المقاومة في الضفة.. بين العبوات الناسفة وسلاح الحرائق

كتائب ألوية الناصر صلاح الدين
مقاومون في الضفة الغربية (مواقع التواصل)

شهد عمل المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية تطورا نوعيا وبارزا بعد عملية طوفان الأقصى كان عنوانه التوسع في استخدام العبوات الناسفة التي باتت تمثل هاجسا لجيش الاحتلال ومؤخرا أدخل المقاومون سلاحا جديدا هو إشعال الحرائق.

وباتت العبوات الناسفة أحد أهم الأسلحة الإستراتيجية التي تمتلكها المقاومة في مواجهة القوات الإسرائيلية.

واعتبر عادل شديد المحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي أن مقاومة الضفة وعملياتها آخذة بالازدياد والنوعية أيضا، موضحا أن ذلك يعكس مجموعة من المتغيرات أهمها أن الضفة اجتازت الصدمة التي حدثت عند 7 أكتوبر/تشرين الأول، والتي شكّلت صدمة لإسرائيل التي سعت لتبني سياسة ترهيب في بداية الحرب.

لذا لا يكاد يمر اقتحام إسرائيلي إلا وتستخدم المقاومة العبوات الناسفة التي باتت تشكل عبئا عملياتيا خلال الاقتحامات للضفة الغربية.

كان آخرها اعتراف جيش الاحتلال في مطلع الشهر الجاري بمقتل الجندي قائد آلية بوز النمر التي دمرها المقاومون في مخيم نور شمس بطولكرم.

فيما كشفت قناة كان الإسرائيلية في الأول من الشهر الجاري أن العبوات الناسفة التي استخدمتها المقاومة خلال 5 أيام أسفرت عن مقتل ضابط (قائد فرقة قناصة) وجندي وإصابة 17 بانفجار عبوات ناسفة في جنين وطولكرم.

فجرت كتيبة جنين عبوة ناسفة بآليات جيش الاحتلال ما أسفر عن مقتل ضابط وإصابة جنود من منصة اكس
كتيبة جنين فجّرت عبوة ناسفة بآليات جيش الاحتلال ما أسفر عن مقتل ضابط وإصابة جنود (مواقع التواصل)

تطور ملحوظ

برزت قوة العبوات الناسفة المصنعة محليا لأول مرة في الضفة الغربية، وتحديدا في مخيم جنين قبل معركة طوفان الأقصى بأشهر.

حيث فجر المقاومون لأول مرة آلية من نوع نمر تابعة لقوات الاحتلال، في اقتحام إسرائيلي استمر لمدة 11 ساعة، وشهد اشتباكات اعترفت إسرائيل بشدتها، واستعانت بطائرة أباتشي لنقل الجرحى من داخل المخيم نظرا لشدة الاشتباك.

ووفقا للعديد من المراقبين فالمقاومة بالضفة تعكف على تطوير العبوات، وبات لديها عبوات من نوع شواظ، وأنواع أخرى.

ويعتقد الخبراء أن من شأن تطور العبوات الناسفة تقليص قدرات جيش الاحتلال وستجعل اقتحام المدن والقرى مكلفا للاحتلال، كما سيفسد إستراتيجية الاحتلال التي يطلق عليها "جز العشب".

ووفقا لأمير بخبوط المراسل العسكري لموقع "والا" الإسرائيلي فإن عددا من ضباط لواء النخبة حذروا من تفاقم معضلة العبوات الناسفة التي تواجه قوات الاحتلال الإسرائيلي أثناء قيامهم بـ"أنشطة عسكرية" في الضفة الغربية.

وأكد مسؤول وحدة العبوات الناسفة في كتيبة طولكرم للجزيرة نت في مقابلة سابقة أن قدرة المقاومة أصبحت أكثر تطورا في "تصنيع المتفجرات والعبوات الناسفة، بحيث أصبحت أكثر قدرة على الانفجار وإحداث الأضرار المباشرة".

كما نقل موقع والا الإسرائيلي عن ضباط في الوحدات الخاصة بالضفة أن الضباط "باتوا يشعرون بتأثير النقص في العربات المصفحة بسبب العبوات الناسفة" التي يستخدمها المقاومون.

تعيد العبوات الناسفة ذكريات العمليات الفدائية والنوعية التي نفذتها المقاومة وعلى رأسها  كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وأوقعت عشرات القتلى والجرحى الإسرائيليين، بعدما رسم المهندس الأول للقسام  يحيى عياش بداية صناعة المتفجرات والأحزمة الناسفة التي شكلت فارقا كبيرا في تاريخ مقاومة الاحتلال.

تهديد متزايد

تطور العبوات الناسفة وطريقة التعاطي معها بات هاجسا لدى الاحتلال فقد ذكرت قناة "كان" الإسرائيلية أن تهديد العبوات الناسفة في الضفة المحتلة ازداد خطورة في الفترة الماضية.

وبحسب القناة فإن العبوات الناسفة تحتوي أحيانا على عشرات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة التي يجري تفجيرها عن بُعد، بينما يقوم المقاومون بزراعتها تحت طبقة الأسفلت في الشوارع.

ووفقا للخبراء تقول القناة الإسرائيلية إن الاحتلال يستعين بجرافات مصفحة لتجريف الشوارع قبل اقتحام الآليات الأخرى، وذلك حتى تنفجر هذه العبوات بالجرافات.

