زيارة القدس.. ميزان المصالح والمفاسد

تبنت حركات وجماعات إسلامية منذ عقود موقفا سياسيا مدعوما بفتوى دينية مفاده تحريم زيارة القدس لغير الفلسطينيين الذين لا يحتاجون تأشيرة من سفارات دولة الاحتلال لزيارتها، وغني عن القول إن فتوى تحريم الزيارة مبنية على تقدير المصلحة السياسية، وهو أمر نسبي غير مطلق ويمكن أن يتغير بتغير الزمان والظروف.

وبعد عقود على اعتماد هذا الرأي يلزم تقييم أثره وإعادة دراسته في ضوء البيئة السياسية الحالية والأخطار المحدقة بالمسجد الأقصى، إذ يظهر أن مختلف الآليات الرسمية والشعبية عاجزة عن وقف مسار تقسيم الأقصى وتهويد القدس، فقد أصبح وقت الأقصى مقسما يوميا باستثناء يوم الجمعة.

ويبدو واضحا أن التقدير السياسي الذي بنيت عليه الفتوى تقوضت أسسه منذ فترة، كما أن محاولة الاستنقاذ من خلال المرابطين تمت الإطاحة بها وبالبنية التنظيمية التي تسندها، وهي الحركة الإسلامية في الداخل، حيث تراجع عدد المرابطين في الأقصى من ألف مرابط قبل عدة أشهر إلى بضع عشرات في الوقت الحالي. 

يبدو واضحا أن التقدير السياسي الذي بنيت عليه الفتوى تقوضت أسسه منذ فترة، كما أن محاولة الاستنقاذ من خلال المرابطين تمت الإطاحة بها وبالبنية التنظيمية التي تسندها وهي الحركة الإسلامية في الداخل

فعلى مدار سنوات سابقة رابط قرابة ألف من سكان القدس والـ48 في المسجد الأقصى موزعين على أوقات اليوم، إضافة إلى تسيير حملات لجلب المصلين بالتزامن مع مواعيد الاقتحامات التي ينظمها المتطرفون اليهود، وأسهم هؤلاء المرابطون بشكل كبير في إعاقة جهود تقسيم المسجد الأقصى، إذ كانوا يشوشون على اقتحامات المتطرفين اليهود ويحاولون منع جنود الاحتلال من دخول المسجد القبلي، وأسهم ذلك في إثارة الرأي العام العربي والإسلامي، وأحرج العديد من الحكومات العربية والدولية التي اضطرت إلى إصدار مواقف بخصوص الاعتداءات على المسجد الأقصى.

غير أن الحكومة الإسرائيلية عملت على تعطيل عمل المرابطين، وذلك من خلال سن قانون يعتبرهم ويعتبر مصاطب العلم تنظيمات غير قانونية، ويرتب عليهم عقوبات الحبس والغرامة، كما لجأت أجهزة الأمن الإسرائيلية إلى سحب هويات المرابطين وإبعادهم عن المسجد الأقصى وإعداد قوائم سوداء بأسمائهم لمنعهم من دخول المسجد، كما تكرر اقتحام جنود الاحتلال المسجد القبلي لإخراج المرابطين منه. 

وفي حين أعاق المرابطون وأخروا الإجراءات الإسرائيلية لتقسيم الأقصى إلا أن جهودهم لم تقو على منع تقدم مشروع التقسيم، إذ أصبح التقسيم الزماني أمرا واقعا، وسيتلوه التقسيم المكاني إذا استمرت وتيرة الإجراءات الإسرائيلية.

وعلى صعيد مواز، يبرز الجانب المشرق في العمليات الفردية التي قام بها العديد من الفلسطينيين في الضفة والقدس بالتزامن مع الاعتداءات على المسجد الأقصى، إلا أن هذه العمليات -على أهميتها- لم توفر الضغط الكافي لتعطيل سياسات الاحتلال بخصوص القدس والمسجد الأقصى.

