التميمي: الاحتلال يضغط على المقدسيين بتعطيشهم

التميمي: ترى إسرائيل في السيطرة على الأرض الجزء المرئي والسيطرة على المياه الجزء غير المرئي (الجزيرة نت)
التميمي: ترى إسرائيل في السيطرة على الأرض الجزء المرئي والسيطرة على المياه الجزء غير المرئي (الجزيرة نت)

حوار/محمود الفطافطة 

تعاني الأراضي الفلسطينية من عدة مشاكل متعلقة بالمياه، يأتي في مقدمتها السيطرة الإسرائيلية على المصادر المائية سواء الجوفية منها أو السطحية، إضافة إلى ضعف قدرة المؤسسات الفلسطينية ذات العلاقة على إدارة المصادر المائية القليلة أصلا.

وبسبب تأجيل حل قضية المياه في اتفاقية أوسلو لحين البت في قضايا الحل النهائي فقد تفاقمت ندرة المياه في فلسطين ولحقت بالاقتصاد خسائر مباشرة تكمن في ارتفاع تكلفة المياه، وتدني مستوى الإنتاج الزراعي، وكل ذلك بسبب عدة عوامل إلى جانب الاحتلال وممارساته، كقلة الأمطار وزيادة الطلب على المياه جراء النمو السكاني والحضري والتطور الصناعي وزيادة تلوث المياه بفعل النقص الحاد في شبكات الصرف الصحي ومحطات المعالجة، علاوة على تغير أنماط الاستهلاك.

هذه الخسائر وغيرها أصابت كافة مفاصل قطاعات الحياة الفلسطينية، إذ لم تستثن أي مدينة أو محافظة من مثل هذه الأضرار، ولا سيما محافظة القدس والمدينة تحديدا، نظرا إلى الحالة الاستثنائية التي تعيشها جراء الحصار، والسيطرة الشاملة على مجمل مناحي حياة المقدسيين، ومنها التحكم بالبنية التحتية لشبكة المياه والصرف الصحي.

وفي الوقت الذي نجد فيه كتابات كثيرة ومتجددة بشأن معظم قضايا القدس إلا أن الاهتمام الإعلامي والبحثي حول قضية المياه في هذه المدينة محدود جدا، لذا فقد جاء هذا الحوار مع الدكتور عبد الرحمن التميمي خبير المياه ومدير عام مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين ليسد -ولو قليلا- التقصير في الاهتمام بهذه القضية.

الاحتلال يستحوذ على 80% من المياه الجوفية في الضفة وكامل حصة الفلسطينيين من نهر (أطلس فلسطين)

 بداية دكتور، ما علاقة المياه بالفكر الصهيوني؟
موضوع المياه كان دائما متجذرا في الفكر الصهيوني والشغل الشاغل لإسرائيل، فالأرض والماء متلازمان لدى الحركة الصهيونية، وبينما كان بن غوريون يقول "إذا ما خصبنا الصحراء صار من السهل على أجهزة الدعاية أن تمرر مبدأ سلب الأراضي" فإن شمعون بيريز قد صرح قائلا بأن "الماء قبل الأرض".

واستنادا إلى هذه الرؤية، فإن الأرض والمياه ترتبطان بالمشروع الصهيوني بشكل مباشر، إذ إن تحقيق السيطرة على الأرض بحاجة إلى كميات كبيرة من المياه، وبالتالي فإن الاستحواذ على 80% من المياه الجوفية في الضفة، و100% من حصة الفلسطينيين من نهر الأردن يمثل التطبيق الحرفي للمشروع الصهيوني الذي يقوم على تجسيد فكرة "أكثر ما يمكن من الأرض وأقل ما يمكن من السكان".

كذلك، هناك ارتباط وثيق بين الاستيطان ورؤية الاحتلال الإسرائيلي للمياه، إذ ترى إسرائيل في السيطرة على الأرض بمثابة الجزء المرئي، في حين أن السيطرة على المياه تشكل الجزء غير المرئي، وذلك عبر سرقة المياه الجوفية.

