القدس مفتاح السلام

عرض: محمود الفطافطة

في الوقت الذي أعاد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجدل بشأن القدس إلى واجهة الأحداث، عندما تعهد بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس كان لا بد من اللجوء إلى أحد أهم مؤرخي الصراع العربي الإسرائيلي، لا على الصعيد الفلسطيني العربي فحسب، بل أيضا على الصعيد العالمي، لوضع قضية  القدس وعروبتها في سياقها الحقيقي بعد أن أمعن القادة الإسرائيليون وألحَوا في تلقين العالم أن "القدس الموحدة عاصمة إسرائيل الأبدية". 

وفي هذا السياق، جاء كتاب "القدس مفتاح السلام" للمفكر المؤرخ وليد الخالدي، ليتناول فيه تاريخ القدس، ويحاجج المؤرخين الإسرائيليين فيما أطلقوا من ادعاءات في هذا المجال. هذا الكتاب يحتوي على دراسات عديدة تُشكل مساهمة فريدة ومميزة في نطاق الأبحاث العربية والأجنبية التي عالجت القضية الفلسطينية عموما، وقضية القدس على وجه الخصوص. 

العنوان: القدس مفتاح السلام
المؤلف: وليد الخالدي
الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية/رام الله
الطبعة: الأولى/ 2017
عدد الصفحات: 225
 

بين الابتلاع والتحايل
يتكون الكتاب من سبع دراسات: إسرائيل تبتلع القدس والضفة والقطاع، الثانية، الإسلام والغرب والقدس،  الخصائص الفريدة التي تميز القدس عن سائر قضايا الصراع الصهيوني-العربي"،  لهذه الأسباب نرفض مشروع باراك-كلينتون للقدس، القدس من العهدة العمرية إلى قمة كامب ديفد الثانية سنة 2000، موقع السفارة الأميركية في القدس: وقف إسلامي مُصادر، الساعة تقارب منتصف الليل في القدس.

الدراسة الأولى، جاءت على شكل خطاب ألقاه المؤلف في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعيد حرب حزيران 1967، وذلك بطلبٍ من  وزير خارجية العراق آنذاك عدنان الباجه جي، من موقعه مستشارا للوفد العراقي في الأمم المتحدة، وذلك للرد على ادعاءات مندوب إسرائيل، آبا آيبان، وقتها. 

في خطابه يتحدث الخالدي عن قيام إسرائيل بفرض الأمر الواقع في القدس على الضد من قرارات الأمم المتحدة، مفندا ادعاءات آيبان، ومؤكدا احترام كل الدول العربية المعنية لضمان الحماية وحرية الوصول إلى الأماكن المقدسة من دون أي تمييز (والمقصود هنا خصوصا اليهود)، إذ كانت إسرائيل تتذرع بهذه المسألة لتبرير احتلالها وهيمنتها على القدس.

فلسطين لم تعرف يوما أية مشاكل بين أصحاب الديانات السماوية الثلاث، والمشاكل بدأت تبرز وتتصاعد مع ظهور الحركة الصهيونية، والاستيطان الصهيوني في فلسطين
ويوضح الخالدي أن فلسطين لم تعرف يوما أية مشاكل بين أصحاب الديانات السماوية الثلاث، وأن المشاكل بدأت تبرز وتتصاعد مع ظهور الحركة الصهيونية والاستيطان الصهيوني في فلسطين، وكانت أعلى تجلياتها تمثلت في "هبة البراق" (1929)، المتعلقة بالجزء الجنوبي من السور الغربي للقدس، بعد محاولة بعض المستوطنين اليهود الاستيلاء عليه، وجعل المكان حكرا عليهم، باعتباره "حائط المبكى".

وفيما يتعلق بالدراسة الثانية، فهي محاضرة ألقاها المؤلف في جامعة جورج تاون في واشنطن عام (1996)، أي بعد اتفاق أوسلو، ويتحدث فيها عن مركزية الصراع على القدس بين الإسلام والغرب، وبين الإسلام والمسيحيين من جهة واليهود من جهة أخرى، مؤكدا أن المسار الناجم عن اتفاق أوسلو (1993) لم يحسن الوضع، بسبب تأجيل البت في مصير القدس، ما جعل إسرائيل مطلقة اليد في الاستيطان وتغيير الواقع الديمغرافي في هذه المدينة، وصولا إلى سعيها أخذ الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لها، الأمر الذي تفاقم بعد صعود اليمين إلى سدة السلطة.

ويناقش المؤلف مدى احتمالات حل سلمي في القدس، إذ يرى أنه رغم تلك الاحتمالات في ظل حكم اليمين الاسرائيلي تكاد تكون صفر، فإن البراعة الإنسانية لا يعني أن تكون عاجزة عن ابتداع مثل هذا الحل، أو أن عناصره عصية على التحديد.

