110 أيام من الحرب المستعرة على غزة.. هل حققت إسرائيل أهدافها؟

العشرات من جنود جيش الاحتلال عادوا في توابيت دون تحقيق أي هدف للحرب على غزة (الفرنسية)

"لا حل كاملا لجيوب المقاومة في غزة"، و"لا يوجد حل عسكري بشأن مصير حماس"، تصريحان تردد صداهما في الأيام الأخيرة، الأول لوزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، والآخر لوزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، ويلخصان ما آلت إليه الحرب الإسرائيلية المستعرة على قطاع غزة بعد 110 أيام؛ فما اعتبرتها إسرائيل حربا محسومة مسبقا بأهداف ممكنة، لم تكن كذلك.

وقد أظهرت المعارك حقائق ومعطيات جديدة في مواجهة التصريحات والروايات الإسرائيلية المتلاحقة، سواء في أعداد قتلى جيش الاحتلال، أو ما حرصت المقاومة على بثه على امتداد الأيام الـ110 من مشاهد حملت عناوين لخصت المعركة، أبرزها: الأنفاق، والمسافة صفر، والميركافا، والنمر، والياسين 105.

وبالتوازي مع ذلك، يواجه الجيش الإسرائيلي انتقادات واسعة من أطراف في الحكومة الإسرائيلية مع تحميله الفشل في منع هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والفشل في تحقيق أي من أهداف الحرب حتى الآن.

هدفان رئيسيان

ومنذ أول خطاب له بعد صدمة السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حين أطلقت المقاومة الفلسطينية عملية "طوفان الأقصى"، حدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هدفين رئيسيين لحربه التي أعلنها، وهما:

  • محو كل وجود لحركة حماس في القطاع.
  •  الإفراج عن المحتجزين لديها.

ويتوسع محللون في الأهداف الإسرائيلية من الحرب، متحدثين عن 4، وهي:

  • القضاء على قيادة حركة حماس وإنهاء حكمها لقطاع غزة.
  • تدمير البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية.
  • تحرير الأسرى الإسرائيليين.
  • تهجير سكان غزة إلى سيناء.

ومرت الأيام وتوالت خطابات نتنياهو، ومن بعده أعضاء مجلس الحرب الذي شكّله، كما صبت قوات الاحتلال نيران غضبها على القطاع المحاصر منذ أكثر من 17 عاما، فاستشهد وأصيب عشرات الآلاف، ودُمرت آلاف البيوت على ساكنيها، ولم يسلم من القصف مسجد أو مشفى أو مدرسة أو غيرها.

تراجع في الأهداف

ومع مرور الأيام دون انتصار إسرائيلي ولو جزئي، بدأت الأهداف الإسرائيلية تتراجع، وانخفض سقفها بشكل واضح، وأُعلن عن هدف آخر هو تغيير السلطة الحاكمة في غزة وإبعاد حماس عنها.

ومؤخرا، تنقل صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤول أمني إسرائيلي كبير قوله إن "هدف الجيش الإسرائيلي الرئيسي هو تدمير هيكل قيادة حماس في غزة، وبمجرد تحقيق ذلك فإن أفراد الحركة سيشكلون تهديدا أقل ويمكن هزيمتهم مع تطور الصراع من مرحلة القتال العنيف إلى مرحلة أقل حدة".

أما صحيفة "واشنطن بوست" فنقلت عن مصادر مطلعة تأكيدها أن وجهة نظر واشنطن وكثير من قادة الجيش الإسرائيلي هي أن إسرائيل بعيدة عن هزيمة حركة حماس.

والعجيب أن الحديث الطويل الذي كرره نتنياهو مرارا عن "غزة في اليوم التالي للحرب"، انقلب عليه؛ إذ تنقل "إن بي سي" عن مسؤولين أميركيين أن إدارة الرئيس جو بايدن تتطلع إلى ما بعد نتنياهو لتحقيق أهدافها في المنطقة، وأنها تحاول وضع الأساس مع قادة إسرائيليين آخرين تحضيرا لتشكيل حكومة ما بعد نتنياهو.

