البيتاوي.. حكاية شيخ تعلق بالأقصى

عاطف دغلس-نابلس

"المدة الأطول التي قضيناها سوية كانت بالمشفى، لنحو شهر كامل عشت مع الشيخ في غرفته. كان يوصيني يوميا بتحين الفرص والذهاب للمسجد الأقصى والصلاة فيه، إلا اليوم الأخير، رفض ذهابي للأقصى وقال لي: اليوم ابقي إلى جانبي، وتوفي وآخر نظراته ترنو إليه".

تفاصيل هذا المشهد لا زالت تذكره غادة إبراهيم الترهي (أم حاتم) بتفاصيله وتحفظه عن ظهر قلب، فهو جزء من مسيرة حياة امتدت أكثر من أربعة عقود عاشتها مع زوجها الشيخ حامد البيتاوي، أحد خطباء المسجد الأقصى، والمتوفى عام 2012.

من بين نساء كثر كان نصيب الشيخ أن يتزوج فتاة مقدسية، لم تتناسب عرفا وتقليدا في ذاك الوقت ولا حتى دينيا مع الشيخ الداعية خريج كلية الشريعة في الجامعة الأردنية، فغادة لم تكن بهذا التدين الكبير عندما خطبها الشيخ البيتاوي من والدها الشيخ إبراهيم الترهي الواعظ في المسجد الأقصى أيضا.

تقول أم حاتم "كنت محافظة أنا وشقيقاتي ولم نكن بتدين كبير بمعنى الحجاب والجلباب، كما حال النساء الكثيرات"، وتضيف أن الشيخ لم يمانع ذلك وأصر على الزواج، فقد كانت لديه طرق إقناع وجذب جيدة، "وكنت من أول خمس نساء ارتدين الزي الشرعي في مدينة نابلس مطلع سبعينيات القرن الماضي، بعد زواجي من الشيخ مباشرة".

أم حاتم: كان الشيخ البيتاوي في الأقصى حين حاصره جنود الاحتلال ووقعت مجزرة عام 1990 (الجزيرة نت)

الزوج الداعية
 لم يثمر زواج غادة من الشيخ البيتاوي عن ارتدائها الحجاب فحسب، بل اهتدت إلى ذلك العائلة بأكملها، والدتها وشقيقاتها، أما القطاف الناضج فكان بتوثيق ارتباط الشيخ بالمدينة المقدسة والمسجد الأقصى.

تقول أم حاتم إن الشيخ البيتاوي لم ينقطع عن الأقصى تحت أي ظرف، وواصل دعوته أيضا بمختلف مناطق الضفة الغربية والداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، على حساب وقت زوجته وأم أطفاله، "فالهمّ كبير" كما تقول أم حاتم في إشارة منها إلى أن المسجد الأقصى أولى بكل اهتمام، أو "تحريض" كما اتهمته المخابرات الإسرائيلية في حينه.

وتشير أم حاتم إلى أن الشيخ العلاّمة رئيس رابطة علماء فلسطين، عُيِّن خطيبا للمسجد الأقصى عام 1985 ولسبع سنوات، وقبل ذلك واظب على زيارته وتقديم الدروس والمواعظ، وكانت غادة تستغل الفرصة وتتحينها للالتقاء بالأهل مرة كل شهر "فقد كانت خطبته مرة كل شهر".

واستطاع الشيخ عبر تواصله الدائم مع القدس ومسجدها أن يخلق حالة من الود الكبير بينه وبين أهلها وزوارها، وصار له جمهورا عريضا، "لكنه دفع ضريبة ذلك" بحسب أم حاتم، فقد اعتقله الاحتلال مرات عديدة وفرض عليه إقامة جبرية لأشهر طويلة وأبعده ومجموعة كبيرة من الإسلاميين مطلع تسعينيات القرن الماضي إلى مرج الزهور عند الحدود اللبنانية.

لكن يبقى لحصار الأقصى والمجزرة حكاية أخرى في حياة الشيخ، فقد وقعت الجريمة في أكتوبر/تشرين الأول 1990 حين حاصر جنود الاحتلال الأقصى وكان الشيخ يخطب فيه، واستشهد أكثر من عشرين شابا وأصيب المئات مما زاد في خوفها وقلقها، "خاصة أن الشيخ لطالما تمنى الاستشهاد فيه".

ورغم حالة الحظر التي فرضت للحيلولة دون دخول الشيخ إلى القدس، فإنه لم ينقطع عنها مطلقا، وكان يتحين الفرص والمناسبات الدينية -كشهر رمضان وغيره- ويدخل "متخفيا"، حتى اعتقل أواخر عام 2008 في كمين أعده الاحتلال خصيصا له.

البيتاوي رفض العلاج بالمستشفيات الإسرائيلية وفضل عليها مستشفى المقاصد الفلسطيني بالقدس لجزيرة نت)

منع حتى الوفاة
واستمر المنع حتى وفاة الشيخ قبل أربع سنوات، فكان له ما تمناه، فقد رفض عرض الاحتلال العلاج في المستشفيات الإسرائيلية وفضل عليها مستشفى المقاصد الفلسطيني بالقدس، واختار غرفة داخله تطل على المسجد الأقصى ليكون قريبا منه ويظل متصلا به قلبا وبصرا، ولم يسكت لسانه عن دعوة أو دعاء لحفظه وحمايته وكان يوصي بذلك كل من يأتيه زائرا.

ويزيد في قساوة الحال التي تعيشها أم حاتم أن مواطنتَها المقدسية (الهوية) لم تُخوِّل لأي من أبنائها الحصول عليها كما هو قانون الاحتلال، فقد اعتقلوا جميعا في سجونه وعانوا الأمرَّين كوالدهم، لتظل وحدها تؤازر القدس ومسجدها وتسترجع ذكريات قضتها مع الشيخ هناك.

قبل أن يرحل بدقائق، استودع الشيخ زوجته المسجد الأقصى وطلب أن يدفن فيه لكن الاحتلال حال دون ذلك، فكان الإصرار من أهل القدس وكأنه شيء من رد الجميل للشيخ، بأن يصلى عليه فيه ويُطاف به في ساحاته محمولا على الأكتاف وعبر أبوابه الثمانية.

المصدر : الجزيرة