32 عاما بعد الحرب الأهلية في لبنان.. ذكرياتها المؤلمة ما تزال ماثلة في أذهان الكثيرين

A Palestinain woman pleads with Christian militia in Beirut while a man tries to take children to safety during the Lebanese civil war, 19th January 1976. (Photo by Francoise De Mulder/Roger Viollet/Getty Images)
الحرب الأهلية بلبنان استمرت من عام 1975 إلى عام 1990 (غيتي)

رغم مرور 32 عاما على انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، فلا تزال تفاصيل الحياة الرتيبة التي عاشها كثير من اللبنانيين آنذاك عالقة في أذهانهم، وما برحت تلك الذكريات المؤلمة والمروعة تقض مضاجعهم، حسب تقرير بصحيفة نيويورك تايمز (The New York Times).

وروت مراسلة الصحيفة لشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا ماريا آبي حبيب في تقريرها جانبا من التجارب التي مرت بها هي وبعض معارفها إبان تلك الحرب، وكيف أنهم كانوا يقضون أوقاتهم في ممارسة ألعاب الورق ومونوبولي وسكرابل، وكيف تحولت دورات المياه الخالية من النوافذ إلى ملاجئ للعائلات لتحميهم من الرصاص وقذائف المدافع.

وقالت إن كثيرين شبوا وترعرعوا خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وأصبحوا الآن كبارا يحاولون العيش في حياة طبيعية وتربية أبنائهم، في وقت ينهار فيه وطنهم ويحترق مجددا.

وتنقل آبي حبيب عن صديقتها نادين رشيد (40 عاما) -التي تعمل مطورة منتجات وتعيش في نيويورك- القول إنه لا يطيب لها العيش في أجواء رومانسية؛ "فالشموع تضايقني، فقد قضينا أوقاتا طويلة نذاكر دروسنا تحت ضوء الشموع بعد عودتنا من المدرسة".

وحين كانت نادين في العقد الرابع من عمرها، تزوجت من رجل أميركي يقيم في لبنان حيث ذهبا معا للتخييم في الأردن، وبعدما خرجا في نزهة طويلة هناك أعد لها زوجها عشاء على ضوء الشموع في البرية لكنها "ارتعبت".

وبعد أن هدأ روعها، شرحت لزوجها كيف أن الحرب الأهلية أجبرتها على اللجوء إلى الاختراعات القديمة مثل الشموع في ظل تدهور الأوضاع في بلدها حيث أصبحت الكهرباء أكثر ندرة.

صدمة نفسية جماعية

وتشخص الطبيبة النفسية غيداء حسيني -التي كانت تعالج ماريا آبي حبيب في لبنان- أن ما حدث للبنانيين أثناء تلك الحرب "صدمة نفسية جماعية ومعقدة"، مضيفة أنها لا تتحدث عن شيء واحد، بل عن عدة أحداث عاشها الناس خلال تلك الفترة.

"إنها الحرب، وهي الضغوط الناجمة عن فقدان سبل كسب الرزق وعدم الشعور بالأمان"، وفقا لغيداء حسيني.

وتمضي مراسلة نيويورك تايمز في تقريرها فتقول إنها ظلت هي وصديقتها نادين تنتظران طيلة حياتهما أن يعود لبيروت سحرها القديم الذي عايشه جيل آبائهما. ولا تزال بيروت تتمتع بجاذبية في عدة جوانب، وهي على وشك أن تصبح "برلين أخرى"، كما يطيب لمحبيها أن يطلقوا عليها؛ ولعل هذا ما يجعل من العسير بمكان تركها لحال سبيلها.

تغيير الأدوار

واستمرت الحرب الأهلية في لبنان 15 سنة، قبل أن تضع أوزارها عام 1990. ورضي الشعب بعفو عام مقابل سلام هش بعد أن سئموا الانتظار. وتقول آبي حبيب في تقريرها إنهم شاهدوا قادة المليشيات المسلحة وهم يستبدلون ملابسهم العسكرية "الملطخة بالدماء" ببدلات فاخرة ليبدؤوا إدارة شؤون البلاد.

"والآن نجد أنفسنا ننتظر مرة أخرى، في حين ظل أولئك المجرمون الذين تحولوا إلى سياسيين لا يجيدون إدارة البلاد -حيث تسببت أزمة المصارف المستمرة في فقدان العملة (الليرة) أكثر من 90% من قيمتها- كما تملصوا من مسؤولية الانفجار الذي حدث في مرفأ بيروت صيف عام 2020".

ودفعت الأزمة في لبنان العائلات مرة أخرى إلى تخزين الشموع والألعاب اللوحية، وأصبحت الآن ذكريات الحرب السابقة من السمات الأساسية للتدهور الحالي الذي تعيشه البلاد، حسب وصف تقرير الصحيفة الأميركية.

وتصف كاتبة التقرير نفسها بأنها محظوظة لأنها لم تنشأ وتكبر -لفترة طويلة على الأقل- في لبنان، ذلك لأن والدها كان يعمل بالخارج. وتنسب إلى رجل فلسطيني سُني مسلم يدعى عابد بيبي (58 عاما) ومتزوج من إحدى صديقاتها قوله إنه لا يطيق العيش في الظلام.

وطبقا لبيبي، الذي نشأ وترعرع في حي الصنايع ببيروت، قرب الخط الأخضر الفاصل بين الشرق المسيحي والغرب المسلم من المدينة، فإن غروب الشمس ما يزال مصدرا لمعاناته النفسية حتى بعد عقود من انتهاء الحرب، لأن ذلك يعني لديه قرب حلول الظلام الذي يعني بدوره استئناف القصف المتبادل بين الفرقاء.

لكن عابد بيبي -الذي يعيش الآن في مدينة دبي بالإمارات- يقسم بألا يعود مجددا إلى لبنان. وكشأن كثيرين، فهو ينتابه غضب عارم إذ يعتقد أن طفولته سُلبت منه.

المصدر : نيويورك تايمز