أما صحيفة "نيويورك تايمز" فنقلت السبت الماضي عن قادة عسكريين إسرائيليين تأكيدهم أن هدفي الحرب -وهما استعادة الأسرى وتدمير حماس- بات مستحيلا تحقيقهما معا، مؤكدين أن المعركة الطويلة الأمد اللازمة لتدمير حماس ستكلف على الأرجح حياة الأسرى، ومشيرين إلى أن استعادتهم ممكنة فقط من خلال الوسائل الدبلوماسية لا العسكرية.

وقال هؤلاء القادة الإسرائيليون إن معارك غزة عرقلتها بنية حماس التحتية الأكثر تطورا مما ظنته المخابرات الإسرائيلية، معربين عن خشيتهم من أن يؤدي طول الحملة على غزة من دون خطة لما بعد الحرب إلى تآكل دعم من تبقى من الحلفاء.

ونقلت "يديعوت أحرونوت" أن قوات الاحتلال فوجئت بأن حجم الشبكة أكبر بنحو 600% عما كانت تتوقع.

وبكلمات واضحة، تقول صحيفة هآرتس "من العسير رؤية طريق واضح لنصر عسكري حاسم لإسرائيل".

عدوان بلا أهداف

ويشير الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي إلى أن العدوان الإسرائيلي فشل حتى الآن في تحقيق أي من أهدافه، وأصبحت الحرب عدوانا بلا أهداف؛ فقد فشلوا في استعادة الأسرى أو في القضاء على المقاومة، وفشلوا أيضا في بسط سيطرتهم في الأماكن التي دخلتها دباباتهم، كما فشلوا في تحقيق الهدف المركزي للعدوان وهو التطهير العرقي لقطاع غزة.

ويضيف البرغوثي في مقابلة مع الجزيرة "وفوق كل ذلك، فقد فشل التطبيع الذي استُخدم كذراع ووسيلة لتصفية القضية الفلسطينية".

ويؤكد أن إسرائيل دخلت الآن في أزمة داخلية عميقة، فهي تعاني من خسائر بشرية لا تستطيع تحملها، وبشائر انهيار اقتصادي لا تستطيع تحمله أيضا، وأزمة أخلاقية كبرى بخسارتها على الصعيد الدولي، وخصوصا ما نراه كل يوم من مسيرات ومظاهرات منددة بحربها على غزة.

صمود المقاومة

وفي خطابه في اليوم الـ100 للحرب، قال أبو عبيدة الناطق باسم كتائب عز الدين القسام -الجناح العسكري لحركة حماس- إن الاحتلال تكبّد خسائر ضخمة تفوق كلفتها ما تكبده في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وإن المقاومة أخرجت عن الخدمة 1000 آلية عسكرية إسرائيلية.

وأكد أبو عبيدة أن جيش الاحتلال الإسرائيلي فشل في تحقيق أهدافه أو تحرير أي أسير لدى المقاومة.

وهنا يقول الخبير العسكري والإستراتيجي اللواء فايز الدويري إن نتائج المعارك تقاس بمدى تحقيق أهدافها العسكرية المعلنة، وهو الأمر الذي فشلت فيه إسرائيل.

وأضاف أن حركة حماس لا تزال متماسكة تنظيميا، وقدراتها العسكرية لا تزال قائمة، وبعد 100 يوم من العدوان والدمار لم يستطع جيش الاحتلال إنقاذ أي من محتجزيه إلا من خلال التفاوض، بينما قتل بعضهم سواء بالقصف أو الاستهداف المباشر.

جندي إسرائيلي نائم على دبابته مستريحا من رمضاء الحرب على قطاع غزة (رويترز)

ووصف الخبير العسكري والإستراتيجي قصف كتائب القسام منطقة أسدود برشقة صواريخ بعد 100 يوم من الحرب بأنه رسالة سياسية للحكومة الإسرائيلية ومن يقف وراءها كواشنطن وبرلين، علاوة على أنها رسالة عسكرية صريحة تدحض مزاعم تل أبيب بالقضاء على مقدرات المقاومة وقتل آلاف المقاومين والسيطرة العملياتية على شمالي قطاع غزة.

