من المسؤول عن قصف مستشفى المعمداني في غزة؟

المستشفى المعمداني في حي الزيتون بغزة (رويترز)

منذ اللحظة الأولى لقصف مستشفى المعمداني في حي الزيتون جنوب مدينة غزة وأوقع 500 شهيد من المدنيين اتجهت أصابع الاتهام لجيش الاحتلال الإسرائيلي.

فقد اتهمت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة جيش الاحتلال بارتكاب المجزرة، وقالت عبر صفحتها على الفيسبوك إن إسرائيل استهدفت المستشفى المعمداني بغزة الذي يأوي نازحين من العدوان المستمر على قطاع غزة، وإنه كان يحتمي به آلاف النازحين الذين هجرهم الاحتلال قسرا من بيوتهم.

وأضافت الوزارة أن الاحتلال الإسرائيلي هدد المستشفى المعمداني عدة مرات كباقي المستشفيات، وتعرض المستشفى للاستهداف قبل يومين كرسالة أولية، وهو ما رفضته إدارات هذه المستشفيات التي قالت إن الوضع الصحي الكارثي في القطاع لا يسمح بذلك.

يذكر أن المستشفى أسسته جمعية الكنيسة الإرسالية التابعة لكنيسة إنجلترا في 1882، ويعدّ من أقدم المستشفيات في فلسطين.

المدنيون لجؤوا إليه ظنا منهم أنه مكان آمن وفق ما تمليه كل القوانين والأعراف والأخلاقيات، وأن جيش الاحتلال الإسرائيلي لن يقدم على قصفه، لكن في حوالي الساعة 8:10 من مساء الثلاثاء 17 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حدث ما لم يكن في حسبان كثيرين، حيث بدأت تنتشر صور وفيديوهات على منصات التواصل لاستهداف مستشفى المعمداني من الاحتلال الإسرائيلي، الصور القادمة من المستشفى كانت صادمة للعالم أجمع.

وبعد قليل من القصف، خرجت حسابات إسرائيلية وتبنت قصف المستشفى، وكان من بين تلك الحسابات: حساب المتحدث باسم الإعلام الرقمي للجيش الإسرائيلي حنانيا نفتالي، الذي قال في تغريدة "سلاح الجو الإسرائيلي يقصف قاعدة تابعة لحماس داخل مستشفى في غزة. مقتل عدد من الإرهابيين.. من المفجع أن حماس تطلق الصواريخ من المستشفيات والمساجد والمدارس، وتستخدم المدنيين دروعا بشرية".

Hananya Naftali
(مواقع التواصل الاجتماعي)

لكن المفاجأة أن حنانيا ما لبث أن حذف التغريدة سريعا، وعلّق بتغريدة أخرى بالقول: "في وقت سابق نشرت خبرا نُشر على وكالة رويترز حول القصف على المستشفى في غزة، الذي ذكر بشكل خاطئ أن إسرائيل قصفت المستشفى. لقد شاركت هذه المعلومات عن طريق الخطأ في منشور حُذف منذ ذلك الحين، أشرت فيه إلى استخدام حماس الاعتيادي للمستشفيات لتخزين مخابئ الأسلحة، والقيام بنشاطات إرهابية. أعتذر عن هذا الخطأ".

في المقابل، خرجت حسابات رسمية إسرائيلية عدة تؤكد أن من قصف المستشفى هي حركة الجهاد الإسلامي، ومن بين تلك التغريدات: تغريدة حساب دولة إسرائيل التابع للخارجية الإسرائيلية، على موقع إكس، والذي نشر مقطعا ادعى فيه أن فصائل المقاومة هي من قصفت المستشفى.

لكن على ما يبدو أن من رفع التغريدة لم ينتبه إلى أمر مهم، وهو أن التغريدة نُشرت في الساعة 10:40 من ليلة أمس 17 من الشهر الحالي، بينما المربع على اليمين، يظهر "كاميرا" للمراقبة بتاريخ مغاير لاحق لوقت نشر التغريدة، وبالتحديد بعد نحو ساعة ونصف الساعة من نشرها.

x - إسرائيل بالعربية
(مواقع التواصل الاجتماعي)

كما أن العديد من الحسابات الإسرائيلية ادعت أن حركة الجهاد الإسلامي هي من استهدفت المستشفى بالخطأ، وهنا يكون السؤال: كيف حددت إسرائيل أن من أطلق الصاروخ هي حركة الجهاد الإسلامي، وليس أيا من حركات وفصائل المقاومة الأخرى؟

وهل تملك الفصائل الفلسطينية -عموما- مثل هذه الرؤوس الحربية ذات القدرة التدميرية الكبيرة؟

 

بالإضافة إلى ما سبق، لو أمعنا النظر في المقطع الذي وثّق لحظة الانفجار لوجدنا أن سرعة المقذوف عالية، وأنه سبّب انفجارا هائلا وارتفاعا شاهقا لألسنة اللهب، وهذا يؤكد أنه مقذوف موجه وليس مجرد صاروخ بدائي صعد إلى أعلى، ثم سقط بالخطأ.

ولتأكيد ما سبق ودحض المزاعم الإسرائيلية، نشر ناشطون مرئيات وفيديوهات عدة تقارن بين القدرة التدميرية للصواريخ الإسرائيلية وصواريخ المقاومة.

في المقابل، نشر الجيش الإسرائيلي مقطعا ادعى فيه أن صاروخا أطلقته المقاومة انحرف وسقط على المستشفى، لكن المقطع يظهر أنه تصدى للصاروخ في السماء، والانفجار الذي وقع في المستشفى هو نتيجة إصابة مباشرة من مقذوف آخر. فلا يمكن أن تسبب شظايا الصاروخ المعترض في السماء هذا الانفجار الكبير، كما أنه لا يوجد -وفقا للصور- أي ألسنة حرارية خارجة من المقذوف الذي سقط على المستشفى.

وتكتمل إثارة القصة بشهادة حاسمة من مراسل قناة "إم إس إن بي سي" الأميركية في إسرائيل، الذي قال في مداخلة تلفزيونية انتشرت على مواقع التواصل "هذه حالة واضحة من ضبابية الحرب، يجب أن نكون واضحين، إن بي سي غير قادرة على الدخول إلى غزة. الحدود الإسرائيلية مغلقة، والحدود المصرية كذلك مغلقة، فريقنا غير قادر على الدخول إلى القطاع للتحقق مما حدث مباشرة. كما يجدر التنبيه إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يوفر إلى اللحظة أي دليل لدعم ادعائه بأن السبب كان صاروخا لحركة الجهاد الإسلامي. هم يشيرون إلى معلومات استخباراتية لم يكشفوا عنها بعد. كما تجدر الإشارة إلى هذا العدد من القتلى لا يتناسب مع ما يُنسب عادة للصواريخ الفلسطينية. هذه الصواريخ خطيرة ومميتة، لكنها غير قادرة على قتل مئات الأشخاص في ضربة واحدة".

مراسل" بي بي سي" قال أيضا: تواصلنا مع الجيش الإسرائيلي للتعليق عما حدث، وقالوا إنهم يحققون، لكن من الصعب تصور ما عساه يكون بالنظر لحجم الانفجار، عدا كونه غارة إسرائيلية أو غارات عدة، لأنه عندما نشاهد صواريخ منطلقة من غزة لا نرى انفجارات بذلك الحجم. قد نشهد مقتل 6 أشخاص أو أكثر بقليل في ضربات صاروخية مشابهة، لكننا لم نشهد انفجارا بهذا الحجم في المقطع الذي شاهدته منذ قليل.

المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي نشر مقطعا وعلّق عليه بالقول: بالفيديو من داخل أنظمة سلاح الجو: هكذا أصاب صاروخ فاشل أطلقه الجهاد الإسلامي (على) منطقة المستشفى المعمداني في مدينة غزة.

 

الرواية الإسرائيلية المتناقضة شهدت كثيرا من التفاعلات على المنصات العربية، فالمغردون طرحوا أسئلة عدة على الرواية الإسرائيلية، واستذكروا ما حدث من إخفاق استخباري حال دون توقع عملية طوفان الأقصى، وإمطار المقاومة المدن الإسرائيلية بآلاف الصواريخ.

 

ومع إصراره على روايته، فقد أعلن الجيش الإسرائيلي عن بدء تحقيق بشأن قصف المستشفى المعمداني في مدينة غزة أمس الثلاثاء، كما اتهم حركة الجهاد الإسلامي بالوقوف وراء القصف.

في المقابل، قالت حركة الجهاد الإسلامي إن توجيه الاتهام لها لن يعفي العدو من مسؤوليته عن المجزرة، وإن الاتهامات التي يروج لها العدو باطلة، والمقاومة لا تستخدم المنشآت العامة والمستشفيات مراكز عسكرية، حسب ما يدعي الإسرائيليون.

المصدر : الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي