"أميركا أولا" على المحك.. دعم إسرائيل يشق الصف الترامبي

واشنطن- أظهرت واقعتان شهدتهما الساحة السياسية الأميركية خلال الأسبوع الماضي حجم التأثير السلبي الذي خلفه دعم الرئيس دونالد ترامب لإسرائيل على القاعدة السياسية الواسعة التي يقودها، والمعروفة بتيار "أميركا أولا" أو حركة "فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" (ماغا).
ففي الحفل الذي أقامه ترامب في البيت الأبيض بمناسبة عيد الأنوار اليهودي (حانوكا)، جدد الرئيس الأميركي تأكيده أنه أكثر الرؤساء الأميركيين خدمة لإسرائيل ومصالحها.
وخلال المناسبة، أشاد بدوره في استهداف المنشآت النووية الإيرانية، وبالدعم المالي والعسكري الذي قدمته إدارته لإسرائيل، إضافة إلى ما وصفه بدوره المحوري في التوصل إلى اتفاق إنهاء الحرب على غزة، والذي أسفر عن استعادة جميع المحتجزين الإسرائيليين، أحياء وأمواتا، باستثناء جثة واحدة.
وبعد يومين فقط، وعلى بعد نحو 4 آلاف كيلومتر، اجتمع ممثلو التيار المحافظ الأميركي في مدينة فينيكس بولاية أريزونا، ضمن فعاليات المؤتمر السنوي الأول لمنظمة "نقطة تحول أميركا" (Turning Point USA) التي أسسها تشارلي كيرك.
وشهد المؤتمر سجالات حادة وهجمات متبادلة بين أبرز رموز حركة "ماغا" على خلفية موقف ترامب من إسرائيل، في مشهد عكس عمق الانقسام المتزايد داخل التيار حول سياسات الإدارة الأميركية تجاه تل أبيب.

"رئيس يهودي"
وخلال الحفل، استدعى ترامب المذيع اليهودي في شبكة "فوكس نيوز" مارك ليفين إلى المنصة لإلقاء كلمة قصيرة. وقال ليفين إنه قبل 6 سنوات، وفي المكان نفسه، وصف ترامب بأنه "أول رئيس يهودي للولايات المتحدة"، وهو ما علق عليه ترامب بالقول "نعم، حدث ذلك". وأضاف ليفين أن ترامب أصبح الآن "أول رئيس يهودي يخدم فترتين رئاسيتين غير متتاليتين"، موجها له الشكر.
كما أقر ترامب بدور التبرعات اليهودية في دعم حملته الانتخابية، ولا سيما تلك التي قدمتها المليارديرة الإسرائيلية الأميركية مريام أديلسون. واعترف بأنها وزوجها الراحل أديلسون ضغطا عليه للاعتراف بضم مرتفعات الجولان السورية لإسرائيل باعتبارها أراضي خاضعة للسيادة الإسرائيلية، وكذلك لنقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة موحدة لإسرائيل.
وأثارت هذه التصريحات وأجواء الحفل استياء واسعا لدى شخصيات بارزة في تيار "أميركا أولا"، التي رأت فيها تغليبا للمصالح الإسرائيلية على المصالح الأميركية.
وبحسب أحدث تقرير لمشروع "تكلفة الحرب" الصادر عن جامعة "براون" الشهر الماضي، قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل أكثر من 21 مليار دولار منذ بدء الحرب على غزة، كما تعهدت إدارة ترامب ببيع أسلحة إضافية بقيمة 8 مليارات دولار. وأدى ذلك إلى تصاعد اعتراضات قادة في تيار "أميركا أولا" على كلفة هذا الدعم وتداعياته المحتملة.
وكانت النائبة الجمهورية ماجوري تايلور غرين، الحليفة السابقة لترامب، من أبرز الأصوات المنتقدة لتورط واشنطن في الدفاع عن إسرائيل والمشاركة في حربها على إيران، الأمر الذي فاقم خلافها مع الرئيس، ودفعها إلى إعلان استقالتها من مجلس النواب بنهاية الشهر الجاري.
وتميزت غرين سابقا بولاء شخصي كبير لترامب وتماهٍ أيديولوجي واضح معه، إذ سبق أن وصفها بأنها "محاربة قوية" و"شخصية مميزة جدا"، قبل أن يتهمها لاحقا بالتهور عقب موقفها الحاسم من السياسات الإسرائيلية.