 لو تحدثنا عن القدس تحديدا، ما هي سمات التطور التاريخي لقطاع المياه في المدينة؟

إن خدمات البنية التحتية للمياه في القدس واكبت التطور التاريخي الذي حصل للمدينة، فقد كانت تستمد مياهها من نبع جيحون، مضافا إليه آبار سلوان وبئر أيوب في أماكن أدنى في ذلك الوادي على امتداد حقبة الحكم العثماني.

وقد كانت هناك أقنية من المياه ممتدة من برك سليمان وينابيع العروب جنوبا في بيت لحم، وبعد سقوط القدس عام 1917 بيد البريطانيين قام الجيش البريطاني بترميم قناة العروب وتجهيزها بأنابيب أوسع إلا أن النقص حال دون انفراج أزمة المياه في المدينة.

وقد تعرضت القدس سنة 1925 لحالة جفاف جعلتها في وضع أزمة مائية قررت على إثرها سلطة الانتداب اتخاذ ينابيع رأس العين مصدرا أساسيا لتزويد القدس بالمياه، مع الإشارة إلى أن أهم ميزة لفترة الانتداب هي وجود نظام مركزي متكامل لتزويد القدس بالمياه.

وبعد موجة المشردين من غرب القدس عام 1948 عانت المدينة من أزمة مائية حقيقية بسبب سيطرة الاحتلال على رأس العين وتدمير محطة الضخ في عيني فارة والفوار جراء القتال.

وعقب احتلال عام 1967 بدأت مصلحة المياه في مدينة القدس بربط الأنابيب، ووصل الشبكة وإمدادها بالأخرى، وكان هذا جزءا من إجراءات الضم الكثيرة التي أخذت تمارسها سلطات الاحتلال، ونتيجة تدفق المهاجرين الجدد والمستوطنين إلى القدس الشرقية بدأت أزمة مياه حادة تظهر فيها.

 وما أبرز الإجراءات التي اتخذها الاحتلال لخدمة مصالحه تجاه قطاع المياه فور احتلاله مدينة القدس؟
فور ضم القدس عملت إسرائيل على اتخاذ إجراءات عديدة بهدف إخراج المقدسيين، من أهمها: ربط القدس الشرقية بالغربية من خلال ربط البنية التحتية، وتغيير شكل القدس التاريخي، وتهميش الأحياء العربية في ما يتعلق بالمياه والكهرباء والبنية التحتية.

كما أن إسرائيل تسعى إلى الحيلولة دون تجاوز عدد الفلسطينيين في القدس عن 12% في عام 2020، وهذا سيجعل إسرائيل أكثر قدرة على التحرك في التوسع في الأحياء الاستيطانية في القدس الشرقية، لذلك لوحظ مؤخرا توسع في البنية التحتية لصالح الاستيطان، خاصة في ما يتعلق بشبكات مياه جديدة بأقطار كبيرة، وهذا يوحي أن الاحتلال يريد إغراق القدس الشرقية بالمستوطنين.

رغم وفرة المياه بالقدس فإن الاحتلال يستغلها أداة سياسية للضغط على الفلسطينيين (أطلس فلسطين)

 كيف يؤثر استغلال الاحتلال للمياه كأداة ضغط على السكان الفلسطينيين وواقع ومستقبل المدينة المقدسة؟
إن إسرائيل تستغل المياه كأداة سياسية للضغط على الفلسطينيين الذين يعانون العطش، حيث إن هذا الضغط يهدف إلى: اختفاء الزراعة المروية مما يجعل السوق الفلسطيني سوقا للمنتجات الإسرائيلية، وانتقال العمال الفلسطينيين للعمل في المستوطنات، وإنهاء ملف المياه تحت شعار أن المياه موجودة ويمكن شراؤها من محطات التحلية، مما يجعل المياه الجوفية الفلسطينية رخيصة للتوسع في الاستيطان، وهذا ما يحول الفلسطيني إلى زبون لشركات التحلية الإسرائيلية وليس مواطنا له الحق في مياهه.