معالجة التحفظات على الزيارة:
1. نيل التأشيرة من سفارات الاحتلال شرعنة له، يلزم تحرير مصطلح "الشرعية"، إذ إن تعريفه السياسي هو "الرضا العام"، وفي حال عدم اقتران الزيارة أو الرباط في المسجد الأقصى بالرضا فلن تتوفر الشرعية.

2. نيل التأشيرة من سفارات دولة الاحتلال يعد تطبيعا للعلاقة معها: الاقتراب بهدف الاشتباك ليس تطبيعا، فلا اشتباك بلا اقتراب، ومن غير المنطقي إدانة من يقترب من عدوه ليشتبك معه بدعوى أنه يطبع معه.

3. الزيارة تظهر الاحتلال بمظهر المتسامح دينيا، وتقلل من شأن احتلال القدس: بإمكان المرابطين التصدي المستمر لاقتحامات المستوطنين وبالتالي لن يكون الوضع طبيعيا، ولن تظهر دولة الاحتلال بصورة من يفتح المجال لحرية العبادة.

4. استفادة دولة الاحتلال اقتصاديا من "السياحة الدينية": يمكن التقليل من ذلك بتوعية المسلمين بالسعي إلى تقليل الإنفاق للشركات الإسرائيلية وزيادته للمسلمين من سكان القدس.

بإمكان المرابطين التصدي المستمر لاقتحامات المستوطنين، وبالتالي لن يكون الوضع طبيعيا، ولن تظهر دولة الاحتلال بصورة من يفتح المجال لحرية العبادة

5. صعوبة التراجع عن الموقف المعتمد، خصوصا في ضوء اتخاذه شكل فتاوى شرعية: تبرير ذلك بتزايد الخطر على المسجد الأقصى وعدم كفاية جهود أهل فلسطين لدفع العدوان الإسرائيلي، وحصر الفتوى على الزيارة بنية الرباط وصد العدوان الإسرائيلي.

6. لن يسمح الاحتلال بوصول المرابطين القادمين من الخارج إلى المسجد الأقصى: هذا يظهره بمظهر من لا يسمح بحرية العبادة، ويعزز نزع شرعيته الدولية، وبإمكان المرابطين أن يتظاهروا أمام الحواجز الإسرائيلية ويضغطوا على جنود الاحتلال والمستوطنين القادمين لاقتحام الأقصى.

7. لن تمنح سفارات الاحتلال وأجهزته الأمنية التأشيرة لمن لا تريده، مستفيدة من التنسيق الأمني المشترك مع الكثير من الدول: هناك جنسيات لا تحتاج لتأشيرات، كما أن أمن الاحتلال ليس لديه معلومات عن كل المسلمين في العالم بحيث يعرف هدف قدومهم مسبقا.

8. هذا الرأي مشابه لموقف دولة الاحتلال: ما يريده الاحتلال يختلف عن ما نريده: اختلاف الآليات، فالمطلوب حملات للرباط في الأقصى، وليس للسياحة في دولة الاحتلال، مع وجود برامج تثقيفية من خلال أدلاء محليين مناهضين للاحتلال، ومراعاة أن تخدم الإقامة والتسوق المقدسيين أكثر من الاحتلال.

9. يجب أن تفعل عكس ما يريده عدوك: الصحيح أنك قد تفعل ما يريده، ولكنك تجير هذا الفعل لصالح قضيتك.

10. هذا الموقف يتفق مع موقف السلطة وتيار التسوية: ما نريده يختلف عن ما يريدونه في السلطة الفلسطينية، وإرادتهم شيئا ليست دليلا على خطئه، كما أن قوة هجمتهم على تيار المقاومة في هذا الملف مدفوعة بأن هذا الملف تختلط فيه المكاسب والمخاسر، ولوجاهة هذا الرأي، بل إن موقف المقاومة بهذا الشأن يفتح المجال لتيار التسوية بتخوين وإدانة المقاومين.