وعلى مدى أيام الحرب، فاجأت المقاومة الجميع بقذيفة "الياسين 105" التي تمكنت من تدمير دبابة "ميركافا" وناقلات الجند "النمر" المدرعة، اللتين تشكلان "فخر الصناعة العسكرية الإسرائيلية".

ويشير الدويري إلى أن الواقع الميداني "يبطل مزاعم الاحتلال"؛ ففي المنطقة الشمالية من القطاع ادعى الاحتلال أنه حقق أهدافا ودمّر 700 قاعدة لإطلاق الصواريخ وقتل 9 آلاف من المقاومين، لكن الرشقات الصاروخية التي أطلقتها كتائب القسام أبطلت الادعاءات الإسرائيلية.

وفي المنطقة الوسطى من قطاع غزة، لا يزال القتال محتدما لكنه يراوح مكانه، والحال نفسه بالنسبة للمنطقة الجنوبية التي حشدت لها إسرائيل 7 ألوية.

ولا يستبعد الخبير العسكري أن تتمكن المقاومة من توجيه صواريخها صوب حيفا ومطار إيلات.

تداعيات على الداخل الإسرائيلي

وعلى الصعيد الداخلي، لم يكن الغضب في الشارع الإسرائيلي هو العامل الوحيد الضاغط على حكومة بنيامين نتنياهو؛ فالهزات الارتدادية لزلزال حرب غزة تلاحقت منذ الساعات الأولى للسابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والأزمة في مربع التحالف الحكومي لم تعد خافية، ولعلها من بين ما سيحدد مآلات الحرب.

ويمكن تلخيص التداعيات السلبية التي أصابت إسرائيل من المعركة فيما يلي:

  • انقسام سياسي حاد داخل النخبة الحاكمة في إسرائيل، سواء الائتلاف الحكومي أو مجلس الحرب؛ ففضلا عن غياب الانسجام بين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت وعضو مجلس الحرب بيني غانتس، وضبابية الصورة بشأن مرحلة ما بعد الحرب على غزة، فإن شرخا آخر أخذ بالاتساع يوما بعد آخر بين القيادتين السياسية والعسكرية.
  • انقسام حاد في الرأي العام الداخلي إلى موقفين، أحدهما يطالب بتكثيف الضربات ضد القطاع، والآخر يدعو لخيار التفاوض مع حماس من أجل إطلاق سراح الأسرى.
  • فشل مخطط تهجير سكان غزة في ظل تمسكهم بأرضهم ورفض الخروج منها.
  • خسارة معركة الرأي العام العالمي؛ إذ نزل الملايين في شوارع دول مختلفة للمطالبة بوقف إطلاق النار ومحاسبة إسرائيل على جرائمها، في حركة تضامنية عالمية تجاوزت الأديان والأعراق والثقافات والجنسيات، ووحدها إيمان جماعي بالحق الفلسطيني.
  • تراجع الدعم الدولي لإسرائيل على خلفية المجازر التي ترتكبها في غزة، وفي المقابل تزايد الدول التي تنتقد السياسة الإسرائيلية كجنوب أفريقيا وإسبانيا وأيرلندا، بل إن مواقف بعض الدول التي عُرفت تاريخيا بالتأييد المطلق لإسرائيل -كفرنسا على سبيل المثال- تحولت إلى مطالبتها مرارا بوقف إطلاق النار.
  • مثول إسرائيل للمرة الأولى في تاريخها أمام العدالة الدولية ممثلة في محكمة العدل الدولية في لاهاي.

وهنا يقول الدكتور مصطفى البرغوثي إنها المرة الأولى التي تقف فيها إسرائيل موقف المساءلة والحساب، وتضطر للدفاع عن نفسها، بعد أن كانت دائما فوق القانون الدولي.

