الوثائقي الموجه.. كيف أصبح فيلم الدولة أداة لتلميع السلطة وتزييف الوعي؟

كان هدف المقاومة الفلسطينية الأول في منتصف الثلاثينيات نيل حق تقرير المصير، لذلك جاءت مواجهتها للانتداب البريطاني في أعلى سلّم أولوياتها، وتنوعت أساليبها من الاحتجاجات والإضرابات إلى السلاح والجهود الدبلوماسية، لكن الغدر الصهيوني وقف بالمرصاد منفردا، ليبني مؤسساته بدعم من الانتداب البريطاني، ضمن مشروع شامل لتغيير الجغرافيا والتاريخ والمستقبل.

لم يبدأ ذلك المشروع على الأرض الفلسطينية فقط، بل بدأ بالتوازي مستهدفا عقل العالم، ليزرع فيه دولة متخيلة وتاريخا مزيفا، قبل أن يدفع به إلى أرض الواقع.

وكان الفيلم الوثائقي أهم ضلع في الترويج للمشروع، باختطاف الوعي العالمي، ورسم صورة زائفة ليهود يعودون إلى بلادهم، وكانت البداية بأفلام "الوعد"، التي مثلت ذراعا دعائية لاختطاف الوعي العالمي حول هذه الأرض.

فمنها فيلم "أرض الوعد" (The Land of Promise)، الذي أنتج برعاية الصندوق القومي اليهودي عام 1935، وصور فلسطين أرضا بورا صحراوية موبوءة بالمستنقعات، لا يسكنها أحد، ثم أظهر المستوطنين اليهود وهم يجعلونها جنات خضراء وحدائق مزدهرة.

الرسالة التي مُررت إلى الجمهور الأوروبي والأمريكي آنذاك، كانت بسيطة وخطيرة في الوقت نفسه، وهي أن فلسطين أرض لا شعب لها، تنتظر شعبا لا أرض له.

ومع اقتراب لحظة إعلان الدولة الإسرائيلية عام 1948، دعمت الوكالة اليهودية سرديتها بفيلم "غدا يوم رائع" (Tomorrow’s a Wonderful Day)، فصور المستوطنات مجتمعات مثالية للأطفال والشباب، تقارن بالتخلف المنسوب إلى الفلسطينيين.

أصبح الوثائقي أداة لإقناع الغرب بالمشروع الصهيوني، ومحفزا للتبرع لهذا المشروع، وقد تحقق الهدفان، بعد عرضه في المهرجانات الأوروبية، وعلى التوازي، كانت الأرض تفرغ تدريجيا من أهلها، إما بالترحيل القسري أو بالمجازر المنظمة.

أثبتت التجربة الصهيونية في فلسطين أن الوثائقي لم يعد انعكاسا للواقع، بل أداة لتصنيعه، وصار التوثيق نفسه جزءا من آلة التلاعب بالتاريخ، حين يقدم نسخة منقحة تخفي الوجود الفلسطيني وتستبدله بسردية استيطانية حديثة.

إعلان

فذلك نموذج يقدم أوضح مثال على ما يمكن تسميته "تأريخ السلطة"، حين تصبح الصورة الرسمية سلاحا سياسيا يوازي قوة الرصاص، وتصبح الكاميرا شريكا في تزييف الوعي والذاكرة الجماعية.

وإذا كانت التجربة الصهيونية قد بدأت في استخدام الوثائقي أداةً، ولم تبلغ كامل قوتها بعد، فإن الأنظمة السياسية الحديثة والمعاصرة تدرك قيمة الوثائقي، لكونه من أخطر أدوات إعادة صياغة الذاكرة الجمعية، لتثبيت شرعيتها.

وقد أتقنت الأنظمة الجمهورية والعسكرية -منذ الخمسينيات- توظيف الوثائقي في تمجيد إنجازات القادة، وبناء صورة الدولة الحديثة، وإظهار خصومها خطرا وجوديا على المجتمع، لذلك فإن تأريخ السلطة ليس محصورا في سياق واحد، بل هو ظاهرة عابرة للحدود السياسية والثقافية.

أفلام السد العالي

أدرك ضباط يوليو 1952 من البداية أهمية الفن عموما، والصورة خصوصا، لكن ذلك لم يكن بالطريقة الجيدة التي تعلي قيمة الفن، وتدعم دوره الحضاري، بل بالطريقة التي تجعله أداة سيطرة على الجماهير العريضة في مصر والعالم العربي.

