مأساة القدس والأجراس التحذيرية

كثيرون هم الكتاب العرب الذين شحذوا أقلامهم بحماسة دينية وغيرة قومية ليكتبوا عن مأساة مدينة القدس والمدن الفلسطينية المحيطة بها بالضفة الغربية المحتلة، خاصة الخليل ونابلس، حيث كثيرا ما تهب هاتان المدينتان انتصارا للقدس والأقصى المبارك ورفضا للاحتلال المعزز بالاستيطان.

كثيرون هم الكتاب والمفكرون العرب الذي حولوا في كثير من أحيان الكتابة أقلامهم إلى أجراس تحذيرية تقرع محذرة من المخطط التهويدي البغيض الذي يستهدف القدس وما حولها من قرى وأرياف كانت وما زالت في مرمى الخطر الصهيوني الداهم.

غير أن الصمت العربي المزمن كان وما زال سيد الموقف وصاحب اللاقول في شأن الأجراس التحذيرية بما فيه من كسل وضعف وصمم عربي يعتد بتجاهله لكل الأصوات المجروحة والجارحة معا، والتي ما زالت تحذر من سرطان الاستيطان المنتشر شيئا فشيئا في مقدسات وأحياء بلدة القدس القديمة دون أن يقوم نطاسي عربي واحد باستئصاله في وقت مبكر لا يفوت أوانه فنندم حيث لا ينفع الندم، ولا تجدي الشكوى من الألم.

أخطار عظيمة
بينما أنا أقلب وأستعرض بعض تلك المقالات التحذيرية للكتاب العرب استوقفني مقال رائع جامع للباحث والكاتب الصحفي الأردني الراحل عرفات حجازي ابن الخليل الصامدة، حيث إن هذا المقال منشور في صحيفة الدستور الأردنية منذ سنوات ولا يثير الشجون أو ينكأ الجراح فحسب، وإنما يقرع أجراسا تحذيرية من مخطط تهويدي استيطاني لا يستهدف القدس وحدها، وإنما هو مهيأ لابتلاع مدينتي نابلس والخليل، وما حصل للحرم الإبراهيمي في الخليل قديما من تقتيل للمصلين وتقسيم لأمكنة العبادة فيه وتشديد للحراسة على أبوابه إلا مقدمة لما أتى وسيأتي من موجات استيطانية تم تنفيذ بعضها، وبعضها الآخر قادم بأخطاره العظيمة على الطريق.

على الرغم من قدم مقال الراحل عرفات حجازي فقد شعرت وكأنه كتب قبل أيام أو أسابيع على الأكثر، فما أشبه اليوم بالبارحة! وما أشبه حاضرنا بماضينا! بل إننا نمتلك القدرة العجيبة على استنساخ الزمن الرديء

على الرغم من قدم مقال الراحل عرفات حجازي فقد شعرت وكأنه كتب قبل أيام أو أسابيع على الأكثر، فما أشبه اليوم بالبارحة! وما أشبه حاضرنا بماضينا! بل إننا نمتلك القدرة العجيبة على استنساخ الزمن الرديء ما دامت مسألة الاستنساخ الزمني تبدو مسألة سهلة، وما دام الزمن العربي متوقفا بنا عند نقطة الصفر، حيث يبدو الماضي الرهيب هو الحاضر العجيب، والحاضر العجيب يتقمص دور المستقبل الغريب والمريب.

وأنا أعيد قراءة المقال تذكرت قول الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان محذرا الإنسان العربي مما هو مخبأ لفلسطين وللمنطقة العربية:

       أمامك أيها العربي يوم                       تشيب لهوله سود النواصي

كما تذكرت قول الشاعر العربي:

        تنبهوا واستفيقوا أيها العرب                 لقد طمى السيل حتى غاصت الركب

وكأننا بالشاعرين العربيين قد انطلقا في قولهما من نبوءة ثاقبة وهما يستشرفان قادم السنين والأيام، فيبصران ماذا سيأتي للعرب من أحوال وأهوال، وها قد أصبحت القدس ومعها مدن فلسطين المحتلة شاهدة على ما يجري من أحداث وما يحدق بنا وبديارنا الفلسطينية والعربية من أخطار.

