الجزيرة نت ترافق هاكان فيدان وتنقل كواليس جولته في الخليج

"نحن الآن على متن طائرة تحلق باتجاه منطقة الصراع".. بهذه العبارة، استهل مراسل الجزيرة نت كمال أوزتورك حديثه عن كواليس جولة دبلوماسية غير اعتيادية أجراها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لعدد من دول الخليج، حيث شارك في اجتماع وزراء خارجية الدول العربية والإسلامية الذي عُقد الأربعاء في الرياض، ضمن جولة شملت أيضا قطر والإمارات.
هذه المرة تبدو الرحلة مختلفة تماما، متأثرة بالتصعيد العسكري في المنطقة، فالمسارات الجوية التقليدية التي كانت تُستخدم سابقا، مرورا بشمال قبرص التركية ثم الأردن وصولا إلى الرياض، باتت اليوم غير آمنة نتيجة ازدحامها بالصواريخ والطائرات الحربية. ونتيجة لذلك، سلكت الطائرة مسارا بديلا فوق البحر الأبيض المتوسط، ثم عبرت الأجواء المصرية، قبل دخولها الأراضي السعودية من جهة البحر الأحمر.
لهذا السبب، أقلعت الطائرة التي تحمل الوزير والوفد المرافق له من أنقرة، وحلّقت فوق البحر الأبيض المتوسط، ثم توجهت إلى مصر، ومنها دخلت الأراضي السعودية عبر البحر الأحمر.
وتتعرض دول الخليج لهجمات إيرانية واسعة، تقول طهران إنها تستهدف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، ردا على الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على أراضيها منذ 28 فبراير/شباط، غير أن بعض الهجمات أسقطت قتلى وجرحى وألحقت أضرارا بأهداف مدنية.

صواريخ فوق مقر الاجتماع
وعن هذه الجولة يقول مراسل الجزيرة نت بعد وقت قصير من وصولنا إلى الفندق في الرياض، وبينما كنا نتجاذب أطراف الحديث مع الوزير هاكان فيدان في ردهة الفندق، انطلقت فجأة رسائل إنذار من هواتفنا لم نسمع مثلها من قبل، ثم ظهرت رسالة باللغتين العربية والإنجليزية على الشاشات نصها: "موقعكم يتعرض لهجوم. توجّهوا إلى ملاذ آمن فورا".
أعتقد أنها كانت المرة الأولى التي سمعنا فيها أصوات الانفجارات، وهي الأصوات التي استمرت تطرق أسماعنا طوال يومين.
في مقر الاجتماع، كان وزراء خارجية 12 دولة قد بدؤوا لقاءات ثنائية في غرف منفصلة. وبينما كان الوزيران التركي والباكستاني يجريان محادثاتهما، قاطع فريق هاكان فيدان الاجتماع لإبلاغه بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يطلبه عبر الهاتف بشكل عاجل.
وفي اللحظة التي وضع فيها فيدان الهاتف على أذنه، كانت أصوات انفجارات الصواريخ الاعتراضية تدوي في السماء.
قال فيدان لعراقجي عبر الهاتف: "تتصل بي هاتفيا وفي الوقت نفسه تطلق الصواريخ فوق رؤوسنا، هل هكذا ترحّب بنا؟ على الأقل لا تطلقوها ونحن هنا".
في تلك الأثناء، أشار وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، الجالس قبالته بيده نحو السماء قائلا: "ها هو صاروخ آخر يمر"، مشاركا في المكالمة الهاتفية.
لكن المثير للسخرية في الأمر هو أن عراقجي كان قد اتصل ليطلب من هاكان فيدان العمل على تهدئة التوتر وعدم الإدلاء بتصريحات حادة ضد إيران، لكن في الوقت نفسه، لم يفهم أحد ما الذي كانوا يهدف الإيرانيون إليه بإرسال تلك الصواريخ.
ولاحقا، أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض 6 صواريخ باليستية وطائرتين مسيّرتين أطلقتها إيران، في حين أسفرت شظايا تلك الصواريخ عن اندلاع حرائق في مواقع متفرقة، دون تسجيل أي وفيات أو إصابات.