هذا الحل، وفق الكاتب، تقوم على المبادئ الأربعة الرئيسة التالية: لا احتكار للسيادة في شطري المدينة كليهما من جانب طرف واحد، لا أرستقراطية بين الأديان الثلاثة تمنح أحدها وضعا مميزا على حساب الدينين الآخرين، لا علاقة غالب ومغلوب، سالب ومسلوب، قالع ومقتلع، في العلاقات بين سكان القدس، والاعتراف المتساوي بالبعدين الديني والسياسي على السواء للقدس بالنسبة إلى الأطراف كافة.

ثمة خطر داهم في المدى القريب وهو خطر أن تقرر مفاوضات السلام مستقبل القدس في ظل المناخ الذي ليس هو في صالح الفلسطينيين

سمات وتحذير
الدراسة الثالثة تطرق فيها الكاتب إلى ما تتميز به القدس عن سائر قضايا الصراع الصهيوني العربي. وفي هذا الخصوص يقول: قضية القدس تتميز عن سائر هذه القضايا بخصائص فريدة في جذورها وأبعادها ومضاعفاتها. ذلك أن البعدين الديني والدنيوي، الروحي والمادي، السياسي والرمزي، الوجداني والعقلاني تقاطعا وتفاعلا فيها عشرات بل مئات العقود التي رافقت صراع الأطراف عليها، بحيث ارتبطت القدس ارتباطا لا انفصام له، ليس فقط بالعقائد الإيمانية، ولكن أيضا بتعاريف الذات والتراث والهوية والقومية.

وفي كلمته تلك، يشير الخالدي إلى أهمية القدس لإسرائيل، إذ يذكر أنه فضلا عن أهميتها الأيديولوجية والسياسية لدولة الاحتلال فهي مهمة لها أيضا، لأنها المفتاح الإستراتيجي للسيطرة على الضفة الغربية، من موقعها المتوسط، كما أنها العازل للنصف الجنوبي من الضفة (الخليل) عن الجزء الشمالي (نابلس).

وفي هذا الفصل، يوضح المؤلف أن ثمة خطر داهم في المدى القريب وهو خطر أن تقرر مفاوضات السلام مستقبل القدس في ظل المناخ الذي هو ليس في صالح الفلسطينيين. بيد أنه من الأفضل للسلطة الفلسطينية أن تدرك أن مصير القدس يعلو على نطاق قرار فلسطيني مستقل، ويتعدى ثنائية فلسطينية إسرائيلية. وأنه أكبر وأضخم وأخطر وأدهى من أن يعالجه طرف عربي، أي طرف عربي، لوحده، وأن عدم الوصول إلى حل في ظل هذا المناخ وهذه الموازين لهو خير من الوصول إلى حل.

لم يكن ثمة خلاف بين المسلمين أو السلطة المسلمة مع اليهود، لا بخصوص الأماكن اليهودية المقدسة، ولا بشأن وجودهم، وإنما حصل ذلك بعد الانتداب البريطاني

وبشأن الدراسة الرابعة، فقد خصصها الكاتب لدحض مشروع باراك-كلينتون، الذي جرى عرضه في مفاوضات كامب ديفد 2، التي جرت وقتها بين الفلسطينيين والإسرائيليين، برعاية أميركية، والذي رفضه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في حينه. فرغم اعتراف الخالدي بأن المشروع تضمن طرفا إيجابيا يتمثل بأنه للمرة الأولى جرى اعتراف من إسرائيل بالحقوق الفلسطينية في القدس فإن هذا الإقرار كان منقوصا، ومشروطا بتنازلات خطيرة، فضلا عن أنه لا ينص على سيادة فلسطينية كاملة على الأحياء الفلسطينية في القدس، وإنما مجرد حكم ذاتي تحت السيادة الإسرائيلية، ناهيك عن القبول بمصادرة أراضي الفلسطينيين التي أقيمت عليها مستعمرات، وفرض السيادة على المسجد الأقصى بحجة "حائط المبكى" (البراق)، مشيدا بموقف عرفات في المفاوضات الرافض لهذا المشروع.

صلابة التاريخ
وفي الدراسة الخامسة يقوم الخالدي باستعادة تاريخية لمراحل الحكم الإسلامي للقدس الذي حافظ على العلاقة بين أصحاب الديانات الثلاث وسيادة التسامح الديني ورعاية الأماكن المقدسة، منذ عهد الخليفة عمر مرورا بصلاح الدين والفاتح العثماني سليم. في هذا الإطار، يُلاحظ المؤلف أن الخلافات حصلت أولا بعد تعاظم التنافس أو التنازع بين الدول الأوروبية الكبرى في القرن التاسع عشر، حيث كانت السلطة الإسلامية تلعب دور الحكم بين الكنائس المسيحية المتنازعة على حقوقها في الأماكن المقدسة في القدس.

ويلاحظ ثانيا، أنه لم يكن ثمة خلاف بين المسلمين أو السلطة المسلمة مع اليهود، لا بخصوص الأماكن اليهودية المقدسة، ولا بشأن وجودهم، وإنما حصل ذلك بعد الانتداب البريطاني، وصعود نفوذ الحركة الصهيونية.

