واشنطن تطالب بوقف "القوة المميتة".. السلطات السودانية تغلق الجسور وتقطع الإنترنت وتنشر قواتها قبل "مليونية الشهداء"

الاحتجاجات المستمرة بالسودان تطالب بحكم مدني ومحاسبة قتلة متظاهرين (رويترز)
الاحتجاجات المستمرة في السودان تطالب بحكم مدني وبمحاسبة قتلة المتظاهرين (رويترز)

أغلقت السلطات السودانية -صباح اليوم الأحد- الجسور التي تربط الخرطوم بضواحيها، ونشرت العديد من قوات الأمن على عربات مزودة بأسلحة، قبل مظاهرات "مليونية الشهداء" للمطالبة بحكم مدني وإدانة "العنف الدموي" ضد المحتجين.

كما أكد شهود عيان انقطاع خدمة إنترنت الهواتف الجوالة في العاصمة السودانية، اليوم الأحد.

وأفادت مجموعة "نت بلوكس" التي تتعقب أعطال شبكات الإنترنت -في حسابها على تويتر- أنه "تم تأكيد تعطل الإنترنت عبر الهاتف المحمول في السودان منذ حوالي الساعة 10:00 صباحا بالتوقيت المحلي، قبيل احتجاجات مناهضة للانقلاب في الخرطوم".

مقاومة مستمرة

وبادرت السلطات لإغلاق الجسور التي تربط بين وسط الخرطوم وأحياء أم درمان وبحري، كما أن قوات من الجيش والشرطة انتشرت في كل الشوارع الرئيسية، بعضها على عربات عليها أسلحة رشاشة.

ودعا تجمّع المهنيين السودانيين -الكيان المهني الذي لعب دورا محوريا في الانتفاضة التي أسقطت الرئيس عمر البشير في أبريل/نيسان 2019- في بيان السبت إلى جعل 2022 "عاما للمقاومة المستمرة".

وقال التجمع إنه يدعو "جماهير الشعب السوداني وجموع المهنيين السودانيين والعاملين بأجر في كل مدن وقرى السودان"، إلى "الخروج والمشاركة الفعالة في المواكب (المظاهرات) المليونية يوم 2 يناير/كانون الثاني 2022".

وكان قائد الجيش عبد الفتاح البرهان عزل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وأعضاء حكومته واعتقلهم في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لكنه أعاده إلى منصبه من دون حكومته إثر ضغوط دولية ومحلية في 21 نوفمبر/تشرين الثاني.

ووقّع الرجلان لاحقا اتفاقا لإعادة الانتقال الديمقراطي إلى مساره وطمأنة المجتمع الدولي الذي خفّف من مساعداته بعد "الانقلاب"، ولم يكن الاتفاق مرضيا لجميع الأطراف في السودان، لذلك تواصلت الاحتجاجات في الشوارع.

قتلى

وشهدت العاصمة -الخميس الماضي- تصاعدا في وتيرة الاحتجاجات من جهة وعنف قوات الأمن للرد من جهة أخرى، مما أسفر عنه سقوط 5 قتلى من المتظاهرين، بحسب لجنة أطباء السودان المركزية المناهضة للانقلاب.

وأكدت اللجنة -في بيان السبت- ارتفاع عدد ضحايا الاحتجاجات "منذ انقلاب الـ25 من أكتوبر/تشرين الأول 2021 إلى 53، بينهم 11 شهيدا هم ضحايا الاتفاق" السياسي.

واتّهمت اللجنة قوات الأمن بقطع الطريق على سيارات الإسعاف وإخراج جريح واحد بالقوة من إحداها، بينما تُظهر العديد من مقاطع الفيديو التي نُشرت الجمعة رجالا بالزي العسكري يضربون متظاهرين بالعصي.

ويرى المتظاهرون أنه لم تعد للمبادرات السياسية أي فاعلية، وأن على الجيش "العودة إلى الثكنات"، مثلما وعد في 2019 حين أطاح بالبشير.

الموقف الأميركي

وطالبت وزارة الخارجية الأميركية -اليوم الأحد- قوات الأمن السودانية بـ"وقف استخدام القوة المميتة على الفور ضد المحتجين، والتحرك لمحاسبة المسؤولين عن انتهاكات ضد حقوق الإنسان".