لذلك أصبحت السينما الوثائقية في الستينيات ذراعا لخطاب يشمل مفردات وعبارات دعائية، منها "الحلم القومي"، و"الوطن القوي"، و"اتحاد قوى الشعب العامل"، عبر الأفلام الوثائقية والروائية معا.

ملصق الفيلم الوثائقي "ملحمة بناء السد العالي"

يقف بناء السد العالي في أسوان على رأس هذه السردية، لا أنه منشأة هندسية فحسب، بل أسطورة تحديث تختزل الوعود بالسيادة على النيل، وزيادة الرقعة الزراعية، وتوليد الكهرباء، وإعادة توزيع الثروة.

من هنا جاءت الأفلام التي تناولت المشروع، لتؤكد مشهديا ما يقوله الخطاب السياسي حول قائد يختلط بالعمال، وورشة وطنية كبرى تنصهر فيها الفوارق الطبقية والجهوية تحت راية واحدة.

وأبرز هذه الأعمال فيلم "النيل والحياة" (1968) ليوسف شاهين، وهو إنتاج مصري سوفياتي مشترك، صُور بصيغة 70 مم، وعرضت منه نسخ وعناوين متعددة لاحقا.

يصور الفيلم دخول العمال والمهندسين المصريين إلى ورشة السد، جنبا إلى جنب مع الخبرات السوفياتية، في بنية درامية وثائقية، تقرن يوميات العمل في سياق وطني أوسع عن وحدة المجتمع.

هذا العمل كُلف به يوسف شاهين رسميا، ضمن سياق الشراكة مع الاتحاد السوفياتي، ثم رُفضت نسخته الأولى، قبل أن يعاد اكتشافه وتداوله بعناوين مختلفة في عقود لاحقة، مما يكشف شدة حساسية الصورة، حين ينتمي العمل إلى تاريخ دولة، بدلا من أن يكون فيلما سينمائيا.

كما أنتجت أفلام روائية وتجارية، وضعت السد العالي في الخلفية الدرامية لتأكيد رمزيته، منها فيلم "الحقيقة العارية" (1963)، الذي تضمن مشاهد وموقع أحداث عند السد، حين تسافر البطلة في وفد سياحي إلى أسوان، وتتقاطع داخليا قصة حبها مع مشهد المشروع القومي.

وذلك توظيف سردي، يمنح السد وظيفة جمالية وطنية، أكثر من كونه موضوعا هندسيا مباشرا، وهو جزء من موجة إدراج السد في الأفلام الروائية، لتعظيم قيمته بصفته إنجازا له دلالته على التحديث، وعلى قوة الدولة وهيبتها.

تظهر مصادر التوثيق السينمائي والصحافي التباسات متكررة في أسماء أفلام السد وأزمنتها، بين "النيل والحياة" (1968) و"الناس والنيل"، الذي عرض مطلع السبعينيات، ببطولة سعاد حسني وعزت العلايلي.

إعلان

وإنما يعود ذلك إلى تعدد النسخ والعناوين العربية والأجنبية، وإلى كون المشاريع المصرية السوفياتية حول السد، قد أُعيد توليفها وعرضها في مراحل مختلفة.

قيمة هذه الأفلام الدلالية تكمن في إعادة إنتاج صورة الزعيم والدولة، ويتجسد السد مركزا للمشروع الناصري، وتعمل أدوات صناعة السينما على تكريس هذا المعنى بتقنية البانوراما الجماعية، ومونتاج الحشود، والتصوير في مواقع العمل، وإبراز التلاحم بين القائد والطبقة العاملة.

وفي المقابل، تزيح الكاميرا التحديات البنيوية إلى خارج إطار الصورة أو إلى الهوامش، فمنها أعباء التهجير النوبي، وتكلفة المشروع، وتداعياته البيئية والاقتصادية، وهو اختيار جمالي سياسي متسق مع طبيعة السينما المسيّسة في تلك الحقبة.

عراق صدام حسين

في عام 1981، أنتجت الحكومة العراقية الفيلم التاريخي "القادسية"، وهو من أضخم الأعمال السينمائية في التاريخ العربي من حيث التكلفة، فقد بلغت كلفته 4 ملايين دينار عراقي آنذاك (نحو 50 مليون دولار)، وأخرجه صلاح أبو سيف، بالتعاون مع المؤسسة العراقية العامة للسينما والمسرح.

يجسد الفيلم معركة القادسية عام 15 هـ (636 م)، حين هزمت جيوش المسلمين مملكة الفرس، بقيادة الصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، لكن خلفية لحظة الإنتاج سياسيا هي النظام البعثي برئاسة صدام حسين، وقد عمدت إلى تشبيه زعيمه بالصحابي الجليل، وذلك استخدام للرموز الدينية لتبرير الحرب الإيرانية.