 في ظل هذا الواقع والحصار المائي -إن صح التعبير- كيف يتدبر المقدسيون أمورهم ويوفرون احتياجاتهم المائية؟
يحصل المقدسيون على المياه من خلال شركة جيهان الإسرائيلية، في الوقت الذي تستفيد فيه كافة مناطق إسرائيل من شركة مكيروت باستثناء القدس، وهذا يدل على أن الاحتلال يولي القدس أهمية خاصة، ولكي لا يستطيع الفلسطينيون التحكم بشبكة المياه فقد ربط الاحتلال كافة أحياء القدس الشرقية بسيطرة كاملة من خلال شركة جيهان التي تفرض رسوما عالية نظير ثمن المياه.

 وما هي أبرز المشاكل التي يعاني منها قطاع المياه في الجزء المحتل من القدس عام 1967؟
من أبرز المشاكل شرقي القدس تزايد عدد السكان المطرد، وهذا التزايد لصالح التواجد اليهودي في القدس الشرقية، ومحاولة بلدية القدس إلغاء امتياز مصلحة مياه القدس في منطقتي عناتا وبيت حنينا، بالإضافة إلى العيزرية وأبو ديس.

كذلك، فإن من أهم هذه المشاكل مشكلة تصريف المياه العادمة، فبعد ضم شرقي القدس ورغم النمو السكاني الهائل فإن حال تصريف المجاري لم يتحسن بل ازداد سوءا، ففي سنة 1991 أعلن قسم القدس في وزارة البيئة الإسرائيلية في تقريره السنوي "أما بالنسبة لمجاري القدس فإن حالها مروع، فثمة مجريان أحدهما إلى الغرب والآخر إلى الشرق بدون معالجة، ومجريان تمت معالجتهما بشكل محدود".

إن طرح مياه المجاري في الأودية يتسم بشكل واضح بالخطورة، خاصة في الجزء الجنوبي الشرقي وحوض كيدرون، وإن تلويث مصادر المياه وتخريب البيئة ناتجان عن زيادة التوسع الاستيطاني وعدد السكان المتزايد بشكل هائل، خاصة أن الإهمال المتزايد لهذا الموضوع في القدس الشرقية قد يحبط تطوير أي شبكة فلسطينية لإدارة واستخراج وجمع المياه العادمة في المستقبل.

فور ضم القدس عمل الاحتلال على اتخاذ إجراءات عديدة بهدف إخراج المقدسيين (الجزيرة نت)

 إذا المشكلة ليست في مياه الشرب فقط وإنما تصريف المياه العادمة، ألا توجد خطط لمعالجتها؟
تقترح إسرائيل أن تتم تنقية المياه العادمة من القدس الشرقية والمستوطنات على أن يتم الاستفادة من هذه المحطات لتعزيز الاستيطان في الأغوار باستخدام هذه المياه المنقاة، وسبق أن صرح منسق المناطق الوسطى في جيش الاحتلال قائلا "على الفلسطينيين أن يختاروا بين العطش والاستيطان".

إن الهدف من مثل هذه التصريحات هو شرعنة المستوطنات، ومن الأمثلة على ذلك اشتراط الاحتلال منح ترخيص لمحطة تنقية سلفيت عبر ربطها بمستوطنة أرئيل، وهذا الخيار سيؤثر ليس فقط على تقديم الخدمات ونوعيتها ولكن سيحدث تغييرات بنيوية في البنية التحتية للقدس الشرقية وغيرها من المناطق الفلسطينية، بحيث يصبح مع الزمن التحكم في الشبكات والخطوط الرئيسية بأيدي المستوطنين، ولا يستغرب أن يقوم المستوطنون بإنشاء شركات خاصة لتوزيع وادارة هذه الخدمات كما حدث في مستوطنة أرئيل، حيث أنشأ المستوطنون شركة خاصة لنقل المياه العادمة من المستوطنة إلى داخل إسرائيل، وكذلك الأمر في إدارة محطة تنقية النبي موسى، كما أن محطة تنقية المياه العادمة في بلدية البيرة تقوم بعمل تنقية لمستوطنة "بساغوت" المقامة على أراضي مدينة البيرة.

