أوقفوا مجزرة الأوقاف الأرثوذكسية أو انسوا القدس!

عن الكاتب

أليف صباغ

عضو المجلس المركزي الأرثوذكسي

يعود الخلاف بين أبناء الكنيسة الأرثوذكسية العرب وبين البطريركية اليونانية إلى نحو 500 عام مضت، بالتحديد إلى عام 1534، عندما استدعى السلطان العثماني بطريركَ المدينة المقدسة عطا الله الثاني إلى القسطنطينية ومنعه من العودة إلى القدس، وعيّن بدلا منه المطران جرمانوس اليوناني ليصبح بطريكا للمدينة المقدسة وسائر أعمال فلسطين والأردن.

كان هذا المطران متعصبا للجنس اليوناني، فقام بعزل الرهبان العرب واحدا تلو الآخر وتعيين مطارنة يونانيين بدلا منهم، كما قام بإبعاد العرب عن سلك الرهبنة في الكنيسة وحصر سدة البطريركية بالرهبان اليونانيين فقط.

وازدادت العنصرية اليونانية حدة بإقامة تنظيم أخوية القبر المقدس، وهو تنظيم يوناني عنصري معادٍ لأبناء الكنيسة من العرب، فاعتبر أن المزارات المقدسة وأوقافها تركة يونانية، فقام -بدعم من السلطة العثمانية- بتسجيل أملاك الكنيسة المنقولة وغير المنقولة كاملة باسم الأمة اليونانية، وثبّت ذلك في البند الأول من دستور الأخوية الذي لا يزال ساري المفعول إلى اليوم. هنا يكمن أساس الخلاف بين الكنيسة المقدسية وهي كنيسة عربية، وبين البطريركية اليونانية وهي الإدارة العليا للكنيسة.

لماذا إذن يُحرّم على الفلسطينيين والأردنيين إدارة كنيستهم بأنفسهم؟ ولماذا يحتاجون إلى زمرة يونانية عنصرية وفاسدة لتحتل كرسي البطريركية المقدسية وتعيث به فسادا وخرابا؟

وفي هذا تختلف الكنيسة الأرثوذكسية المقدسية عن كل الكنائس الأرثوذكسية في العالم، فبطريركية الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا روسية، وبطريركية بلغاريا بلغارية، وكذلك بطريركية اليونان ورومانيا وأنطاكيا.. إلخ؛ فلماذا إذن يُحرّم على الفلسطينيين والأردنيين إدارة كنيستهم بأنفسهم؟ ولماذا يحتاجون إلى زمرة يونانية عنصرية فاسدة لتحتل كرسي البطريركية المقدسية وتعيث به فسادا وخرابا؟

مع بداية الحرب العالمية الأولى توقف الدعم المادي الروسي للكنيسة الأرثوذكسية، هذا الدعم كانت اشترت به الكنيسة أرضا واسعة في القدس والمناطق المجاورة لها. ومع توقف الدعم وتهريب الرهبان اليونان للأموال المنقولة خارج فلسطين، أعلنت البطريركية اليونانية عن أزمة مالية وعجز قدّرته سلطات الانتداب البريطاني بستمئة ألف ليرة فلسطينية، ولسداد ذلك أجبرت السلطات البريطانية رئاسة الكنيسة على بيع مساحات واسعة من الأراضي.

وبلغت مساحة الأراضي التي باعتها الكنيسة في الفترة 1921-1925 حوالي 1120 دونما داخل حدود القدس، وكان دير المصلبة آنذاك آخر حدودها الغربية واليوم في مركزها، وأكثر من 22 ألف دونم خارج حدود القدس.

وكان للحركة الصهيونية نصيب الأسد من صفقات البيع هذه، وقد عقدت شركة الاستيطان اليهودي مع البطريركية اليونانية  64 صفقة من أصل 165 وقعتها البطريركية اليونانية في تلك الفترة مع جهات مختلفة، منها حكومة الانتداب نفسها. هذه المساحات امتلكتها الكنيسة منذ منتصف القرن التاسع عشر بأموال الدعم الروسية، أو أموال تبرعات الحجاج الذين يقدمون إلى الكنيسة، أو ما تم شراؤه بأموال خاصة، ولكنه سُجّل باسم الكنيسة لحمايته من الضرائب العثمانية. هكذا بدأت عملية تسريب الأوقاف الأرثوذكسية إلى الحركة الصهيونية، وبإشراف المندوب السامي الصهيوني هربرت صموئيل.

استمر هذا النزيف، واستمرت مسيرة عقد الصفقات بين البطاركة اليونانيين والحركة الصهيونية حتى في ظل وجود البطريركية تحت الحكم الأردني بين عامي 1948 و1967، ولم يختلف الأمر بعد احتلال القدس ووقوع البطريركية تحت الحكم الإسرائيلي.