واشنطن استأجرت من إسرائيل الأرض التي ستُقيم عليها سفارتها في القدس بـدولار واحد سنويا، وبعقد يسري لمدة 99 سنة، يكون قابلا للتجديد

وفي هذه الدراسة الخالدي يناقش قرار التقسيم الذي منح القدس مكانة خاصة، ثم يعرض لانقسام القدس إلى شرقية وغربية، بعد النكبة، وفقا للخطوط العسكرية، والسياسات التي انتهجتها إسرائيل والقوانين التي سنتها لفرض الأمر الواقع على الفلسطينيين. يعيد شرحه للسياسات الأميركية المتقلبة والمتلاعبة بقضية القدس، في دعمها مسعى إسرائيل تكريس واقع الاحتلال والهيمنة على هذه المدينة، التي تعتبرها عاصمتها الموحدة، ويجدد ملاحظاته بخصوص ما طرح في قمة كامب ديفد 2 بشأن القدس، مؤكدا رفضها.

وفي الدراسة السادسة، خصص الخالدي حديثه عن موقع السفارة الأميركية في القدس، لما لهذا الموضوع من آثار سياسية كبيرة، بخصوص مواقف الولايات المتحدة، وعملية السلام، ولكونه يتعلق بأراض فلسطينية. ويكشف الكتاب عن أن واشنطن استأجرت من إسرائيل الأرض التي ستُقيم عليها سفارتها في القدس بـدولار واحد سنويا، وبعقد يسري لمدة 99 سنة، يكون قابلا للتجديد، في الوقت الذي طلبت فيه واشنطن أن يظل الهدف من العقد مُبهما، بينما طالبت إسرائيل بتعهد صريح ينص على أن مشروع العقد سيكون سفارة.

لهيب الصراع
وتؤكد الدراسة أن بناء الولايات المتحدة سفارتها في القدس على أرض اللاجئين الفلسطينيين المصادرة ينطوي على دلالات أبعد أثرا من موقع السفارة نفسه. فهو ينتهك أربعة جوانب رئيسة من مفاوضات الحل الدائم، هي القدس، المستعمرات، اللاجئون، ومساحة الدولة الفلسطينية المرتقبة.

ويرى الكاتب أن الضغط على الولايات المتحدة لنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس يأتي في سياق مطالبة هذه الدولة بتأبيد احتلالها لـ"القدس الموحدة"، موضحا أنه منذ مستهل سبعينيات القرن العشرين الماضي تنشط "لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية-الأميركية" (إيباك) في الضغط على الكونغرس الأميركي في قضية نقل السفارة.

واشنطن ليست حكما ولا مرجعية، كما أنها ليست وسيطا ولا مراقبا محايدا. فالاستيطان في القدس والضفة والجولان ممول برأس مال أميركي

وفي دراسته السابعة والأخيرة الموسومة بعنوان "الساعة تقارب منتصف الليل في القدس"، يتطرق الخالدي إلى العديد من القضايا والطروحات المتعلقة بهذه المدينة المقدسة. ومما جاء فيها أن واشنطن ليست حكما ولا مرجعية، كما أنها ليست وسيطا ولا مراقبا محايدا. فالاستيطان في القدس والضفة والجولان ممول برأس مال أميركي غير خاضع للتدقيق، وبهبات معفية من الضرائب، وتصونه الأسلحة التي تزودها واشنطن، وتدعمه وسائط إعلامها، وتحميه دبلوماسيتها، بل يجري تعزيزه بمستعمرين مسلحين من مواليدها. وهكذا، فإن الولايات المتحدة عنصر أساسي من المشكلة، كما أنها العنصر الأخطر في الحل.

مصالحة تاريخية
وفي هذه الدراسة يقترح الخالدي أطروحته المتعلقة بما أسماه مصالحة تاريخية للقدس، تقوم على عشر نقاط هي:

1ـ القدس الشرقية عاصمة فلسطين، والغربية عاصمة إسرائيل.

2ـ الحدود بحسب خطوط سنة 1967 على أن تكون مفتوحة في الاتجاهين "سيادة من دون أسوار".

3 ـ الحي اليهودي والأماكن المقدسة لليهود في القدس الشرقية تحظى بمنزلة إقليمية خارجية.

4 ـ يبقى عدد متفق عليه من المقيمين اليهود في القدس الشرقية كمواطنين إسرائيليين بينما تبقى أحياؤهم تابعة لبلدية القدس الشرقية الفلسطينية وتحت السيادة الفلسطينية.

5 ـ تكون لكل ديانة المسؤولية القصرية على أماكنها المقدسة ومؤسساتها.

6 ـ تقوم هيئتان مركزيتان على المستوى الوزاري وعلى مستوى البلدية برئاسة دورية للعناية بالشؤون السياسية والبني التحتية بين شطري المدينة.

7 ـ الأراضي التي صادرتها إسرائيل ولم تبن عليها في القدس الشرقية يجب إعادتها إلى الفلسطينيين.

8 ـ الخيار بين التعويض أو العودة للفلسطينيين المقدسيين.

9 ـ تعالج مسألة المستوطنات خارج الحدود البلدية الموسعة في مفاوضات الوضع النهائي بشأن الضفة.

10 ـ ستكون هناك مرحلة انتقالية.

المصدر : الجزيرة