اعترف الممثل بطل الفيلم عزت العلايلي، أنه لم يكن واعيا بهدف الفيلم سياسيا، واكتشف ذلك لاحقا حين شارك في مهرجان كان السينمائي.

كما ظهرت شخصيات نسائية فاعلة في الإعداد للمعركة، لتجسيد الصورة التي حاول النظام العراقي ترسيخها حول مجتمع عصري يمكّن النساء، ضمن إطار الخطاب البعثي الحداثي، في خطوة مغايرة للخطاب الإيراني.

عُرض الفيلم في دار عرض واحدة بمصر في حي شبرا، واتهم صلاح أبو سيف -مع عظمة مسيرته- بإخراج واحد من أسوأ أعماله من الناحية الفنية، بسبب تحميله عبء دعاية نظامية، أكثر من قصة فنية متوازنة.

وفي العام التالي، أُنتج فيلم "الأيام الطويلة" 1980–1981، وهو سيرة ذاتية لصدام حسين، وكان خطوة أخرى نحو بناء الأسطورة الشخصية للزعيم عبر الكاميرا.

لم يكن فيلم "القادسية" مجرد عمل سينمائي تاريخي، بل نموذجا صارخا لسينما السلطة، التي شكلتها الأنظمة القومية في ظل الحرب، وتكريسا للاستخدام الحكومي للفيلم أداة للدعاية، ويمثل مخططا مدروسا لاستثمار التاريخ الرمزي في ترسيخ السرد السياسي لحاكم استبدادي، فأصبح العمل الفني وثيقة عن لحظة سياسية، لا قيمة جمالية.

"انتصار الإرادة" في ألمانيا النازية

يعد وثائقي "انتصار الإرادة" (Triumph of the Will)، الذي عُرض عام 1935، أشهر فيلم دعائي في السينما النازية، وقد أخرجته "ليني ريفنشتال" بتكليف من الزعيم الألماني "أدولف هتلر"، لتوثيق مؤتمر الحزب النازي في نورمبرغ عام 1934.

لا يقدم الفيلم قصة بالمعنى الدرامي، بل يبني صورة أسطورية لزعيم مخلص، مستخدما تقنيات سينمائية مبتكرة حينها، منها لقطات جوية تظهر جموع الحشود النازية كأنها "بحر بشري"، ليعزز الإحساس بالقوة والوحدة، عبر التناغم بين المونتاج والموسيقى العسكرية، كما يصور "هتلر" من زوايا منخفضة ليبدو عملاقا مهيبا.

الوثائقي الألماني "انتصار الإرادة"

ومع ما له من قيمة فنية وإخراجية، لكونه علامة فارقة في تطور لغة الصورة السينمائية، فإنه يمثل ذروة استخدام الفن أداة دعائية سياسية، فقد جعل حدثا حزبيا مشهدية ملحمية، رسخت صورة الرايخ الثالث وهيبته في المخيلة الألمانية.

يُفتتح الفيلم بلقطات جوية لطائرة "هتلر"، وهي تحلق فوق سماء نورمبرغ، إشارةً رمزية إلى نزول المخلّص من السماء، ثم يظهر وهو يستقبل الجماهير الغفيرة التي تملأ الميادين والساحات، وتردد الحشود هتافات تمجد الزعيم وتؤكد الولاء له.

إعلان

على امتداد أكثر من ساعة ونصف، يتنقل الفيلم بين مشاهد الاستعراضات العسكرية، واصطفاف الجنود الهندسي الدقيق، والخطابات السياسية الحماسية، التي تكرس صورة الزعيم الفرد القادر على توحيد الأمة الألمانية وقيادتها نحو "المجد".

استخدمت المخرجة أكثر من 30 كاميرا، وطاقما ضخما من المصورين، مع ابتكارات بارزة في حركة الكاميرا، وزوايا التصوير المرتفعة، والمونتاج السريع الذي يدمج بين إيقاعات الجنود والموسيقى العسكرية، لتصنيع مشاهد بصرية ذات طابع أسطوري.

كما اعتمدت على لقطات مقربة من وجوه الجنود والجماهير، لإظهار الانضباط الجماعي والحماس الفردي معا، مما يجعل الفيلم أقرب إلى سيمفونية بصرية للحشد السياسي.