استمرت مسيرة عقد الصفقات بين البطاركة اليونانيين والحركة الصهيونية حتى في ظل وجود البطريركية تحت الحكم الأردني بين عامي 1948 و1967

في العام 2005 جرى الانقلاب على البطريرك أيرنيوس بشبهة بيع عقارات وقفية داخل القدس القديمة، باب الخليل، إلى جمعيات استيطانية، وبالرغم من إنكاره ذلك متّهِما وكيله باباذيموس بعقد صفقات دون علمه، فقد تم عزله وتنصيب ثيوفيلوس الثالث مكانه، ليتبين لاحقا أن ثيوفيلوس أكثر إمعانا في بيع الأوقاف.

وبالاختلاف عن سابقيه -الذين أجّروا الأوقاف للحركة الصهيونية لمدة طويلة تصل إلى 99 عاما- يقوم ثيوفيلوس بتحويل هذه الإيجارات إلى بيع مطلق، وتتم الصفقات منذ تسلم ثيوفيلوس سدة البطريركية بوتيرة متسارعة وفي وضح النهار، وكأنه في سباق مع الزمن، مدعيا أنه يفعل ذلك بإطلاع السلطات السياسية الأردنية والفلسطينية وموافقتهما.

ويؤكد هذا الادعاء الدكتور منذر حدادين، كبير مستشاري الملك حسين سابقا وكبير مستشاري البطريرك اليوناني، في مقال كتبه ونشره في صحيفة الرأي الأردنية يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، يقول فيه: "لقد اجتمع رؤساء الكنائس المقدسية في عمّان عدة مرات وبحضور اللجنة الرئاسية الفلسطينية لشؤون الكنائس واللجنة الملكية لشؤون الكنائس، وبحثوا مصير الأراضي المؤجرة للحركة الصهيونية، وقد اتفق غالبيتهم أن لا مفر من بيعها بالمطلق إلى الجهات التي استأجرتها في الماضي". وليس غريبا أن يؤكد ذلك أيضا محامي البطريرك ثيوفيلوس الثالث في رسالة وجهها إلى المجلس المركزي الأرثوذكسي في نوفمبر/تشرين الأول 2016.

لم يبقَ من هذه الأوقاف كثير، ولذلك نشهد في السنوات الأخيرة أن الصفقات التي وقعت في الماضي على أنها تأجير طويل الأمد تتحول اليوم إلى بيع مطلق، ولم تقتصر على القدس الغربية بل طالت مناطق في القدس الشرقية وحتى داخل القدس القديمة.

كل هذا يحدث تحت بصر السلطات السياسية العربية، القادرة على إيقاف هذه المجزرة بسحب الاعتراف من البطريرك ثيوفيلوس الثالث، كما سحبته من سابقه إيرنيوس، ولكنها للأسف لم تحرك ساكنا.

يتم التصرف بالأملاك الوقفية، تأجيرا أو بيعا، سرا أو علنا، لجهات معادية وطنيا وبأسعار بخسة، يمكن مقارنتها بأسعار البضاعة المسروقة التي يجري تهريبها إلى الأسواق

فوق كل ذلك، يتم التصرف بالأملاك الوقفية -تأجيرا أو بيعا، سرا أو علنا- لجهات معادية وطنيا وبأسعار بخسة، يمكن مقارنتها بأسعار البضاعة المسروقة التي يجري تهريبها إلى الأسواق. وحين يخشون من الفضيحة يسجلون الشركات التي تشتري العقارات الوقفية المسربة في جزر الكاريبي، حيث لا يستطيع أحد أن يطّلع على هوية أصحاب الشركات وتقاريرها المالية، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا جدا. لقد وفرت تكنولوجيا المعلومات الحديثة لناشطين أرثوذكس -ومنهم كاتب هذه السطور- فرصة وأدوات  للوصول إلى وثائق كثيرة جدا تثبت ذلك.

هذا النزيف -كما قلنا- ما زال مستمرا منذ مئة عام وحتى يومنا هذا بالحجة نفسها: "حاجة البطريركية إلى الأموال"، حتى أصبح الأمر يهدد الوجود المسيحي وخاصة الأرثوذكسي في الأراضي المقدسة، ويهدد الحق الوطني الفلسطيني في القدس، بما في ذلك القدس القديمة، مع التذكير أن لا أحد يعلم أين تودع أو كيف تصرف هذه الأموال الطائلة. فهل يجوز السكوت عن ذلك؟

هبَّ أبناء الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين والأردن للدفاع عن حقوقهم في كنيستهم وأوقافها، وفي الدفاع عن عروبة القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، ولم تكن هذه الهبّة منقطعة عن مسيرة طويلة من نضال أبناء الكنيسة الأرثوذكسية منذ منتصف القرن التاسع عشر، بل استمرارا لها حتى يومنا هذا.

لقد نبّه المجلس المركزي الأرثوذكسي في فلسطين والأردن عام 2005 إلى خطورة انتخاب بطريرك يوناني مجددا لرئاسة البطريركية، لأن تاريخ البطاركة اليونان أثبت عداءهم للكنيسة المقدسية العربية، كما أثبت تعاونهم مع كل السلطات السياسية -وأهمها سلطة الاحتلال الإسرائيلي- ضد الحقوق الوطنية والكنسية لأبناء الكنيسة العرب.