ولمواجهة ذلك بات المقاومون يستخدمون طرقا أكثر تطورا لزرع العبوات مما يسبب صعوبة باكتشافها وتفجيرها قبل وصول الآليات التي تحمل الجنود، وهو ما حدث في تفجير مخيم جنين قبل أيام إذ زرع المقاومون العبوة الناسفة على عمق 10 أمتار بحيث لا تصل الجرافة إلى هذا العمق.

تطور العبوات الناسفة -بحسب محللين عسكريين- أسقط المعادلة التي عمل جيش الاحتلال على ترسيخها بالضفة الغربية في أعقاب عملية السور الواقي عام 2002، فمنذ ذلك الوقت سعت قوات الاحتلال إلى ترسيخ حرية حركتها بالضفة واقتحام أي منطقة تريدها.

ويرى الخبير في الشأن الإسرائيلي، أيمن الرفاتي أن تطور العبوات سيأخذ منحنيات تصاعدية كبيرة كنوع من تطور المقاومة لمواجهة سياسات الاحتلال العدوانية، ومن الناحية الأمنية تمثل خطورة أمنية على الاحتلال ومستوطنيه، ويمكن استخدامها في العمليات التفجيرية، وإفقاد المستوطنين أمنهم الشخصي.

الحرائق.. إبداع المقاومين

يكاد يكون خبر الحرائق بالمستوطنات الضفة الغربية خبرا يوميا في الإعلام الإسرائيلي فقد ذكرت القناة الـ12 أمس أن حريقا اندلع في محمية "بور هتسيبوريم" في مستوطنة يتسهار بالضفة، وهناك خطر على منازل السكان. ويعمل العديد من رجال الإطفاء والمتطوعين في مكان الحادث لمحاولة منع انتشار الحريق إلى المنازل المجاورة.

فيما كان خبر الحريق في مستوطنة يتسهار جنوب مدينة نابلس متصدرا نشرات الأخبار في قناة كان الإسرائيلية أمس، حيث ذكرت القناة أن طواقم الإطفاء تحاول إخماد حريق يتقدم من 3 جهات نحو المستوطنة.

وشهدت الضفة خلال الأيام الماضية تصاعدا في عدد الحرائق في المستوطنات، كإحدى أدوات المقاومة ضد المستوطنات والقواعد العسكرية للاحتلال من شمال الضفة حتى جنوبها.

ففي أول الشهر الماضي اندلع حريق في منطقة وادي الصليب المتاخمة لمقر الكنيست الإسرائيلي وما يسمى متحف إسرائيل غربي القدس المحتلة.

وفي العاشر من الشهر الماضي ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن مسلحين كانوا يرتدون الزي العسكري والسترات الواقية، أشعلوا الليلة الماضية النار في مقطورة ببؤرة "سدي إفرايم" الاستيطانية المقامة على أراضي رام الله.

ونقلت الهيئة عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين قولهم "إن واحدا على الأقل من المهاجمين كان مسلحا".

بعدها بعدة أيام اندلع حريق في محيط مستوطنة حريش المقامة على أراضي بلدة قفين شمال طولكرم المحتلة.

وبنفس اليوم 26 يونيو/حزيران الماضي اندلع حريق كبير قرب قاعدة عوفريت العسكرية في منطقة جبل المشارف بالشطر الشرقي من القدس المحتلة والجامعة العبرية، وعملت 12 فرقة إطفاء على إخماده.

بعدها بيومين أخلى جيش الاحتلال نحو 200 جندي من داخل معسكر عتصيون شمال مدينة الخليل بعد اندلاع حريق كبير في المنطقة، وفقا لصحيفة هآرتس.

وفي نفس اليوم أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن حريقا كبيرا اندلع في قاعدة عسكرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي قرب مستوطنة معاليه أدوميم قرب مدينة القدس المحتلة.

الضفة تقتبس غزة

لم يكن سلاح الحرائق بعيدا عن العمل المقاوم فقد استخدمته المقاومة في قطاع غزة قبل معركة الطوفان.

فقد بدأ استخدام البالونات الحارقة مع بدء مسيرات العودة في عام 2018، حيث وصلت تلك البالونات إلى أراضي المستوطنات حول القطاع.

وبات إطلاق البالونات عملا شبه دائم في قطاع غزة وتسبب باندلاع حرائق بشكل واسع عدة مرات وأصبح هاجسا لدى الاحتلال إذ عمد إلى منع دخول الوقود للقطاع للضغط على المقاومة لوقف إطلاق البالونات الحارقة.

وهو الأمر الذي دفع وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت للقول "حماس تسمح بإرسال بالونات حارقة بشكل متواصل محملة بمتفجرات باتجاه إسرائيل، ولسنا مستعدين لقبول ذلك".

وكانت المرة الأخيرة التي أطلقت فيها البالونات قبل معركة طوفان الأقصى بشهر واحد حيث اندلع حريق كبير في مستوطنة كيسوفيم بسبب تلك البالونات.

تطور العمل المقاوم في الضفة وابتكار أساليب جديدة من قبل المقاومة هناك جعل ساحة الضفة الغربية هاجسا لدى الاحتلال، وهو ما دفع المحلل العسكري للقناة الـ14 للقول إن الساحة التي تقلق مسؤولي الأجهزة الأمنية أكثر من غيرها، في رأيي، هي الضفة الغربية.

المصدر : الجزيرة