11. لماذا يطرح هذا الرأي الآن بالتزامن دعوات الاحتلال والسلطة والأنظمة العربية لذلك: موقف العدو والسلطة والعديد من الأنظمة العربية على حاله منذ سنوات، ولا ينبغي أن يكون هذا مانعا لنا من مراجعة موقفنا، خصوصا ونحن نشهد تقدم العدو في القدس وعدم نجاح كل تكتيكات المقاومة لوقفه.

لا تعارض بين دعم الداخل وإتاحة المجال لقدوم المسلمين من الخارج، بل إنهما يمكن أن يتكاملا، وليس بالضرورة أن يتم إنفاق الموارد على استقدام المسلمين، ويفترض أن يكون القادمون متطوعين لا يرتبوا أعباء مادية على المقاوم

12. توجيه الدعم لفلسطينيي الداخل والقدس والضفة أولى من دعم زيارات الخارج: لا تعارض بين دعم الداخل وإتاحة المجال لقدوم المسلمين من الخارج، بل إنهما يمكن أن يتكاملا، وليس بالضرورة أن يتم إنفاق الموارد على استقدام المسلمين، ويفترض أن يكون القادمون متطوعين لا يرتبوا أعباء مادية على المقاومة، بل إن العملية يمكن أن تمول نفسها بنفسها، كما يمول أي نشاط "سياحي" نفسه، وبما يشمل تكاليف الإدارة والتوجيه.

13. الصراع ليس محصورا في القدس، بل هو صراع عربي إسرائيلي، لذلك ستكون للسماح بالزيارة تداعيات سلبية على الدول والمجتمعات العربية وطبيعة علاقاتها بالقضية الفلسطينية، خصوصا مع وجود من ينتظر مجرد أي إشارة لأي تطبيع ثقافي أو ديني أو سياسي أو اقتصادي ليخترق مجتمعاتنا.

بالمقابل، يمكن أن يكون فتح باب الرباط مدخلا لإشعال الصراع بين شعوب الأمة ودولة الاحتلال، وليس من الصحيح افتراض أن العدو هو من سيحقق مكاسب أكبر من المقاومة بهذا الشأن.

ومن ناحية أخرى "إسرائيل" تغيرت وأصبحت بالغة التطرف وبات خطر قبولها في المنطقة أقل بكثير مما كان عليه قبل عشرين عاما، لقد أصبحت ثمرة شديدة المرارة لا يمكن أن يستسيغها أحد.

وقد كان المدخل الممكن لها للانخراط في المنطقة هو قبول حل الدولتين، أما الآن فنرى أنه أصبح بالغ البعد إلى درجة أن الوزراء الإسرائيليين يصرحون بأنه أصبح من الماضي، فيما أفعال الاحتلال تدفنه شيئا فشيئا منذ عشرين عاما أيضا.

14. إن فشل هذا المشروع سينبني عليه ما بعده من الاستغلال الإسرائيلي العكسي، خاصة على مستوى التطبيع على المستوى الرسمي والدبلوماسي وكذلك الأمني: يمكن التقليل من ذلك بتخصيص الموقف بحيث يكون مسموحا للرباط وليس لأسباب أخرى، علما بأن العديد من الأنظمة تنسق سياسيا وأمنيا بشكل فعال ولكن تحت الطاولة ولا تلتزم بحال من الأحوال بمواقف المقاومة.

ومن المعلوم أن الموضوع فيه مكاسب ومخاسر لطرفي الصراع وفيه مقدار من المخاطرة، كالكثير من أمور السياسة، ولكن النجاح يكمن في تقليل المخاسر وتعظيم المكاسب.

الهدف: حضور آلاف المصلين على مدار الساعة ومن مختلف الجنسيات، مما يخلق أزمة دبلوماسية لدولة الاحتلال مع الكثير من الدول مع كل حادثة اقتحام.

