أفران القدس تروي قصة أكلاتها الشعبية

الكعك وجبة الإفطار المفضلة لدى المقدسيين (الجزيرة)
الكعك وجبة الإفطار المفضلة لدى المقدسيين (الجزيرة)

ميرفت صادق-رام الله

تضيف الأفران القديمة في القدس للمدينة المقدسة ألقا جديدا كل صباح، فالرائحة المنبعثة منها تغري الغادين إلى أعمالهم بالوقوف عليها ولو لحظات، ثم ينفضون عنها وقد أخذوا نصيب يومهم من الكعك "إذ لا يحلو فطورهم إلا به".

ويعرف المقدسيون فرن أبو اسنينة في حارة الشرف بالبلدة القديمة كأقدم أفران المدينة الـ 27 المنتشرة داخل سورها القديم، وتتوافد عليه أجيال المدينة منذ ثمانية قرون لشراء وجبة الفطور الأشهر في القدس وهي الكعك بالسمسم، كما تقول الناشطة المقدسية هيا السلايمة.

ومعظم أفران المدينة أسست قبل أكثر من قرن من الزمان، وتتوارثها العائلات جيلا بعد جيل، وإن كان فرن أبو اسنينة أقدمها، وفقا للباحثة في تراث الطعام أمل النشاشيبي.

ولا يقتصر دور الأفران على إعداد المخبوزات والكعك، بل يتجاوزها إلى إعداد الأكلات الشعبية المشهورة في المدينة المقدسة، كالمقلوبة والقدرة وغيرها، إضافة إلى أصناف متنوعة من الحلوى أشهرها المشبك الذي يعد في مناسبات دينية كذكرى المولد النبوي الشريف.

 

أفران القدس تعاني من ملاحقة الاحتلال (الجزيرة)

طعام وصراع
تحول الطعام الشعبي الفلسطيني إلى مادة لـ الصراع مع إسرائيل لارتباطه ببيئة وهوية ومجتمع الفلسطينيين، وهو من أدلة وجودهم التاريخي على أرضهم، بينما يسعى الاحتلال لسرقة هذا التراث من أهله ونسبته إليه، لمحاولة إثبات وجوده ولو من طرف خفي بأرض فلسطين.

وتقول أمل النشاشيبي -أثناء مشاركتها في معرض "تحيا القدس" في المتحف الفلسطيني- إن الطعام الشعبي ومواده كالقمح والزيت دلالة على وجود الفلسطيني في أرضه منذ آلاف السنين.

وتقدم هيا السلايمة المقلوبة كنموذج للطعام الشعبي، وتقول إنها عرفت منذ زمن صلاح الدين الأيوبي، وتسمى عن المقدسيين أيضا "الباذنجانية" لأنّها كانت تُعد من الأرز واللحم والباذنجان فقط، قبل أن تدخل فيها أصناف أخرى من الخضار كالبطاطا والقرنبيط.

أما المعجنات والصفيحة الأرمنية فتعتبر من أشهر الأكلات في البلدة القديمة، وتتكون من عجينة رقيقة تغطى باللحم المبهّر وتخبز في فرن النار، وأخذها أهل البلدة القديمة عن الطائفة الأرمنية التي قدمت إلى القدس في العهد العثماني.

مقدسيات يقدمن طبق المقلوبة بإحدى فعاليات الترويج للأكلات الشعبية المقدسية بالمتحف الفلسطيني (الجزيرة)

طعام مختلط
وتشير الباحثة النشاشيبي إلى أن الطعام في القدس تأثر بواقع المدينة المغلقة. وبينما تميز طعام أهالي شمال فلسطين بالخضار وزيت الزيتون والدجاج لانتشار الزراعة، اعتمد أهل الجنوب على الألبان ومنتجات الحيوانات بسبب البيئة الصحراوية، ووقعت القدس بين البيئتين فجاء طعامها مختلطا.

واستمدت البلدة القديمة طعامها تاريخيا من الخضار واللحوم من منطقتين خارج الأسوار هما سلوان جنوب المسجد الأقصى ولفتا شمالا.

وبعد النكبة وتهجير لفتا، صار الطعام يصل القدس من قرى الخضر وأرطاس بمنطقة بيت لحم جنوبا ومن منطقة بيت عنان شمالا.

وبينما اعتمدت مناطق فلسطين على الطابون (التنور) في إعداد خبزها، لجأ أهالي البلدة القديمة إلى الأفران في خبزهم وفي إعداد حلوى "القرشلة" وهو خبز محلى ومحمص، وقد انتشر على نطاق واسع في سحور رمضان قديما.

وكانت الأفران مصدرا للتدفئة، إذ استعان الأهالي بالفحم بعد خبز الطعام ونقلوه إلى بيوتهم للتدفئة.

أطعمة شعبية في فعالية عن الطعام المقدسي (الجزيرة)

ملاحقة الاحتلال
ولم تنج أفران البلدة القديمة من ملاحقة إسرائيل حالها حال غيرها من المحلات المقدسية، فهي عرضة للإغلاق بعد وفاة أصحابها، وتلجأ بلدية الاحتلال في هذه الحالة إلى سحب الترخيص منها أو فرض رسوم باهظة لتجديد الرخصة للورثة.

وتقول النشاشيبي إن أصحاب الأفران يجدون صعوبة في ترميمها أيضا، ويتعرضون لغرامات مالية باهظة إذا لجؤوا لتنفيذ إصلاحات داخلية، إلى جانب تقديم الشكاوى ضدها بدعوى التسبب بالأدخنة في مناطق سكنية.

وتأثرت الأفران في القدس القديمة بدخول الآليات الحديثة في صناعة الطعام، بالإضافة إلى اقتناء الناس أفرانا منزلية وتخليهم جزئيا عن الطبخ في الأفران القديمة.

المصدر : الجزيرة