  وأين كل ما يجري من مسيرة التسوية السياسية المعطلة؟
في حال السيطرة الكاملة والرسمية لإسرائيل على القدس الشرقية فإن المقدسيين سيظلون تحت رحمة الاحتلال نظرا لسيطرته على المنافذ والموارد الأساسية في القدس الغربية، كما ستكون هناك مشكلة في التعامل مع السكان المقدسيين في تزويدهم بالمياه في حال وجود إدارة مشتركة للقدس، وهذا ما تريده إسرائيل عبر خلق حقائق على الأرض تفيد بأن السلطة الفلسطينية لا تستطيع الإيفاء باحتياجات السكان، وبالتالي فإنها ستبقى المزود الأساسي والدائم للكهرباء والمياه لسكان القدس العرب.

إن إسرائيل تخلق حقائق لتنهي إمكانية أي حل للقدس في المفاوضات النهائية، وقد تصبح القدس الشرقية كحارة عربية وليس مدينة فلسطينية في حال استمرت المخططات الإسرائيلية على هذا النحو.
المشكلة الرئيسة هي أن ملف المياه مرتبط ارتباطا عضويا بالقضايا الأخرى مثل الاستيطان واللاجئين والسكان والحدود والقدس، وهذا ما يضاعف من صعوبته وتعقيداته.

المقدسيون يخضعون لابتزاز الاحتلال في الحصول على حقهم في المياه (الجزيرة نت)

  وما هي الخيارات المستقبلية لقضية المياه في القدس؟
إن الخيارات المستقبلية يجب أن تأخذ الاعتبارات التالية: الحقائق الموجودة على الأرض من حيث ترابط الشبكات، التكاليف الباهظة لعملية فصل الشبكات، وإجراء شبكات فلسطينية مستقلة، مواقع وخيارات محطات التقنية، وآلية إدارة واستعمال المياه العادمة المنقاة.

إن قطاع المياه بأوضاعه الحالية له إشكالية كبيرة عند الحديث عن مرونة الحل السياسي القادم تتلخص في أن بلدية الاحتلال عمدت إلى إجراءات ضم للبنية التحتية في شرقي القدس، في محاولة فصل مستقبلية للشبكات والخدمات والأنظمة الإدارية.

إن أي خطة لفصل القدس الشرقية يتوجب أن تعتمد على جاهزية الطرف الفلسطيني من حيث الخطط اللازمة لتوفير الخدمات التي لا تحتمل التأجيل كإمدادات المياه، كما ستكون المستوطنات بكثافتها العمرانية والسكانية معيقا كبيرا لعملية تطوير القدس الشرقية، خاصة إذا ما تم الاتفاق على أن تكون لها خدمات منفصلة عن السيطرة الفلسطينية.

وإن الفرضية الأساسية هي أنه لا وجود للمستوطنات في الحل النهائي، والأمر أيضا ينطبق على الترتيبات الأمنية النهائية، حيث لا يجوز بأي لحظة أن نقبل ارتباط أي ترتيبات أمنية بحرية وصولنا إلى مصادر المياه.

 ما هو المطلوب إذا؟
يجب أن يكون هناك ارتباط وثيق بين موضوع المياه والسيادة الوطنية وكينونة الدولة، وحقها في السيطرة على مصادرها المائية، حيث إن التعاون يتوجب أن يتم على المياه المشتركة وليس الوطنية.
ولا بد من فتح نقاش وحوار جدي في الأوساط الفلسطينية حول المدخل السليم والآلية التي يجب إتباعها، حيث إن هناك جدلا حول هل المدخل القانوني أو السياسي أو مدخل الحق الإنساني هو الأفضل في مثل هذا الملف، أم الدمج بينها جميعها، وهنا أعتقد أن التركيز على مبدأ السيادة السياسية والولاية القانونية لدولة فلسطينية هو المدخل الأسلم لمثل هذه القضية الهامة والمعقدة جدا.

المصدر : الجزيرة