"مراسلون بلا حدود" للجزيرة نت: تدابير قيس سعيد تهديد حقيقي لحرية التعبير والصحافة

: جانب من احتجاجات سابقة للصحفيين في تونس/أمام مقر الحكومة بالقصبة/العاصمة تونس/يناير/كانون الثاني 2023 (خاصة بالجزيرة نت)
احتجاجات سابقة للصحفيين التونسيين على قمع الحريات ومحاكمات الرأي (الجزيرة)

تونس- تراجعت تونس 27 مركزا في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي كشفته منظمة "مراسلون بلا حدود"، الأربعاء، لتحل في المركز 121 من بين 180 دولة شملهم التصنيف. في حين عزا نقيب الصحفيين التونسيين هذا التراجع إلى تزايد الاعتداءات ومحاكمات الرأي والتضييق على المعلومة وحرية التعبير.

ويُعد هذا التراجع انتكاسة تهدد مكسب حرية التعبير إبان الثورة التونسية، حسب تصريح ممثل مكتب تونس لمنظمة مراسلون بلا حدود سمير بوعزيز، للجزيرة نت، كما يمثل إنذارا حادا بأن تراجع حرية التعبير يهدد المسألة الديمقراطية برمتها.

وقد كانت تونس مصنفة بالمركز 94 في عام 2021 والمركز 73 سنة 2020. ويعتمد التصنيف معايير عدة كالاستقلالية والتعددية والإطار التشريعي والسياق السياسي وقياس الانتهاكات، ويستند لاستبيان يجيب عليه صحفيون وجامعيون.

وصدر تقرير منظمة مراسلون بلا حدود حول مؤشر حرية الصحافة اليوم الأربعاء، في الثالث من مايو/أيار، المتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة.

: جانب من احتجاجات سابقة للصحفيين في تونس/أمام مقر الحكومة بالقصبة/العاصمة تونس/يناير/كانون الثاني 2023 (خاصة بالجزيرة نت)
السلطة في تونس لم تستجب لمطالب وقف المرسوم 54 رغم التحذير من تداعياته على الحريات عامة (الجزيرة)

المرسوم "54"

ويقول بوعزيز إن الوضع الاستثنائي الذي فرضه منذ عامين الرئيس قيس سعيّد واعتماده على المراسيم الرئاسية لحكم البلاد، وعلى رأسها المرسوم (54)، مثلت تهديدا حقيقيا لحرية التعبير وحرية الصحافة، مذكرا بمواقف منظمة مراسلون بلا حدود الداعية إلى سحب المرسوم بسبب تداعياته الخطيرة على الحريات.

وأصدر الرئيس قيس سعيد في سبتمبر/أيلول 2022 مرسوما رئاسيا رقم (54) يتعلق بمكافحة الإشاعات والأخبار الزائفة، لكن تلك الخطوة أثارت المخاوف في الأوساط الإعلامية والحقوقية بأن يشكل هذا النص تهديدا حقيقيا لحرية الصحافة، ولم يستجب الرئيس لمطالب الإعلاميين والحقوقيين بإلغائه.

واعتمد سعيد تدابير استثنائية في 25 يوليو/تموز 2021 عزل بموجبها الحكومة السابقة وحل البرلمان والمجلس الأعلى للقضاء، كما صاغ دستورا جديدا غيّر به نظام الحكم من برلماني لرئاسي، وأجرى انتخابات تشريعية صعد بها برلمان جديد، وبرّر تلك التدابير لوجود "خطر داهم على الدولة".

ويقول بوعزيز إن النظام الحالي لم يبدِ استعدادا لوضع إطار تشريعي يحترم الدستور أو المعايير الدولية ويكون ضمانة لحرية الصحافة وأخلاقيات المهنة. كما أنه لم يضع سياسات لإصلاح قطاع الإعلام، فإنه "لم يولِ الصحافة الأهمية المطلوبة، وبالتالي لا يمكن الحديث عن ديمقراطية دون صحافة حرة".

جرس إنذار

ويؤكد ممثل "مراسلون بلا حدود" أنه في حال لم تأخذ السلطات التونسية بعين الاعتبار جرس الإنذار من تراجع مؤشر الصحافة، فإن الخطر لن يطال حرية التعبير فحسب، بل أيضا المعلومة المهنية الموثوقة في زمن فوضى الإشاعات والأخبار الزائفة. ويقول إن حماية الصحافة لا تعني فقط العاملين بهذا القطاع وإنما حماية الحق في المعلومة.

ومن شأن تجاهل السلطات لصيحات الفزع بشأن تردي واقع حرية الصحافة في تونس في ظل تنامي وتيرة المحاكمات والاعتداءات على الصحفيين -بناء على تقرير "مراسلون بلا حدود"- أن يؤثر على علاقة تونس بشريكها الاقتصادي الأول الاتحاد الأوروبي الذي يعتمد تقارير المنظمة لتحديد تعاونه الخارجي، بحسب بوعزيز.