ضريبة باهظة

لكن وفي الوقت نفسه، فالمؤكد أن هناك ثمنا باهظا دفعته المقاومة الفلسطينية والفلسطينيون جميعا في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وقد أدت الحرب العنيفة التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة -حتى الآن- إلى استشهاد أكثر من 25 ألفا و700، وإصابة أكثر من 63 ألفا و740 آخرين، 70% منهم نساء وأطفال.

ومع ذلك، فإن تقديرات الجيش الإسرائيلي تشير إلى أن حركة حماس لم تخسر قادتها، وأن أغلبية مقاتليها لا يزالون على قيد الحياة بعد 110 أيام من الحرب، كما تقول صحيفة يديعوت أحرونوت.

وذكرت الصحيفة أن تقديرات الجيش تشير إلى أن عدد مقاتلي كتائب القسام عشية هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بلغ نحو 30 ألفا.

ويزعم جيش الاحتلال أنه قتل 9 آلاف مقاتل في قطاع غزة، من بينهم نحو 50 من قادة كتائب القسام.

لكن الناطق باسم الكتائب أبو عبيدة أكد أن ما يعلن عنه العدو من إنجازات عسكرية مزعومة خلال عدوانه على غزة "هي أمور مثيرة للسخرية بالنسبة لنا، وسيأتي اليوم الذي نثبت فيه كذب هذه الدعاوى وعيبتها".

في المقابل، أكد أبو عبيدة أن جيش الاحتلال تكبّد خسائر باهظة تفوق تكلفتها ما تكبده في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وسبق أن نقل موقع "ميدل إيست آي" عن مصادر مقربة من القيادة السياسية لحركة حماس قولها إن الإحصاءات الإسرائيلية بهذا الصدد "محض هراء، وإن الخسائر في صفوف كتائب القسام كانت قليلة للغاية".

وقال أحد المصادر للموقع إن إجمالي الخسائر في صفوف كتائب القسام أقل من 10%، موضحا أن "القسام حركة عسكرية ذات بنية مركزية وحلقة تنظيمية فضفاضة، لم نسمع عن معاناة القوات المركزية من خسائر خطيرة".

ويعتقد ريتشارد ويتز، كبير المحللين العسكريين في معهد "هدسون" بواشنطن، أن "إسرائيل حققت بعض أهدافها خلال الحملة الماضية، حيث انخفض عدد الصواريخ التي يتم إطلاقها من غزة". كما أنشأ جيش الاحتلال منطقة عازلة على طول شمال قطاع غزة.

لكنه في مقابل ذلك يقرّ أيضا بأن المقاومة الفلسطينية -وفي مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي– لا تزال تحافظ على مقاتليها، كما أن الرأي العام يتحرك ضد إسرائيل، فضلا عن أن مخاطر التصعيد من لبنان لا تزال قائمة.

والمؤكد أن الفصل الجديد من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي زلزل ثوابت عدة كان يسود الظن أنها راسخة، أو فوق كل احتمالات التغيير. وبدءا من تهاوي أسطورة الجيش الإسرائيلي أمام هجوم المقاومة الفلسطينية يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مرورا بأطنان البارود التي ألقيت على رؤوس أهل غزة وسط تأييد غربي لإسرائيل، ظلت تتبلور في الأوساط السياسية الإقليمية والدولية قناعات جديدة، مفادها أن معادلات ما بعد الحرب لن تبقى على ما كانت عليه قبلها.

110 أيام من الحرب، وغزة الضئيلة المساحة والإمكانات، والكثيفة السكان، بل التي طالما وُصفت بأنها مجرد سجن كبير، لا تزال تستعصي على السقوط أمام جحافل الجيش الإسرائيلي الذي سبق له أن هزم جيوش ما كانت توصف بدول الطوق العربية مجتمعة، واحتل مساحات شاسعة من أراضيها في 6 أيام.

المصدر : الجزيرة