وهنأ وزير الخارجية أنتوني بلينكن -في بيان نشر على الموقع الإلكتروني للوزارة- الشعب السوداني بمناسبة الذكرى السنوية الـ66 لاستقلال بلاده.

وقال إن الولايات المتحدة كانت تأمل في أن يتيح العام 2021 فرصة للشراكة مع سودان ديمقراطي، بيد أن استيلاء الجيش على السلطة في أكتوبر/تشرين الأول والعنف ضد المحتجين السلميين، ألقيا بظلال من الشك على هذا المستقبل.

وأضاف "لا نريد العودة إلى الماضي، ونحن مستعدون للرد على أولئك الذين يريدون عرقلة تطلعات الشعب السوداني لحكومة ديمقراطية بقيادة مدنية، والذين يقفون في طريق المساءلة والعدالة والسلام".

وطالب البيان قوات الأمن السودانية "بوقف فوري لاستخدام القوة المميتة ضد المحتجين، والتحرك لمحاسبة المسؤولين عن انتهاكات ضد حقوق الإنسان".

كما طالب قادة السودان بإحراز تقدم سريع في تشكيل حكومة ذات مصداقية، وإنشاء مجلس تشريعي، وتشكيل هيئات قضائية وانتخابية، ونقل قيادة المجلس السيادي.

بلينكن طالب بوقف فوري لاستخدام القوة المميتة ضد المحتجين والتحرك لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات (الأوروبية)

موقف السلطات

من جهته، قال العميد الطاهر أبو هاجة مستشار البرهان لوكالة الأنباء الرسمية -يوم الجمعة- إن "استمرار المظاهرات بطريقتها الحالية ما هو إلا استنزاف مادي ونفسي وذهني للبلاد، وإهدار للطاقات والوقت".

وأضاف أن "المظاهرات لن توصل البلاد إلى حل سياسي".

وأمس، ناقش اجتماع طارئ لمجلس السيادة واجتماع آخر لمجلس الدفاع الوطني، الأزمة السياسية الراهنة في البلاد.

وأكد مصدر من "قوى الحرية والتغيير- مجموعة الميثاق الوطني" أن حمدوك أمهل القوى السياسية حتى اليوم الأحد للتوصل لاتفاق لحل الأزمة.

وقالت عضوة مجلس السيادة في السودان سلمى عبد الجبار إن المجلس شدد في اجتماعه أمس على معالجة الأزمة الراهنة بالحوار.

في غضون ذلك، قال عضو مجلس السيادة عبد الباقي عبد القادر الزبير -للجزيرة- إنه سلم استقالته مساء أمس لرئيس المجلس، الذي لم يبتَّ في الأمر بعد.

مصدر من أسرة الزبير قال إنه امتنع عن حضور اجتماع المجلس السيادي أمس، مشيرا إلى أن أسباب الاستقالة تعود لاستخدام العنف بحق المتظاهرين.

بحث حلول

وفي سياق مقترحات الحلول، قدّم تجمع المهنيين السودانيين مقترحا أطلق عليه اسمَ "الميثاق السياسي لاستكمال ثورة ديسمبر".

المقترح الذي حصلت الجزيرة على نسخة منه، ينص على ضرورة إسقاط المجلس العسكري، وتشكيل سلطة انتقالية مدنية لـ4 سنوات.

كما ينص على تشكيل مجلس سيادة مدني شرفي، ومجلس وزراء لا يتجاوز عدد أعضائه 20 شخصا من الكفاءات الثورية، ومجلس تشريعي مدني.

ودعا مقترح تجمع المهنيين أيضا إلى بناء وهيكلة القوات النظامية وتفكيك كل المليشيات، خصوصا قوات الدعم السريع، وأن يكون رئيس الوزراء هو القائد العام للقوات المسلحة.

ومنذ 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، يشهد السودان احتجاجات ردا على إجراءات استثنائية اتخذها رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، أبرزها فرض حالة الطوارئ، وحل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين، واعتقال مسؤولين وسياسيين.​​​​​​​

ورغم توقيع البرهان وحمدوك اتفاقا سياسيا في 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تضمن عودة الأخير لمنصبه وتشكيل حكومة كفاءات وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، فإن قوى سياسية اعتبرت الاتفاق "محاولة لشرعنة الانقلاب"، وتعهدت بمواصلة الاحتجاجات حتى تحقيق "الحكم المدني الكامل" خلال الفترة الانتقالية.

المصدر : الجزيرة + وكالات