التحذير الدبلوماسي الأخير
عند بدء الاجتماع، كان من الواضح أن جميع الوزراء في حالة من الذهول والغضب بسبب هذه الصواريخ، ونقل هاكان فيدان ووزير الخارجية الباكستاني آراءهما بضرورة تهدئة الأوضاع إلى نظرائهما.
وفي تقييمه للوضع أثناء حديثه للصحفيين على متن الطائرة بعد الاجتماع، لخّص فيدان المشهد في 3 كلمات "التحذير الدبلوماسي الأخير". مشيرا إلى نفاد صبر الدول المشاركة في الاجتماع، خاصة تلك التي تعرّضت لقصف صاروخي مكثّف، وبدأت الخيارات العسكرية تُطرح على الطاولة بالفعل.
وردا على سؤال بشأن ما إذا كان هذا الوضع سيتحول إلى صدام عسكري، أجاب وزير الخارجية التركي بينما كانت الطائرة تتحرك من الرياض باتجاه قطر: "المخاطر تزايدت بشكل كبير".
وخلال اجتماع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مع هاكان فيدان في الدوحة، أدان الأخير الهجمات الإيرانية المتكررة على دول المنطقة، معتبرا أن تلك الهجمات مرفوضة وغير مقبولة تحت أي ذريعة.
وشدد الوزير التركي، في مؤتمر صحفي، على ضرورة وقف التصعيد العسكري والحفاظ على حرمة المدنيين والمرافق الحيوية، مؤكدا أن التعاون بين الدول المتضررة يشكّل قاعدة مهمة للحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي، ومواجهة أي تهديدات خارجية تهدف إلى تقويض السلام في المنطقة.
"لن يعود أي شيء كما كان في السابق"
وبينما كنا نتجه إلى الإمارات العربية المتحدة، انتظرت الطائرة في المطار 40 دقيقة قبل الإقلاع. ويبدو أن سبب التأخير هذه المرة لم يكن حركة الملاحة الجوية، بل النشاط العسكري في الأجواء.
والتقى هاكان فيدان والوفد المرافق له برئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد وأبرز المسؤولين في البلاد، حيث جرى اللقاء بشكل منفرد في سرية تامة، بينما كنا ننتظر في المطار.
وخلال الزيارة كانت صفارات الإنذار لا تتوقف وتحليق الطائرات الحربية في المنطقة حتى غادرت طائرة هاكان فيدان أبو ظبي ظهرا، مختتمة جولة خليجية استمرت 3 أيام.
وفي طريق العودة إلى تركيا، قال فيدان للصحفيين على متن الطائرة: "لن يعود أي شيء كما كان في السابق، سيتعيّن علينا إعادة بناء كل شيء من جديد. وبإذن الله، سنحل مشاكلنا بأنفسنا من خلال إقامة علاقات أقرب وأقوى مع دول المنطقة".

لقاء رباعي بالرياض
وشهدت العاصمة السعودية الرياض، سابقا، اجتماعا رباعيا تنسيقيا، ضم وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، ووزراء خارجية مصر بدر عبد العاطي، وتركيا هاكان فيدان، وباكستان محمد إسحاق دار، وذلك على هامش الاجتماع التشاوري لوزراء خارجية مجموعة من الدول العربية والإسلامية.
وبحث المجتمعون التصعيد الإيراني في المنطقة، وأهمية استمرار التشاور وتنسيق الجهود المشتركة لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وكذلك توحيد الرؤى والمواقف إزاء التطورات المتسارعة.
ومن جانبه، قال هاكان فيدان للجزيرة نت، إن الدول المجتمعة تبحث سبل توحيد الجهود لمواجهة التحديات المشتركة، مضيفاً أن "اجتماع دول المنطقة وتبادلها للنقاش والأفكار هو ما ندعو إليه منذ فترة، فنحن نؤكد دائماً على مبدأ الملكية الإقليمية.
وأوضح فيدان أن بلاده تبحث مع السعودية ومصر وباكستان مستجدات الأوضاع الإقليمية، وما يمكن أن يحققه العمل المشترك من فوائد، قائلاً "علينا أن ندرك مبدئياً أننا إما أن نتعلم كيفية الاجتماع وحل مشكلاتنا بأيدينا، أو أن نترك المجال لقوة مهيمنة من الخارج تفرض ما يناسب مصالحها، أو تمتنع عن اتخاذ أي خطوة وتعرقل غيرها.
وأشار الوزير التركي إلى أن العالم يشهد توجهاً متزايداً نحو تشكيل تكتلات إقليمية والتعاون الجماعي، لافتاً إلى أن دول المنطقة تسعى اليوم بدورها إلى تعزيز التضامن فيما بينها.