بنظرة استشرافية لمستقبل لا يسر اعتمد كاتبنا الراحل حجازي على إنعاش الذاكرة العربية التاريخية فأعادنا إلى حقيقة المد الصهيوني المتعاظم وركائزه الأيديولوجية وبروتوكولاته البعيدة المدى حتى لا يبقى أحد منا يعوم على سطح الأحداث ذات العمق الخطر والمليء بأسماك وحيتان الاستيطان التي كانت وما زالت تفتح الأفواه على كل شيء يبدو قابلا للبلع أو النهب ما دام الحارس العربي فزاعة ليلية مكشوفة لا تخيف أحدا من قراصنة الليل الصهيوني، وما دام على سطح وشواطئ هذا البحر التهويدي الهائج تماسيح سلام صهيوني زائف تذرف الدموع الكاذبة لتغطي على عملية النهب والسلب والمصادرة التي تجري على قدم وساق متجاوزة كل القرارات الدولية وضاربة عرض الحائط بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.

لا يقف الباحث حجازي في مقالته تلك على اللحظة الصهيونية الراهنة، وإنما يشير محذرا إلى المخطط الصهيوني طويل الأمد الذي يستهدف السيطرة على العالم، واتخاذ القدس عاصمة مستقبلية لإمبراطورية اليهود المنشودة، كما يشير إلى الهدف البعيد للأطماع الصهيونية في فلسطين والمنطقة العربية، وبهذا يحول الكاتب هنا قلمه إلى جرس إنذار تحذيري فيحذر من خطورة النظر إلى سطح ما يجري من سيطرة واستقواء واستلاب من قبل المحتلين الصهاينة.

لا يقف الباحث حجازي في مقالته تلك على اللحظة الصهيونية الراهنة، وإنما يشير محذرا إلى المخطط الصهيوني طويل الأمد الذي يستهدف السيطرة على العالم، واتخاذ القدس عاصمة مستقبلية لإمبراطورية اليهود المنشودة

الهدف الأول
حيث يجب في نظر الباحث على العرب كل العرب النفاذ بالرؤية إلى العمق الرهيب لمعرفة الحقيقة، وسبر أغوار وأبعاد الصراع العربي الصهيوني حول القدس وفلسطين، إذ إن الهدف الصهيوني الأول والأخير هو إقامة "إسرائيل" الكاملة على أرض فلسطين الكاملة دون نقصان من شمالها إلى جنوبها ومن نهرها إلى بحرها، وما جدار الفصل العنصري إلا تمويه تاريخي لحقيقة الصراع، وما التلويح بالرغبة في السلام وبشبه الموافقة على حل الدولتين إلا محاولة مستمرة لذر الرماد في العيون بهدف حجب الرؤية الواضحة لطبيعة حجم طوفان الاستيطان الذي لا يقف عند حده.

ويخلص الكاتب حجازي في النهاية إلى أن ما يجري على الأرض الفلسطينية من وقائع وأحداث دامية في مدن القدس والخليل ونابلس وفي سائر أنحاء الضفة الغربية المحتلة ما هو إلا مقدمات ساخنة لما سوف يجري من هجمات وصدامات على مسرح الأرض المنكوبة في فلسطين، وما عمليات الهدم والمصادرة واقتلاع الأشجار من جذورها لتسمين المستوطنات الحالية وإنشاء مستوطنات جديدة إلا استعمار جديد يضرب بيد من حديد على رؤوس هذه المدن الفلسطينية الثلاث: القدس والخليل ونابلس تحقيقا لحلم "نبي إسرائيل المسلح" ديفد بن غوريون الذي كان يرى في الاستيلاء على هذه المدن الثلاث انتصارا يهوديا أكيدا لفكرة استعادة أرض الآباء والأجداد التي كان يسميها أرض يهودا والسامرة كما يسميها نتنياهو الآن.

لقد قرع كاتبنا كما قرع غيره من الكتاب العرب أجراسا تحذيرية، الغاية منها تبصير العرب بما يجري للقدس وفلسطين وبحجم المأساة المتعاظم شيئا فشيئا إن بقيت أصداء هذه الأجراس تتساقط كأوراق الخريف في أقبية الصمت السفلية للذاكرة العربية.

المصدر : الجزيرة