلى حرق منزل الدوابشة وحرق الطفل محمد أبو خضير حيا.

7- التقارير تحدثت عن اعتقال وتوقيف أكثر من سبعة آلاف طفل قاصر خلال هذه السنوات، واعتقال وتوقيف أكثر من 15 ألف فلسطيني أمام دولة تدعي الديمقراطية والحرية.

8- شنت إسرائيل ثلاث حروب على قطاع غزة.

9- صعدت دولة الاحتلال الحرب على المقاومة في جميع المجالات وخاصة في المجال القانوني، واستخدمت أذرعها الحكومية والبلدية لتهجيرهم والتقليل من نسبتهم.

10- وضعت المسجد الأقصى في عين اهتمامها وألحقته بمكتب رئيس الوزراء، وشكلت له طاقما شرطيا وفنيا وأثريا لمتابعة الأحداث فيه لحظة بلحظة.

عمارة المصلى المرواني من قبل المقدسيين وتحت إشراف الأوقاف تعتبر سابقة فريدة وإنجازا لم يحصل منذ حوالي مئتي عام

الجديد في صمود الشعب الفلسطيني:
1- عمارة المرواني من قبل المقدسيين وتحت إشراف الأوقاف تعتبر سابقة فريدة وإنجازا لم يحصل منذ مئتي عام.

2- تطور المقاومة في قطاع غزة وانسحاب إسرائيل من القطاع وتطوير الصواريخ والأنفاق أدى في النهاية إلى وجود شخصية فلسطينية تقاوم على أرضها لأول مرة منذ فترة طويلة.

3- نجاح المقاومة في أسر الجندي جلعاد شاليط والإفراج عن الأسرى في صفقة بين حركة حماس والاحتلال الإسرائيلي.

4- إفشال التقسيم الزماني والمكاني حتى الآن في المسجد الأقصى، بمعنى أن إسرائيل لم تستطع خلال 17 عاما من تطبيقه بالكامل وكما تريد.

5- ظهور حركة نسائية مقدسية عرفت بالمرابطات لأول مرة في تاريخ النضال والمقاومة الفلسطينية، أعاد إلى المرأة الفلسطينية دورها الكفاحي والتربوي.

6- الحركة الأسيرة تطورت إلى درجة خوض أطول إضراب في حياة الحركة، ولكنها تحولت فيما بعد إلى إضرابات فردية كما فعل سامر العيساوي ومحمد القيق، وأدت إلى نجاحات وبطولات فائقة.

7- فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية وحدوث الانقسام الذي أثر بشكل واضح على برنامج الشعب الفلسطيني داخليا وخارجيا، ومع حلول ذكرى الانتفاضة الثانية تمت المصالحة.

فجر مهند الحلبي انتفاضة السكاكين والدعس، وظهرت بطولات فردية أبهرت العالم وأقلقت المحتل توّجها معتز حجازي بإطلاقه الرصاص على صدر يهودا غليك

8- فجر مهند الحلبي انتفاضة السكاكين والدعس، وظهرت بطولات فردية أبهرت العالم وأقلقت المحتل، وتوّجها معتز حجازي بإطلاقه الرصاص على صدر يهودا غليك زعيم التطرف اليميني الإسرائيلي وعضو الكنيست اليوم، واستمرت العمليات، وصعد بهاء عليان وفادي -والقائمة طويلة- في ركب الشهداء انتقاما للمسجد الأقصى والقدس.

9- مجزرة الأقصى وما تبعها من إرهاب صهيوني خطير لم يوقف الشعب الفلسطيني ولم يثنه عن الاستمرار في طريق المقاومة والدفاع عن الأقصى.

10- كل ما جرى خلال 27 عاما أثر وبشكل واضح على احتضان الأقصى والقدس وزيادة الانتماء للوطن والمقدسات.

الدخول من باب الأسباط
لم يكن أحد يتوقع أن تكون هناك عملية فدائية في قلب المسجد الأقصى أو على بواباته، وذلك حينما باغت ثلاثة شبان من الداخل الفلسطيني الجنود الإسرائيليين عند باب حطة، فقتل جنديان وجرح آخر، ليصدر نتنياهو قرارا فوريا بإغلاق المسجد الأقصى كاملا وطرد المصلين منه واعتقال الحراس والموظفين ومنع صلاة الجمعة والأذان وتعطيل الشعائر فيه، وهذا لم يحدث منذ احتلاله عام 1967.

واستمر الإغلاق يومين، ثم أعلنت دولة الاحتلال عن افتتاح المسجد بشرط المرور من البوابات الإلكترونية المتواجدة في باب الأسباط (وهذا يحتاج إلى مقال مطول ليس مقامه هنا). وما نسجله هنا أن الدخول لم يكن لكيرشون سلمون الذي نادى بهدم المسجد الأقصى، ولا لشارون الذي قال "إن السيادة على المسجد الأقصى لإسرائيل حتى الأبد"، ولكن الدخول كان للمقاومة المقدسية المسلمة بعد 27عاما، لتكون السيادة إسلامية ويعتبر اعتصام باب الأسباط حدثا فريدا في تاريخ البطولات والمقاومة والانتصار للشعب الفلسطيني.

نعم كما هي الخطوات من باب المغاربة إلى باب الأسباط، ولكنها خطوات سجلت بالدم والعذاب على أمل تحقيق الانتصار بعد هذا الإنجاز الذي أعاد القضية الفلسطينية برمتها إلى صدارة الحدث الدولي والعالمي، الذي لم يحرك ساكنا طيلة هذا الزمن سوى المؤامرات والوقوف مع الجلاد ضد الضحية، أما العالم العربي والإسلامي فأوراقه محدودة ومعلومة لا تزيد على الشجب والاستنكار.

التجربة المقدسية والرباط في باب الأسباط والنزول إلى الشوارع حدث تاريخي لا يمكن المرور عنه بسهولة، وقد أخر المشروع الصهيوني في القدس سنوات طويل

خلاصة
1- القدس تحتضر عمرانا وإنسانا وحياة، والأقصى يفترس ويحاصر ويعزل يوما بعد يوم.

2- التجربة الغزية المقاومة هل تتمدد وتصقل وتطور أم تحاصر؟ الأيام القادمة فيها النبأ العظيم لحدث عظيم.

3- التجربة المقدسية والرباط في باب الأسباط والنزول إلى الشوارع حدث تاريخي لا يمكن المرور عنه بسهولة، وقد أخر المشروع الصهيوني في القدس لسنوات طويلة.

4- البرنامج الإسرائيلي خطير وخطير جدا على كل المستويات، وإن لم يواجهه برنامج فلسطيني موحد وعربي موحد وإسلامي موحد فباطن الأرض خير لنا من ظهرها.

5- نحن على أبواب مرحلة جديدة عنوانها الإسرائيلي "الانتقام من الشعب الفلسطيني"، أما المقاومة والشعب الفلسطيني فعنوانه الوعي والتعليم والإعداد والوحدة والتحرير، والعاقبة للمتقين الصابرين الثابتين أصحاب الأرض والمقدسات.

المصدر : الجزيرة