يقدم "انتصار الإرادة" صورة مثالية عن النظام النازي بصفته قوة منظمة متماسكة، تسير في انسجام تام خلف قائدها، ويغيب عن الفيلم أي حضور للمعارضة أو الأصوات النقدية، فقد صُمم بدقة ليكون مرآة دعائية تعكس قوة الدولة وإنجازاتها وشرعية قيادتها.

بهذا المعنى، لم يكن الفيلم وثائقيا بالمعنى المألوف، بل نموذجا صارخا لتأريخ السلطة، الذي يوظف الكاميرا أداة لكتابة التاريخ الرسمي، وفق جدول أعمال سياسي محدد.

وقد دافعت المخرجة "ليني ريفنشتال" مرارا عن نفسها، بقولها إنها لم تكن سوى فنانة تلتقط الصور وتنسق المشاهد، من غير انتماء سياسي، لكن كثيرا من المؤرخين رأوا ذلك محاولة للتنصل من المسؤولية الأخلاقية عن المشاركة في بناء "أسطورة هتلر"، عبر الصورة السينمائية.

ومع ذلك، يبقى "انتصار الإرادة" شاهدا حيا على قوة السينما، بصفتها سلاحا فكريا قادرا على صياغة الواقع، وإعادة إنتاجه وفق ما تريده السلطة.

مقالات سينمائية

تعد سلسلة "النشرة السينمائية" (Kino-Pravda) التي أطلقها المخرج والمفكر السينمائي السوفياتي "دزيغا فيرتوف" بين عامي 1922-1925 من أهم التجارب في تاريخ السينما الوثائقية، ومن أكثرها تأثيرا في صياغة مفهوم السينما أداةً للوعي السياسي والاجتماعي.

تعني الكلمة الروسية (Kino-Pravda) "سينما-الحقيقة"، وهي مستوحاة من جريدة الدعاية البلشفية الشهيرة "البرافدا" (Pravda)، التي كانت لسان حال الحزب الشيوعي السوفياتي.

وقد أراد بها "فيرتوف" أن يجعل الكاميرا بديلا عن القلم، وأن تصبح الصورة المتحركة وسيلة مباشرة لطرح "الحقيقة" الثورية، كما تراها السلطة السوفياتية الناشئة.

سلسلة "النشرة السينمائية"

تتكون "النشرة" من 23 حلقة قصيرة، أشبه بالنشرات الإخبارية المصورة، وقد عُرضت في قاعات السينما دوريا أمام جمهور العمال والفلاحين، وتضمنت موضوعاتها قضايا الحياة اليومية في الاتحاد السوفياتي، فمنها مشاهد من المصانع والمزارع الجماعية، ومبادرات العمال، والأنشطة الثقافية، ولقاءات سياسية، وأحيانا مشاهد من الخارج تبرز الفوارق بين عالمي الرأسمالية والاشتراكية.

اعتمدت السلسلة على الجمع بين اللقطات الوثائقية المباشرة، والتجريب الجمالي في المونتاج، وهو ما جعلها تتجاوز النشرة الإخبارية المعتادة، وتصبح مشروعا سينمائيا له لغة خاصة.

قامت "النشرة السينمائية "على فكرة "عين الكاميرا" (Kino-Eye)، التي طورها "فيرتوف"، واتخذها أداة تتفوق على العين البشرية، لأنها لا تخضع للأهواء الشخصية والتحيزات الفردية. فالكاميرا -بحسب رؤيته- تستطيع أن تلتقط الواقع بدقة، وأن تعيد تركيبه بالمونتاج، لإظهار حقائق خفية لا تراها العين المجردة.

انعكست هذه الفلسفة في طريقة بناء السلسلة، فرُكبت الصور في إيقاع سريع، مع توظيف المونتاج الموازي والمقارنات البصرية، لإبراز التناقض بين الجديد والقديم، وبين النظام الاشتراكي الناشئ والرأسمالية.

كانت السلسلة بمنزلة مختبر لتجريب أدوات المونتاج السوفياتي، الذي طوره "فيرتوف" لاحقا في فيلمه الأشهر "رجل ذو كاميرا سينمائية" (Man with a Movie Camera) عام 1929.

فقد برزت هنا استخدامات اللقطات القريبة لتفاصيل العمل اليدوي، وزوايا تصوير غير مألوفة، وإيقاع بصري متسارع، يهدف إلى شد انتباه الجمهور وإثارة حماسه السياسي، كما اتسمت النشرة بغياب السرد العتيق، القائم على الشخصية أو الحدث الواحد، فقد فضّل "فيرتوف" أن تكون الكاميرا راصدة لحركة المجتمع كله.

