هجرة المسيحيين تهدد وجودهم بفلسطين

تراجع فرص العمل وتدني الدخل أسباب رئيسية في هجرة المسيحيين (الجزيرة نت)
تراجع فرص العمل وتدني الدخل أسباب رئيسية في هجرة المسيحيين (الجزيرة نت)

هبة أصلان-القدس

انتقل أول أبناء القس الفلسطيني نعيم خوري راعي الكنيسة المعمدانية في مدينة بيت لحم إلى الولايات المتحدة الأميركية قبل عشر سنوات بهدف الدراسة ثم تبعه ثلاثة آخرون، فقرروا عدم الرجوع إلى القدس، حيث مسكنهم، واستقر ثلاثة منهم هناك، في حين عاد الابن الرابع ليستلم رعاية إحدى كنائس البلدة القديمة بالقدس.

يقول القس خوري "عادت ابنتي من أميركا بشهادة عليا في الإعلام والإنتاج السينمائي، لكنها لم تجد مكانا في سوق العمل بالمدينة، فعادت أدراجها لتستقر مع إخوانها الذين واجهوا هم أيضا المشكلة ذاتها عند تخرجهم من الجامعات".

فضلا عن فرص العمل، فإن تدني معدلات الأجور هي أيضا من عوامل طرد المسيحيين، يتابع خوري "يرغب أولادي بتأمين مستقبلهم وتكوين أسر وتلبية متطلبات الحياة، هذا كله يحتاج إلى أموال، رواتب الشباب لا تكفيهم لنهاية الشهر".

1% فقط
وتهدد هجرة المسيحيين الفلسطينيين الأراضي المحتلة وجودهم في مهد الديانات السماوية، فإلى جانب الوضع السياسي، تساهم الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في تزايد الهجرة، ليصل المسيحيون في فلسطين اليوم إلى 1% فقط.

يخشى القس نعيم خوري أن تتحول الكنائس في القدس إلى متاحف يرتادها السياح (الجزيرة نت)

في القدس، تراجعت أعداد المسيحيين من 32 ألفا عام 1945، إلى نحو 15 ألف مواطن مسيحي من جميع الطوائف. وهذا التراجع مرده إلى الهجرة المسيحية وخاصة بين فئة الشباب الذين تركوا القدس وفلسطين متوجهين إلى أميركا الوسطى واللاتينية، في حين تستقر أعداد قليلة منهم في القارة الأوروبية.

ويخشى القس نعيم خوري أن تتحول الكنائس إلى متاحف يرتادها السياح، موضحا أن الكنيسة تسعى فيما يتوفر من إمكانيات إلى التركيز في مواعظها الدينية على أهمية الوجود المسيحي، كما تنظم الكنيسة -بحسب خوري- نشاطات ترفيهية للأطفال والأزواج الشابة، ناهيك عن تفقدها للفقراء والمحتاجين ومساعدتهم في مصاريفهم المالية.

وينوه إلى أن هذه الخطوات وإن ساهمت ولو بشيء قليل في دعم الوجود المسيحي، لكنه في الوقت نفسه يؤكد ضرورة تدخل الكنائس الغربية، وإلا فإن ناقوس الخطر سيدق أبواب جميع العوائل المسيحية في القدس وفلسطين.

ولأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية دائما ما تقترن بالسياسية، يؤكد أستاذ علم الاجتماع المشارك المتقاعد برنارد سابيلا أن الأخيرة هي المسبب الأكبر لهجرة الشبان المسيحيين وغيرهم، فالشباب المقدسيين وإن توجهوا إلى سوق عمل الضفة الغربية فسيواجهون الواقع ذاته "ففلسطين عموما تعاني ضعفا كبيرا في النمو الاقتصادي إلى جانب غياب فرص التطور".

ويتابع "نسبة لا بأس بها من الشباب المسيحي تشغل مناصب مرموقة في مؤسسات المجتمع المدني، لكن هذه النسبة تبقى قليلة مقارنة بعدد الباحثين عن عمل".

تعددية مهددة
ويشرح أستاذ علم الاجتماع الأسباب الاجتماعية التي تدفع الشباب إلى الهجرة، مبينا أن المجتمع الفلسطيني المعروف بتعدديته الدينية والثقافية، بات يسير في فضاء ديني وليس اجتماعي مدني بعد توتر العلاقات الإسلامية المسيحية في المدينة الذي تتعدد أسبابه.

ويرى سابيلا أن الاختيارات الفردية للشبان في ظل مجتمع بات يركز على الحرية الشخصية، أضعفت قوة العائلة وركزت على الاستقلالية، ناهيك عن تأخر سن الزواج عند الشباب المسيحي، ما جعل نسبة الشباب قليلة مقارنة بالمسنين.

يشير برنارد سابيلا إلى أن استمرار سيل الهجرة ينذر بغياب كلي للمسيحيين وخسارة التعددية والتنوع الاجتماعي الذي تتمتع به القدس وفلسطين عموما، وبالتالي خلق خطط وسياسات اجتماعية واقتصادية مشجعة هي إحدى السبل المفضية إلى تقليل نسبة هجرة الشباب الذين لا نستطيع لومهم على هجرتهم في ظل غياب أسس الحياة الكريمة.

المصدر : الجزيرة