سوق خان الزيت.. عبق خالد رغم الاحتضار

أسيل جندي-القدس

يجلس المقدسي السبعيني معتصم العمد داخل حانوته بسوق خان الزيت بالبلدة القديمة في القدس، يراقب حركة المارة تارة ويغفو على كرسيه تارة أخرى، فرغم اجتهاده في عرض أنواع حلاوة الطحينية على اختلاف نكهاتها فإنه لا يفلح أحيانا في جذب زبون واحد طيلة النهار.

بدأ المسن العمد بالتوجه لحانوت والده بالسوق قبل اثنين وستين عاما، وورث مهنة صناعة الحلاوة من السمسم عن أجداده، إذ ارتبطت صناعتها في القدس بعائلة العمد منذ عشرات السنين.

ورغم تطور صناعة الحلاوة واعتمادها على الآلات الحديثة، تصر العائلة على اتباع الطريقة اليدوية في تصنيعها. وعن خطوات إعدادها يقول معتصم العمد "نقوم بغلي السكر وعشبة عرق الحلاوة في قدرين منفصلين ثم نخلط ماء العشبة مع السكر ونسكب الطحينة فتصبح كالعجينة، ونضيف لها المكسرات المختلفة والشوكولاتة، وهكذا تكون قوالب الحلاوة جاهزة لعرضها وبيعها في الحانوت بنكهات مختلفة".

لن أخذل المارة
يستذكر العمد أيام انتعاش السوق بالمارة قائلا "كان السوق عامرا بالمتسوقين من القدس والضفة الغربية لسنوات طويلة، وخلال الانتفاضة الأولى كنا نفتح حوانيتنا لمدة ساعتين فقط بسبب منع التجوال، ولكننا كنا نبيع خلالها وكأننا فتحنا الحانوت طيلة النهار، وبعد اندلاع الانتفاضة الثانية بدأ السوق بالانتكاس حتى وصلنا لمرحلة الاحتضار الحالية".

ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة، لا يفكر العمد بالتخلي عن مهنة صناعة حلاوة الطحينية ولا بإغلاق حانوته الصغير في السوق، موضحا أن "الصغار والكبار اعتادوا على رؤيتي جالسا هنا منذ سنوات طويلة ويعتبرونني جزءا من تاريخ هذا السوق وتراثه، فكيف لي أن أخذلهم وأغلق باب حانوتي؟".

وحرص المقدسي العمد على تعليم كافة أبنائه هذه المهنة رغم إنهائهم دراساتهم الجامعية، كما عوّدهم على التوجه للحانوت بشكل يومي بعد الظهر لمساندته، ويتمنى أن يحمل أبناؤه وأحفاده المسؤولية الكاملة مستقبلا كي يبقى اسم عائلة العمد حيّا في هذه الصناعة.

وبالخروج من حانوت العمد للحلاوة، يكمل الزائر لسوق خان الزيت سيره ويلفت انتباهه تأخر الحوانيت في فتح أبوابها، فقد يُرفع أذان الظهر ولا تزال عدد من الأبواب مغلقة، في مشهد قاس يدلل على انعدام حركة الشراء ويأس التجار من الأوضاع التي آلت إليها الأسواق.

عفيف عابدين صاحب محال الأدوات المنزلية الأكبر بالسوق، أوضح أن اثني عشر موظفا كانوا يعملون إلى جانبه بمحله في الماضي لازدحام السوق وكثرة المتسوقين، أما الآن فهو يجلس فيه وحيدا مع نجليه وقد يغلقان أبوابه بعد العصر دون أن يدخله شخص واحد.

ومع ذلك يصف للجزيرة نت السوق قائلا "هذا المكان هو كل حياتي، فمنذ بلغت سن الثانية عشرة وأنا أتوجه للسوق مع والدي، ومرّ على ذلك خمسون عاما وما زلت صامدا وعلمت أبنائي أهمية هذا الصمود وعظمة ثوابه".

وكغيره من تجار البلدة القديمة بالقدس، يشكو عابدين من الضرائب والمخالفات التي تفرضها أذرع الاحتلال المختلفة عليهم وتثقل كاهلهم بها.

اثنا عشر عاملا كانوا بمتجر عابدين للأدوات المنزلية لكنه اليوم يعمل مع ابنه فقط وقليلا ما يصله الزبائن (الجزيرة نت)

خان الزيت
سمي السوق بهذا الاسم لوجود خان بداخله منذ الفترة المملوكية، استخدمه المزارعون ممن ينتجون زيت الزيتون لتخزين الزيت بداخله، وتحول الخان الواقع بين عقبة المفتي وعقبة التكية لاحقا إلى منازل للمقدسيين أو حوانيت تخدم المتسوقين.

بُني سوق خان الزيت على مراحل عدة كانت أولاها في الفترة المملوكية أواخر القرن الرابع عشر، ثم بدأت الأبنية والحوانيت بالسوق تزداد تدريجيا، ورمم جزء منها في الفترة العثمانية، ويصل عددها لنحو 108 حوانيت، ويعتبر هذا السوق الرئيسي في البلدة القديمة وهو الأكثر تنوعا من حيث البضائع ويزداد تنوع الحوانيت حسب حاجة المستهلك المقدسي.

وفي وسط السوق تقع كنيسة تشكل المرحلة السابعة من مراحل درب آلام المسيح، كما يوجد بداخله ثلاثة أزقة في بدايته ووسطه ونهايته تؤدي لحارة النصارى بالبلدة القديمة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يقع سوق القطانين في البلدة القديمة من القدس المحتلة إلى الغرب من جدار المسجد الأقصى. ويمتد بين بابي المطهرة والحديد. تنسب نشأة السوق إلى الأمير المملوكي سيف الدين تنكز الناصري.

7/8/2016
المزيد من اقتصادي
الأكثر قراءة