صراع داخلي
وفي افتتاح مؤتمر منظمة تشارلي كيرك، شن المذيع اليهودي المعروف بن شابيرو، هجوما لاذعا على شخصيات بارزة في حركة "ماغا"، من بينها تاكر كارلسون وستيف بانون وكانديس أوينز وميغين كيلي.
واعتبر شابيرو، المعروف بقربه من مواقف الحكومة الإسرائيلية، أن أوينز تروج لنظريات مؤامرة، خاصة فيما يتعلق باغتيال تشارلي كيرك، واتهمها بالإيحاء بتورط حكومات أجنبية، من بينها إسرائيل، في الحادثة.
كما انتقد شابيرو استضافة تاكر كارلسون لنيك فونتيس، الذي وصفه بأنه "مدافع عن هتلر" و"متعاطف مع النازية"، واتهم ستيف بانون بتشويه سمعة خصومه عبر اتهامهم بالولاء لدولة أجنبية، في إشارة إلى إسرائيل.
وقال شابيرو إن الحركة المحافظة تواجه خطرا من "محتالين" يدّعون تمثيلها بينما يمارسون التضليل وعدم النزاهة.
ورد بانون لاحقا من المنصة ذاتها، متّهما شابيرو بمحاولة السيطرة على إرث تشارلي كيرك، وبوضع مصالح إسرائيل فوق مصالح الولايات المتحدة، ووصفه بعبارات حادة وسط هتافات آلاف الحاضرين في مركز مؤتمرات فينيكس.
وفي سياق متصل، أقرت ميغين كيلي، خلال حديثها مع المؤثر المحافظ جاك بوسوبيك، بوجود انقسام داخل التيار اليميني حول إسرائيل حتى قبل مقتل كيرك، مشيرة إلى أن الأخير كان أحيانا يبدي تشككا في دعم الولايات المتحدة لبعض السياسات الإسرائيلية.
قيادة التيار
ويعكس الخلاف داخل حركة ماغا بشأن إسرائيل، في أحد أبعاده، صراعا غير معلن حول قيادة التيار، ورغم عدم إعلان أي شخصية ترشحها رسميا لانتخابات 2028، إلا أن عدة أسماء تطرح كخلفاء محتملين لترامب، أبرزهم نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي يُنظر إليه بوصفه الأقرب إلى روح وقيم تيار "أميركا أولا".
كما يبرز اسم ماركو روبيو، وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، المحسوب على تيار المحافظين الجدد القريب من إسرائيل، إلى جانب السيناتور الجمهوري عن ولاية تكساس تيد كروز، المعروف بقربه من الحركة الصهيونية الإنجيلية.
وخلال افتتاح المؤتمر، أعلنت أيريكا كيرك، أرملة تشارلي، دعمها لترشيح فانس للرئاسة عام 2028، وقالت إنه سيكون الرئيس الثامن والأربعين للولايات المتحدة، وهو ما قوبل بتصفيق وهتافات من الحضور.
وفي المقابل، لمّح تاكر كارلسون إلى أن استياء شابيرو الحقيقي يعود إلى حجم الدعم الذي يحظى به فانس من أنصار تشارلي كيرك، واصفا فانس بأنه "الابن الوفي لأميركا أولا"، معتبرا أن صعوده سيزعج أطرافا كثيرة في واشنطن.
وفي حديث للجزيرة نت، أشار صحفي إسرائيلي يميني يغطي شؤون البيت الأبيض إلى وجود قلق متزايد داخل إسرائيل من صعود نجم فانس، معتبرا أن خلافته المحتملة لترامب تمثل "كابوسا" لإسرائيل، لأنه سيلتزم بمبادئ "أميركا أولا".
وخلال كلمته في المؤتمر، انتقد كارلسون السياسيين الأميركيين لدعمهم إسرائيل، معتبرا أنهم يضعون مصالحها فوق مصالح بلادهم، رغم ما وصفه بمخالفتها للقانون الدولي والإنساني والقيم الأميركية.
وفي هذا السياق، يخشى ترامب من أن يؤدي تصدّع وحدة تيار "أميركا أولا" وحركة "ماغا" إلى التأثير سلبا على انتخابات الكونغرس المقبلة في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، إذ إن تمكّن الديمقراطيين من انتزاع أغلبية أحد المجلسين قد يحول ترامب إلى "بطة عرجاء"، ويجعله عرضة لتحقيقات متزايدة خلال العامين الأخيرين من ولايته الثانية والأخيرة.