في الأشهر الأخيرة تسلسلت فضائح الصفقات التي وقعها ثيوفيلوس، وكشف النقاب عن عدة صفقات بالوثائق الرسمية الموقعة، بما في ذلك تسجيلات الملكية في سجل "الطابو" الإسرائيلي

ليس هذا وحسب، بل نبّه المجلس من خطورة ثيوفيلوس الثالث لتصريحه في اجتماعات سرية مع اللجنة الوزارية الإسرائيلية يوم 11 يوليو/تموز 2006 -ونملك نسخة منها- أنه "لا يعارض بيع الأوقاف للصهاينة وإنما يطلب اعترافا إسرائيليا بشرعية انتخابه حتى يتسنى له توقيع الاتفاقيات الجاهزة معهم". وعاد ليؤكد ذلك في بروتوكولات محكمة باب الخليل أيضا.

ولكن أحدا من المسؤولين الأردنيين أو الفلسطينيين لم يلتفت إلى تنبيهات المجلس، بل آثروا دعمه السياسي والمادي ضاربين بعرض الحائط مطالب أبناء الكنيسة الغيورين.

في الأشهر الأخيرة تسلسلت فضائح الصفقات التي وقعها ثيوفيلوس، وكشف النقاب عن عدة صفقات بالوثائق الرسمية الموقعة، بما في ذلك تسجيلات الملكية في سجل "الطابو" الإسرائيلي، وازداد التفاف أبناء الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس المسيحية بشكل عام حول نشطاء المجلس المركزي، واتسع الإطار ليشمل نشطاء وطنيين فلسطينيين وأردنيين من غير المسيحيين، وأحزابا وتنظيمات وطنية فلسطينية وأردنية؛ وانعقد المؤتمر الوطني في بيت لحم يوم الأول من أكتوبر/تشرين الأول الحالي بمبادرة ورعاية المجلس المركزي والفصائل الفلسطينية كافة، وخرج بتوصيات وقرارات كان أهمها القرار الوطني بعزل البطريرك ثيوفيلوس الثالث باعتباره خائنا للأمانة التي وضعت بين يديه، وللالتزامات التي وقع عليها عشية انتخابه، أمام الحكومتين الأردنية والفلسطينية، بمنع تسريب الأوقاف بل استعادة ما تم تسريبه منها.

بالرغم من أن القرار وطني شاركت فيه كل الفصائل الوطنية الفلسطينية، فإن وفدا من دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس توجه في اليوم التالي للمؤتمر، "بتكليف رسمي"، لزيارة ثيوفيلوس الثالث في مقره بالبطريركية "تضامنا معه"، مما أثار حفيظة القوى الوطنية واضطرت دائرة الأوقاف أن تصدر بيانا توضح فيه موقفها، وتشير إلى أنها وقعت ضحية لمن "كلفها" بهذه الزيارة.

تتلخص مطالب أبناء الكنيسة والقوى الوطنية الفلسطينية والأردنية بسحب الاعتراف من البطريرك اليوناني ثيوفيلوس الثالث، وتقديمه إلى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى

كذلك قامت اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس بترتيب زيارة قام بها ثيوفيلوس لرئيس الحكومة الفلسطينية رامي الحمد الله، وفي أعقابه أصدر ثيوفيلوس بيانا يدّعي فيه أن الحمد الله عبّر عن تضامن الحكومة الفلسطينية معه. ولكن -وبعد ضغط شعبي من القوى الوطنية الفلسطينية- أصدر مكتب الحمد الله بيانا توضيحيا مختلفا عما صدر عن مكتب البطريرك.

مع ذلك، اعتبرت القوى الوطنية في بيانها الأخير، أن أي لقاء يحصل بين جهة فلسطينية رسمية كانت أو شعبية بعد إعلان قرارات مؤتمر بيت لحم بمقاطعة ثيوفيلوس، يشكل خيانة وطنية ولا يقبل فيها أي تبرير أو توضيح.

تتلخص مطالب أبناء الكنيسة والقوى الوطنية الفلسطينية والأردنية بما جاء في بيان المؤتمر الوطني في بيت لحم، في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الحالي. وأول هذه المطالب هو سحب الاعتراف من البطريرك اليوناني ثيوفيلوس الثالث، وتقديمه إلى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى، وهذه مهمة الحكومتين الفلسطينية والأردنية.

وستبقى القوى الوطنية -بمن فيها أبناء الكنيسة الأرثوذكسية- قوة ميدانية تفضح كل ممارسات البطريركية اليونانية، وقوة شعبية ضاغطة على السلطات السياسية حتى يتحقق مطلب تعريب الكنيسة وطرد الفاسدين منها إلى غير رجعة، ومحاكمتهم.

المصدر : الجزيرة