وحول دلالات هذا التراجع، يقول نقيب الصحفيين محمد ياسين الجلاصي إن التقرير يكشف قتامة واقع الحريات في ظل الوضع الاستثنائي الذي فرضه الرئيس قيس سعيد، مؤكدا أن تزايد وتيرة الاعتداءات على الصحفيين ومحاكماتهم في قضايا رأي يتناقض مع تصريحات الرئيس بأن حرية التعبير مضمونة.

ويؤكد الجلاصي للجزيرة نت، أن التقرير السنوي لنقابة الصحفيين التونسيين حول حرية الصحافة لسنة 2022 كشف عن "تنامي الاعتداءات والانتهاكات والمحاكمات ضد الصحفيين والنشطاء والمدونين، وتسجيل تضييق كبير على النفاذ للمعلومة في انتهاك لحق المواطنين للوصول إلى إعلام تعددي، فضلا عن تحويل التلفزة العمومية إلى بوق دعاية".

نقيب الصحفيين التونسيين محمد ياسين الجلاصي/أمام مقر الحكومة بالقصبة/العاصمة تونس/نقابة الصحفيين/فبراير/شباط 2023 (خاصة بالجزيرة نت)
محمد الجلاصي تحدث عن تدخل سياسي لتوجيه القضاء والنيابة لملاحقة منتقدي السلطة (الجزيرة)

توجيه القضاء

ويرى الجلاصي أن السلطة تسعى من وراء وضع اليد على وسائل الإعلام العمومي للسيطرة على خطها التحريري وإقصاء الأصوات المعارضة للسلطة. مشيرا إلى وجود تدخل سياسي في القضاء والنيابة العمومية بتعليمات كتابية من وزيرة العدل لإصدار ملاحقات قضائية ضد من ينتقد السلطة، وفق قوله.

ويؤكد نقيب الصحفيين أن السلطة بصدد استخدام المرسوم الرئاسي رقم (54) بصفة متعسفة لمواجهة آراء صحفيين أو نشطاء صرحوا بها بوسائل إعلام. ويرى أنه لا وجود لمحاكمات عادلة طالما تستعين السلطة بأجهزة الدولة وبقوانين زجرية لمحاسبة أهل المهنة. ومؤخرا تمت إحالة الصحفية منية العرفاوي ومحمد بوغلاب للقضاء بموجب ذلك المرسوم.

وانتقد نقيب الصحفيين التونسيين تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للصحفيين في ظل تواتر حالات الطرد التعسفي وعدم سداد أجورهم، محملا السلطات المسؤولية عن هذا التدهور لرفضها نشر الاتفاقية الإطارية المشتركة التي تحمي حقوق الصحفيين رغم صدور أحكام قضائية بذلك.

وتصاعد الجدل في تونس بشأن حرية التعبير بسبب المخاوف من عودة الرقابة والحجب، لا سيما مع إعلان الروائي كمال الرياحي عن منع توزيع روايته "فرانكنشتاين تونس" في معرض تونس للكتاب، وهو إجراء أقرّت به لجنة تنظيم المعرض بحجة أن دار النشر لم تقم بإيداع الكتاب في قائمة الكتب المصرح بها للنشر، قبل أن تسمح بتوزيعه.

 

 

لا تراجع

في مقابل ذلك، أكد الرئيس قيس سعيد خلال زيارة فجائية له مساء الثلاثاء إلى مقر دار الكتاب (التي توزع الرواية المذكورة) أنه "لا مجال للحديث عن منع أي كتاب"، مبرزا أن "ما يروج هو افتراء وكذب ومحاولات للتشكيك بأن الحريات مهددة في تونس".

وتابع أن "حرية الفكر أهم من حرية التعبير المزعومة، لأن حرية التعبير تقتضي حرية الفكر، وللأسف هناك أشخاص لا فكر لهم، وحرية التعبير التي يتحدثون عنها يتمتعون بها رغم أنهم يعيشون في غيبوبة فكرية".

وقال "سنبقى على العهد مع الشعب التونسي، ولا يمكن أن نتراجع إلى الوراء، ومن يريد أن يعبث بالدولة التونسية أو يشكك في الحريات في الداخل والخارج، فهو إما عميلا أو شخصا مصابا بغيبوبة فكرية عميقة لن يستفيق منها أبدا".

وطالما نفى الرئيس التونسي قيس سعيد مصادرة أي صحيفة، أو تدخل في الخط التحريري لأي وسيلة إعلامية، أو ملاحقة صحفي بسبب ما نشره. وينتقد أنصار الرئيس الإعلام بشكل مستمر ويعتبرون مضمونه رديئا ومنحازا ضد الرئيس، كما يتهمون جزءا من القطاع بالتورط في قضايا فساد وتوجيه للرأي العام وتضليله.

المصدر : الجزيرة