لا تظهر أهمية السلسلة في ابتكاراتها الفنية فحسب، بل أيضا في بعدها الفكري، فهي شكل من تأريخ السلطة، الذي استخدم الصورة السينمائية لتثبيت شرعية النظام السوفياتي، بعرض إنجازاته وتضخيم انتصاراته، في حين تغيب الأزمات وأصوات المعارضة.

إعلان

ومع ذلك الطابع الدعائي، كانت "النشرة السينمائية" خطوة رائدة نحو تعريف السينما الوثائقية، بوصفها أداة فكرية لا تقل شأنا عن الأدب أو الصحافة.

سيدة الدعاية الأمريكية

يعد فيلم "سيدة القتال" (The Fighting Lady) الذي عُرض عام 1944، واحدا من أبرز الأفلام الوثائقية التي أنجزتها الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، وهو عمل يجمع بين التوثيق المباشر والدعاية.

فقد أنتجته البحرية الأمريكية، بغرض رفع الروح المعنوية للداخل الأمريكي، وتأكيد بطولة القوات البحرية، التي كانت تخوض معارك ضارية في المحيط الهادئ. وقد مُنح الفيلم لاحقا جائزة الأوسكار، عن فئة أفضل فيلم وثائقي طويل عام 1945، ويمثل نموذجا مثاليا لتأريخ السلطة.

يركز الفيلم على حياة البحارة والجنود على متن حاملة الطائرات "يورك تاون" (USS Yorktown)، المعروفة يومئذ بالاسم الرمزي "سيدة القتال" (The Fighting Lady)، وينقل تفاصيل يومية تمتزج فيها الرتابة مع لحظات الخطر القصوى.

ملصق فيلم "سيدة القتال"

يبدأ العمل بتقديم مشاهد من الحياة العادية، بدءا من صفوف الطعام، وأعمال الصيانة، والتدريبات المألوفة، والأنشطة الترفيهية التي يمارسها الجنود في وقت الهدوء. وهي مشاهد تهدف إلى إضفاء طابع إنساني على الجنود، بحيث يظهرون شبابا عاديين، تركوا أهلهم ووطنهم من أجل مهمة كبرى، وهو ما يخلق جسرا عاطفيا مع الجمهور الأمريكي.

لكن الفيلم لا يلبث أن ينتقل إلى قلب المعركة، مستعرضا الاشتباكات الجوية والبحرية التي تخوضها حاملة الطائرات ضد اليابانيين، وقد اعتمد المخرج "ويليام كيلر" على لقطات حقيقية صورتها طواقم البحرية، مستخدما زوايا تصوير غير مسبوقة من على متن الطائرات المقاتلة أو سطح السفينة.

منح ذلك الأسلوب الفيلم طابعا واقعيا مفعما بالتوتر. كما أضيف تعليق صوتي رسمي، أداه الممثل "روبرت تايلور"، ليمنح السرد بعدا دراميا، ويجعل الوقائع قصة متماسكة، تتغذى على البطولة والفداء.

من الناحية التقنية، يكتسب الفيلم أهمية إضافية، لكونه استخدم فيه تقنية "نظام الألوان" (Technicolor)، وهو ما جعله من أوائل الأفلام الوثائقية الملونة التي تصور الحرب في البحر.

وقد أضفت الألوان بعدا بصريا جديدا على المشاهد، لا سيما في تصوير المعارك الجوية وحرائق السفن، فيختلط الدخان الأسود بزرقة البحر ولمعان الطائرات. هذه العناصر الجمالية عززت وقع الفيلم على المشاهدين، فبدا أن الحرب تنتقل مباشرة إلى قاعات السينما الأمريكية.

ويؤدي فيلم "سيدة القتال" وظيفة مزدوجة، فهو من جهة يظهر براعة الجيش الأمريكي وتفوقه التقني والتنظيمي، ومن جهة أخرى يعلي قيمة التضحية الفردية، فقد خصصت لحظات مؤثرة لتخليد ذكرى الجنود الذين قتلوا في المعارك.

هذه الثنائية بين البطولة الجماعية والفقد الشخصي، قد خلقت توازنا بين الحماسة القومية والبعد الإنساني، فجعلت الفيلم أكثر تأثيرا في جمهوره.

لم يخل الفيلم من الانتقادات اللاحقة، بوصفه خطابا دعائيا، يتجنب تصوير فظائع الحرب أو خسائرها الحقيقية، لكنه يبقى شهادة على كيفية تسخير السينما، لإعادة تشكيل وعي الجمهور.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان