القدس حاضرة بقوة في زجاج الخليل

عاطف دغلس-الخليل

وهو يطوف بحواريها وأزقتها لا يشعر الحاج فوزي النتشة (أبو رمزي) باغتراب عنها، لكن هذا الشعور يصحبه الفخر كلما اقترب من مسجدها وقبته المشرفة، وتعانق روحه السماء كلما التفت عيناه يسرة ويمنة نحو نوافذها ليرى جميل صنعه وأجداده يبرق في عيون الناظرين إلى مدينة القدس.

عهد الرجل بمدينة القدس لم ينقطع، ليس لأنه فلسطيني أو مسلم فحسب، بل لأن أثره في بعض معالمها لا يزال قائما منذ عشرات السنوات من خلال نوافذ المسجد الأقصى وقبته المشرفة، حيث ساهم مصنع الزجاج الخاص به في تصنيع العديد منها على مر السنوات.

"لا نزال نحافظ على هذا التقليد، ومستعدون لخدمته بأي وسيلة نستطيعها عبر الزجاج وغيره"، يقول الحاج أبو رمزي من مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، ويضيف أن ارتباطهم بالمدينة "مقدس" ولا يعكره احتلال "غاشم" يستبيح كل شيء فيها.

معالم وآثار
وإلى جانب تصنيع الزجاج الملون والمعشق المستخدم في نوافذ المسجد الأقصى، تنتج شركة السلام لتصنيع الزجاج التي يمتلكها أبو رمزي، خزفيات تحمل صور المسجد وقبة الصخرة وأخرى لمعالم المدينة وأحيائها الدينية والتراثية، في محاولة منه لتوثيق الصلة أكثر بالمدينة المقدسة بكل معالمها.

أبو رمزي: لنا شرف صناعة زجاج بعض نوافذ المسجد الأقصى (الجزيرة نت)

"أما القناديل فهي حكاية أخرى، وقد صنعنا تلك القناديل لإضاءة البيوت والحواري داخل البلدة القديمة"، يقول أبو رمزي (60 عاما)، ويضيف أن عهده بصناعة الزجاج يفوق الأربعين عاما، حيث ينتج مصنعهم -وهو واحد من مصنعين فقط بمدينة الخليل- الزجاج بمختلف أشكاله منذ أكثر من ستين عاما.

يشير الرجل إلى أنهم واكبوا بعملهم كل ما من شأنه أن يخدم المدينة المقدسة، فباتوا يصنعون القناديل الزجاجية والخزفيات وإضافة صور المدينة وجل كنوزها الأثرية والتاريخية إليها، كما يرفدون محال السياحة هناك بتلك القطع الأثرية، "فهناك ما لا يقل عن عشرين ألف قطعة زجاجية وخزفية تباع لتلك المحال بالمدينة المقدسة".

ويقول أبو رمزي إنه يشعر مع كل قطعة يصنعها بشيء من النضال والصمود على هذه الأرض، ويزداد هذا الشعور إذا ما كانت "المشغولات مقدسية"، إذ يرى أن ذلك نوع من دعم المدينة واقتصادها الذي يحاصره الاحتلال ويعيق تطوره.

هذه المشغولات تصنع بدقة وبحرفية عالية، ويمتهنها المواطن عبد المجيد التميمي وعاملون آخرون داخل المصنع، وكل ذلك من أجل الخروج بعمل جيد ويمكن تسويقه محليا وعالميا.

يدرك التميمي (53 عاما) أنه تقع على عاتقه مهمة كبيرة تكمن بصنع الخزفيات المقدسية وتلوينها بما يتناسب وشكل المعالم الحقيقية، لذا تراه يتسمر على مقعده لفترات طويلة وهو يلون بريشته قطع الخزف. ويقول للجزيرة نت إنه يعمل بالخزف منذ ما يزيد على أربعين عاما، وهو في مصنع السلام منذ عشر سنين.

ويبدع التميمي أيضا بالإضافة للرسم وعلى القطع الخزفية وتلوينها برسم آيات القرآن الكريم وأسماء الأحياء والشوارع بالقدس عبر لافتات خزفية لها رونقها.

منتجات الخزف والزجاج حول معالم مدينتي القدس والخليل هي أغلب منتجات مصانع الزجاج بالخليل (الجزيرة نت)

وأعلن مجلس الحرف العالمي في سبتمبر/أيلول الماضي مدينة الخليل مدينة حرفية عالمية للعام 2016، وفق بيان رسمي فلسطيني صدر في حينه.

مواصلة الدرب
"كان لدينا مصنع للزجاج بالبلدة القديمة في مدينة الخليل، وهو واحد من عشرات المصانع التي كانت تصنع الزجاج بمختلف أشكاله"، يقول رمزي النتشة نجل الحاج فوزي صاحب المصنع. ويضيف أن حارة بأكملها كانت تعرف بـ"حارة القزازين" لكن الاحتلال هجّرها بالكامل.

لذا فهو يحرص على الحفاظ على هذا الإرث التاريخي رغم تعرضهم لويلات متكررة على يد الاحتلال الإسرائيلي، حيث أعيد ترميم مصنعهم أربع مرات منذ العام 1984 ولا يزال يكابد ضربات احتلالية قاسية.

يواكب الشاب رمزي وأيضا أبوه وجده أي تطورات تسهم في تطوير صناعتهم وخاصة فيما يتعلق بأهم المقاصد السياحية لهم وهو مدينة القدس، لذا يحرص على تنويع الأشكال المعدة من الخزف والزجاج التي تصل لأكثر من سبعين شكلا من معالم مدينة القدس وآثارها.

المصدر : الجزيرة