العقوبات الجماعية والتهجير القسري بالقدس

خمسون عاما مرت على احتلال شرقي مدينة القدس، ولا تزال سلطات الاحتلال تطور أدواتها التشريعية والسياسية لقمع الفلسطينيين والسيطرة على أعدادهم.

فمع أن أجهزة وقوانين الاحتلال قد دأبت على تهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين من أماكن سكناهم، لا تزال سلطات إسرائيل الثلاث تطور القوانين والإجراءات للتسبب بالمزيد من التهجير والقمع، والكثير منها يستهدف المقدسيين.

فخلال سبتمبر/أيلول المنصرم فقط أصدرت المحاكم الإسرائيلية قرارين قضائيين يمسان بالوضعية القانونية لسكان شرقي القدس، التي تسمح لهم بالسكن في مدينتهم والتجول فيها. أما القرار الأول فقد أقرت فيه محكمة الاستئناف الإسرائيلية الخاصة بـ"قانون الدخول إلى إسرائيل (1952)" قرار وزير الداخلية الإسرائيلي بأن يسحب الإقامة المؤقتة المبنية على طلب لم شمله مع أسرته القاطنة في مدينة القدس، بحجة أن خال زوجته كان قد نفذ عملية دعس ضد جنود إسرائيليين.

أصدرت المحاكم الإسرائيلية قرارين قضائيين يمسان بالوضعية القانونية لسكان شرقي القدس التي تسمح لهم السكن في مدينتهم والتجول فيها

وفي هذا القرار، لم يتحرج القضاء الإسرائيلي من قبول حجة وزارة الداخلية الإسرائيلية التي تدعي أن هذا الإجراء من شأنه أن يردع من يفكر مسقبلا في القيام بعمل مشابه إذا علم أن أبناء عائلته سيعانون عقب تنفيذه لعملية. أي، إذا صغنا الحجة الإسرائيلية بمصطلحاتٍ أكثر دقة، فإن المحكمة قد وافقت على معاقبة العائلة الموسعة لمن ينسب له عمل تراه مخلاً بأمن الدولة بشكل جماعي.

أما القرار الثاني، فقد صدر بعد هذا بأيام من المحكمة العليا الإسرائيلية، وجاء في شأن قرار وزير الداخلية الإسرائيلي سنة 2006 بإلغاء إقامة 4 مقدسيين كان ثلاثة منهم قد انتخبوا أعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني، ورابعهم عين وزيرا لشؤون القدس بعد تلك الانتخابات.

وفي ذلك الحين، بررت وزارة الداخلية هذا القرار بأن نسبت إلى هؤلاء السياسيين الانتماء لـحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وقالت إنهم بعد أن انتخبوا في المجلس التشريعي الفلسطيني خرقوا معيار الولاء لدولة إسرائيل. وقد جاء هذا القرار صادما للمجتمع الحقوقي في فلسطين، إذ كانت المرة الأولى التي توثق فيها المؤسسات الحقوقية استخداما لمعيار الولاء لدولة الاحتلال أداة لإلغاء الإقامة والطرد الدائم من القدس.

وفي تلك المناسبة، التمس السياسيون الأربعة إلى المحكمة العليا الإسرائيلية طالبين إلغاء هذا القرار، وتأخر قرارهم 11 عاما حتى صدر في سبتمبر/أيلول المنصرم، حيث قررت المحكمة أنه ليس هناك في القانون الداخلي الإسرائيلي ما يجيز لوزير الداخلية إلغاء إقامة بناء على معيار انعدام الولاء للدولة، ولكنها أبقت أثر قراره (أي إلغاء الإقامة والطرد من القدس) ستة أشهر لإعطاء مهلة للكنيست الإسرائيلي (البرلمان) بأن يسن قانونا يسمح بهذا التصرف.

من المتوقع أن تشهد الأشهر والسنوات القادمة نشاطا تشريعيا كثيفا يمكن أجهزة الاحتلال التنفيذية من المزيد من البطش بسكان القدس بلا خوف من تعطيل من جهاز القضاء

ومن الجدير بالملاحظة أن هذين القرارين يهدفان إلى إلحاق الأذى بالفلسطينيين من ناحية، وبخدمة أهداف الدولة الاستعمارية من ناحية أخرى بتقليل سكان القدس، فأجهزة الدولة المختلفة وقوانينها منذ إنشائها تعمل جاهدة على تقليل عدد الفلسطينيين في فلسطين عامة، وفي مناطق معينة خاصة على رأسها القدس.