الدوافع والمبررات:
1- فتح باب الرباط لمسلمي العالم، بما يوفر مدخلا لاستثمار طاقات واستعدادات كبيرة للجهاد بالنفس لم تتمكن المقاومة من الاستفادة منها طوال عقود ماضية، ومادة الصراع الأساسية هي الناس المتحمسون المستعدون للتضحية في سبيل القضية ولا يعرف العدو عنهم ما يمكنه من منعهم من الوصول إليه، وهذه المادة محاصرة ومكشوفة تقريبا في فلسطين.

2- تشكل الزيارة تثبيتا لحق المسلمين في المسجد الأقصى، وعبر التاريخ كانت زيارة الأماكن المقدسة تأكيدا لأحقية الزوار بها وضغطا سياسيا على من يسيطر عليها إذا كان من أتباع ديانة أخرى.

فتح باب الرباط لمسلمي العالم، مما يوفر مدخلا لاستثمار طاقات واستعدادات كبيرة للجهاد بالنفس لم تتمكن المقاومة من الاستفادة منها طوال عقود ماضية، ومادة الصراع الأساسية هي الناس المتحمسون المستعدون للتضحية في سبيل القضية

3- الدعوة لمتطوعين لن يرتبوا أعباء مادية على المقاومة.

4- القادمون متحمسون سيرفعون وتيرة التصعيد مع الاحتلال.

5- حينما يعود المرابطون إلى بلدانهم يحيون قضية الأقصى في محيطهم.

6- في حال حصول مواجهات أعنف قد يكون هناك شهداء من العديد من البلدان، وهو ما سيخلق قضية رأي عام وأزمات أشد لدولة الاحتلال، ومن الأمثلة القريبة على ذلك أزمة السفينة مافي مرمرة وتداعياتها على العلاقات التركية-الإسرائيلية، ونموذج الشهيد الأردني سعيد العمرو الذي أصبحت قضيته قضية رأي عام في الأردن بعد أن حاول طعن جندي إسرائيلي في الأقصى.

7- هناك تناقض في موقف تيار المقاومة حينما يرحب بزيارة وزير الأوقاف التركي إلى الأقصى ويدين زيارة المسؤولين العرب إليه.

الآلية المقترحة:
1- الأولوية لقدوم حملة الجنسيات الغربية.

2- يمكن أن يكون الرباط للزائرين ليوم أو لعدة أيام بما يشبه الاعتكاف.

3- لا فرق في الموقف من زيارة الرموز والعلماء أو زيارة العوام، على أن يكون شكل الزيارة داعما للرباط ولحق المسلمين في الأقصى، وليس برفقة وحماية جنود الاحتلال.

4- السعي لإصدار فتوى تدعو المسلمين إلى الرباط في الأقصى، المبرر: عدم قدرة المرابطين على إيقاف مسار تقسيم الأقصى بفعل عاملي الكم والنوع، فالمطلوب أعداد أكبر من مختلف جنسيات العالم.

5- متابعة تسيير الحملات وتوجيهها بما يحقق أكبر استفادة للقضية وبما يقلل من استفادة العدو منها.

وختاما: خلوا بين الناس وبين عدوهم، ولا تقفوا في المنتصف عاجزين، ففرض الكفاية لم يعد كافيا!

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كتاب "كريستوفر كولومبوس ونبوءة القدس" للكاتبة كارول ديليني يتناول بالبحث العلمي حقيقة اكتشاف كولومبوس قارة أميركا، وارتباط هذه الرحلة التي تبعتها إبادة السكان الأصليين بغزو القدس في سياق الحروب الصليبية.

التسويف الصهيوني بوعد الوصول لحل لقضية القدس بالمرحلة النهائية يجعل التفاوض يدور في حلقة مفرغة، وينسج في عقل الطرف المفاوض حكاية لا تنتهي، هي حكاية إبريق الزيت في التراث الفلسطيني.

من الصعوبة بمكان التكهن بما ستؤول إليه الإستراتيجية التي سينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه القضايا الدولية، خصوصا نحو القضية الفلسطينية ومسألة القدس، لكن يُتوقع أن تنحو نحو البراغماتية.

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة