مقدسي يجوب العالم لاستعادة تراث وطنه

عرف النتشة الزي الفلسطيني لكل منطقة وبات يميز بينها بالنقشات والألوان (الجزيرة نت)
عرف النتشة الزي الفلسطيني لكل منطقة وبات يميز بينها بالنقشات والألوان (الجزيرة نت)
أسيل جندي ـ القدس

ليس من الغرابة أن يتخذ الإنسان قرارا بالسفر في رحلة حول العالم ليتعرّف حضارات الأمم وجمال الطبيعة، لكن هل سمعت من قبل عن شخص يكرس حياته للسفر حول العالم بهدف جمع تراث وطنه وإعادته خوفا عليه من الضياع والاندثار؟

بدأ جامع التراث، المقدسي ماهر النتشة، رحلته حول العالم لجمع التراث الفلسطيني من أرجائه منذ أربعين عاما، وكانت البداية مجرد إعجابه باللون الخمري الذي يدخل عادة في تطريز الثوب الفلسطيني التراثي.

تدريجيا بدأ النتشة يتعرّف الزي الفلسطيني الخاص بكل منطقة، حتى بات يميز بينها بالنقشات والألوان، لكنه في البدء لم يملك المال الكافي لشراء هذه القطع، فلجأ لاقتناء أثواب بسيطة، حتى إذا عثر لاحقا على ثوب نادر يبيع الأول ويشتري الجديد، وهكذا حتى استحوذ التراث الفلسطيني على تفكيره فكرس حياته لأجله.

جمع وعرض
شعر النتشة أن مجرد جمع التراث الفلسطيني ووضعه بالمنزل لا يكفي، وأنه لا بد من عرضه في مكان يزدحم بالمارة من المقدسيين والسياح الأجانب، وهكذا ولدت فكرة استخدام حانوت والده الكائن في سوق أفتيموس بالبلدة القديمة في القدس، لعرض مقتنياته التراثية وليس لبيعها.

النتشة بدأ رحلته في البحث عن تراث وطنه قبل نحو أربعين عاما (الجزيرة نت)

عن هذا قال ماهر النتشة "عمل والدي بسوق أفتيموس منذ عام 1936 في مجال تجهيز العرائس بملابس ومواد تجميل كان يجلبها من سوريا، وكانت الفلسطينيات آنذاك يقصدن الحانوت لتجهيز زوجات أبنائهن المستقبليات، لكن بعد احتلال القدس عام 1967 بات من الصعب جلب البضائع من سوريا، فتحول الحانوت تدريجيا لبيع المطرزات الفلسطينية".

وأضاف "بعد وفاة والدي خشيت من أن تسيطر الجمعيات الاستيطانية على الحانوت، خاصة أن سطحه كان بؤرة استيطانية، وعُرض علينا مرارا بيع المحل بمبالغ طائلة وإخلائه، لكن هذا دفعني لقهر هذا المحتل بعرض تراث وطني بالحانوت وفتح أبوابه يوميا وتغيير المعروضات بين فترة وأخرى".

ويهدف النتشة للفت انتباه الجيل الجديد إلى تراث فلسطين وترسيخه في أذهانهم، وذلك بعرضه كي ينظر إليه كل يوم من يمرون أمام الحانوت، ورغم الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها تجار البلدة القديمة بالقدس يصر على ألا يبيع أي قطعة رغم المبالغ الطائلة التي تُبذل فيها.

وعن تفاصيل جولاته لجمع التراث من دول العالم أوضح النتشة أنه يتوجه للسفر لأي دولة يعلم أنها ستقيم معرضا تتضمن إحدى زواياه مقتنيات تراثية فلسطينية، وأضاف "أزور المعارض وأشتري قطعا تراثية نادرة.. أغار عليها وأريدها أن تعود لبلادنا، ونجحت في إعادة الكثير منها من بريطانيا وألمانيا وهولندا وسويسرا وإسبانيا وأميركا وكندا".

وعبّر جامع التراث ماهر النتشة عن أسفه لمغادرة الكثير من القطع التراثية النادرة فلسطين منذ الانتداب البريطاني حتى قدوم الاحتلال الإسرائيلي قائلا "البريطانيون والإنجليز أخذوا معهم تراثنا وحصلوا على بعض القطع إما بإهدائهم إياها أو كغنائم، أما الإسرائيليون فسرقوا قطعا تراثية ثمينة أثناء تهجيرهم الفلسطينيين من بعض القرى".

من مقتنيات النتشة ما تسمى صفّة العروس وتكون مرصعة بالمجوهرات (الجزيرة نت)

القرى المهجرة
ووضع النتشة على سلم أولوياته جمع ما تبقى من تراث القرى المهجرة، ومن بينها قرية دير ياسين التي اشترى من نسائها أثوابا غادرت معهن من القرية أثناء تهجيرهن. ويسعى للوصول إلى جميع الفلسطينيين المشتتين حول العالم.

حب فلسطين وعشق تراثها هما الطاقة الإيجابية التي يتحصن بها النتشة كل يوم وتدفعه لتنظيم المزيد من الرحلات، ويؤكد أنه يريد تعريف العالم من خلال الثوب الفلسطيني المطرز الذي يتجول به أن المرأة الفلسطينية لديها حس فني عال منذ القدم مكّنها من خياطة أجمل الأزياء بدقة عالية.

ويأمل أن يتمكن يوما من إصدار كتاب يجمع صور مئات القطع التراثية التي يملكها، وبجانب كل منها قصة الثوب أو الحلي أو حتى الحذاء التراثي من أقصى شمال فلسطين إلى جنوبها.

المصدر : الجزيرة