ويبدو أن اليمين الإسرائيلي يرى بالأدوات القانونية وسيلة لضرب عصفورين بحجر: معاقبة الفلسطينيين وفي الوقت نفسه تقليل أعدادهم، فالإجراءات المذكورة أعلاه ليست فريدة، بل زد عليها هدم منازل عائلات منفذي العمليات (بما فيها إلقاء الحجارة في بعض الأحيان) وإغلاقها إما بالحديد الملحوم أو حتى بملء غرفها بالإسمنت حتى لا يتمكن ساكنوها من العودة إليها، ومصادرة الأرض المقامة عليها المنازل.

كما أوقفت سلطات الاحتلال عضوية التأمين الصحي والوطني الذي يدفع المقدسيون ضريبته من قوت يومهم لعدد من ذوي منفذي العمليات وغيرهم، مثل مرابطي المسجد الأقصى المبارك، حيث ادعت أنهم لم يعودوا سكانا لمدينة القدس.

وبما أن أجهزة السلطة التنفيذية والقضائية تلتزم بالقانون الإسرائيلي حتى لو كان جائراً، فإنه من المتوقع أن تشهد الأشهر والسنوات القادمة نشاطا تشريعيا كثيفا يمكن أجهزة الاحتلال التنفيذية من المزيد من البطش بسكان القدس بلا خوف من تعطيل من جهاز القضاء، فالحكومة الإسرائييلية تسعى إلى استصدار قوانين تسهل لها إلغاء إقامة من تتهمهم بعدم الولاء، وإلغاء إقامة ذويهم وطردهم إلى خارج القدس.

لا شك أن فرص الانتصاف من داخل النظام القانوني الإسرائيلي تتضاءل بسبب النشاط التشريعي الصهيوني اليميني المتزايد

وقد دأبت مجموعة من المؤسسات المقدسية، منها مركز العمل المجتمعي التابع لجامعة القدس ومؤسسة سانت إيف ومركز القدس للمساعدة القانونية ومؤسستا الحق وبديل والائتلاف الأهلي للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في القدس وغيرها بالعمل فرادى ومجتمعين على مناصرة ضحايا العقوبات الجماعية من خلال استنفاد إجراءات الانتصاف في القانون الإسرائيلي، وانتهاج أساليب المناصرة الدولية، كالتوجه إلى الدبلوماسيين الدوليين الموجودين في الأرض المحتلة، وإلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والمطالبة بممارسة الضغط على إسرائيل للتوقف عن انتهاكها للقانون الدولي بانتهاجها سياسة العقوبات الجماعية والنقل القسري للسكان.

كما تعمل هذه المؤسسات على إنتاج المنشورات بأنواعها لتوضيح السياسات الإسرائيلية، والتواصل مع الإعلام المحلي والدولي لرفع الوعي حول السياسات العنصرية وغيرها من الأساليب.

ولا شك أن تقاعس المجتمع الدولي عن واجبه بحماية وإنصاف ضحايا هذه الانتهاكات يثير التساؤل حول جدوى هذا الجهد، إلا أن هناك مؤشرات تدعو للتفاؤل، فعلى سبيل المثال، نجح المجتمع الحقوقي الفلسطيني والدولي باستصدار قرار من مجلس حقوق الإنسان بنشر قائمة من الشركات التي تستثمر في المستعمرات الإسرائيلية بالأرض المحتلة، ويبدو أن هذه القائمة ستنشر في ديسمبر/كانون الأول القادم. كما أن فلسطين قد أصبحت عضوا في المحكمة الجنائية الدولية المختصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

لا شك أن فرص الانتصاف من داخل النظام القانوني الإسرائيلي تتضاءل بسبب النشاط التشريعي الصهيوني اليميني المتزايد. ولكن يجب عدم ترك الساحة الدولية حتى ولو كانت ثمارها بعيدة. ولا شك أن تضافر الجهود الحقوقية والدبلوماسية للدفاع عن المظلومين سيؤتي أكله يوماً ما، حتى ولو بعد حين.

ومن الأكيد أيضا أنه عندما تتحرر البلاد من الاحتلال، سيساعد عمل الحقوقيين اليوم برسم خريطة علاج الضحايا، حيث إن الحرية لن تكتمل إلا بتحرير الإنسان.

المصدر : الجزيرة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة