لوفيغارو: بعد 20 عاما.. وصمة عار غوانتانامو معضلة تراوح مكانها

قال مسؤول كبير في إدارة الرئيس الحالي جو بايدن إن مجلس الأمن القومي يعمل مع البنتاغون ووزارة الخارجية ووزارة العدل لتقليص عدد نزلاء غوانتانامو، مع مراعاة القيود التي وضعها الكونغرس.

Demonstrators rally 17 years after Guantanamo opened
احتجاجات تطالب بإغلاق غوانتانامو (رويترز)

قبل 20 عاما في 11 يناير/كانون الثاني 2002، أنشأت السلطات الأميركية سجنا بقاعدة أميركية منسية على الساحل الجنوبي لكوبا لتحرير نفسها من قانون الحرب الذي زعمت أنه لا ينطبق على "الإرهابيين"، وسرعان ما أصبح هذا السجن المسمى غوانتانامو شهيرا ورمزا للانحراف القانوني والأخلاقي للسلطات الأميركية التي جذبها "الجهاد الدولي" إلى معركة كان النصر فيها رمزيا للغاية والهزيمة كذلك.

تقول صحيفة "لوفيغارو" (Le Figaro) الفرنسية في تقرير لها إن الأمر بدأ بهبوط طائرة تابعة للقوات الجوية الأميركية في غوانتانامو وعلى متنها حوالي 20 سجينا يرتدون ملابس برتقالية زاهية، وهم مقيدو الأيدي ومعصوبو الأعين، بعد أسرهم في الأشهر الأولى من "الحرب على الإرهاب" التي أعلنتها إدارة بوش بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول.

وقد تم حبسهم في زنازين بدائية، على شكل أقفاص في الهواء الطلق مغطاة بالأسلاك الشائكة، ثم تتابعت الطائرات وزاد عدد السجناء إلى عدة مئات، ليتحول مركز الاعتقال هذا مع السنوات إلى معضلة قانونية لا يعرف لها حل.

وفي تقريره للصحيفة، يقول أدريان جولمز مراسلها في واشنطن إن اسم هذا الجيب الأميركي على الأراضي الكوبية الذي تزعم واشنطن أن اتفاقيات جنيف لا تنطبق عليه، أصبح من الناحية السياسية وصمة عار لا تمحى على سمعة أميركا الدولية.

بل إن هذا السجن الذي كان يضم أكثر من 600 سجين عام 2003، انضم إليه سجن أبو غريب قرب بغداد، وسجن باغرام في أفغانستان، حيث مارست وكالة المخابرات المركزية "سي آي إيه" (CIA) التعذيب مسمية إياه "تقنيات استجواب متقدمة"، أو تعاقدت عليه مع دول حليفة، ليتحول غوانتانامو ومماثلوه إلى فضيحة دولية.

خلل سياسي

وبامتناع الولايات المتحدة عن تطبيق اتفاقيات جنيف على السجناء ورفضها أحد المبادئ الأساسية لسيادة القانون بمثولهم أمام قضائها، فقدت الدعم المعنوي الذي اكتسبته من السخط الذي أثارته هجمات 11 سبتمبر/أيلول، ومكنت خصومها من أداة دعاية، تثبت نفاقها وكيلها بمكيالين.

أما الإشكال الأكبر فهو أن الفراغ القانوني في غوانتانامو انتهى بجعل إغلاقها القانوني شبه مستحيل، حيث لم توجه أي تهم إلى 773 سجينا ممن ولجوا المعسكر، وبعد 20 عاما، لا يزال في هذا المعتقل 39 سجينا، لم تستطع الولايات المتحدة تقديمهم للمحاكمة ولا نقلهم للخارج ولا إطلاق سراحهم.

ويقول جوزيف مارغوليس المحامي وأستاذ القانون بجامعة كورنيل الذي مثل المعتقلين في المعسكر إن "غوانتانامو يبقى مفتوحا بسبب خلل سياسي، لأن الولايات المتحدة اليوم منقسمة سياسيا لدرجة أن كل قضية تتخذ بعدا رمزيا وحزبيا، وذلك يجعلها بلا حل".

وأوضح مارغوليس أن "إجماعا حصل بسرعة على أن غوانتانامو كانت خطأ، وأن بوش الابن حاول بالفعل إغلاقه، ولكن الكونغرس الجمهوري أضاف بندا في الميزانية بعد انتخاب الرئيس باراك أوباما جعل وعده بإغلاق المعسكر مستحيلا.

ومن الأصوات التي ارتفعت للمطالبة بإغلاق غوانتانامو صوت مايكل لينيرت، الجنرال في مشاة البحرية الذي كان مسؤولا عن إنشائه؛ حيث قال للجنة الشؤون القضائية في مجلس الشيوخ المسؤولة عن تجديد ميزانيته التشغيلية الهائلة (حوالي 250 مليون دولار سنويا)، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، إنه "من الصعب المبالغة في تقدير مدى الضرر الذي ألحقه وجود غوانتانامو بدستورنا، (…) حان الوقت لإغلاق غوانتانامو وإعادة تأكيد هويتنا كأمة".

وأضاف الجنرال "لقد نسى معظم الأميركيين غوانتانامو، لكن أعداءنا لم ينسوه. والإشكال ليس هل يجب إغلاق معتقل غوانتانامو، ولكن كيف؟ فكل معتقل لم يتم اتهامه يكلف دافع الضرائب الأميركي 13 مليون دولار سنويا. يجب نقلهم دون تأخير، خاصة أن الغالبية العظمى من 780 رجلا أُرسلوا إلى غوانتانامو ما كان ينبغي أن يكونوا هناك أصلا".

وأوضح الجنرال أن أكثر من ثلثي المعتقلين الباقين أي 27 منهم، لم توجه إليهم تهم بجريمة محددة، وبالتالي يجب نقلهم، إما إلى بلدانهم الأصلية أو إلى بلد مضيف موافق عليهم، ثم محاكمة الباقين، وأضاف "لدي القليل من التعاطف مع هؤلاء الرجال والكثير من التعاطف مع ضحاياهم، لكن ما لدينا الآن ليس عدالة، لا للمعتقلين ولا لأهالي ضحايا 11 سبتمبر واعتداءات إرهابية أخرى".

وها نحن بعد 20 عاما من هجمات 11 سبتمبر/أيلول -كما يقول المراسل- ومحاكمة المعتقلين الخمسة المتهمين بالمشاركة في التخطيط للهجمات وتنفيذها لم تبدأ بعد، رغم تشكيل محكمة مختلطة، بين المحاكم العسكرية والمدنية، لكن عملها يسير ببطء شديد، وقد ساهمت جائحة كوفيد-19 في زيادة تباطؤ الإجراءات، حيث جرت آخر جلسة استماع أولية للمتهمين في سبتمبر/أيلول 2021. ومن بين المتهمين خالد شيخ محمد الذي يعتبر العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وقال جوزيف مارغوليس إنه يشك في أن تكون هناك محاكمة على الإطلاق، لأنه "كان من الممكن أن تتم المحاكمة قبل 17 عاما، لكن غوانتانامو لم يُنشأ قط لمحاكمة السجناء، والهدف الرئيسي منه هو احتجازهم إلى أجل غير مسمى والتأكد من أنهم لن يشكلوا أي تهديد مرة أخرى".

إغلاق مستحيل

ومع أن إغلاق السجن بدأ، فإنه تباطأ بسبب طريقة الحصول على الأدلة وإجراءات الحكومة الأميركية، بما في ذلك معاملة المتهمين أثناء احتجازهم في سجون سرية تابعة لوكالة المخابرات المركزية.

يقول مارك دينبو أستاذ القانون والمحامي عن اثنين من المحتجزين في المعسكر -هما السعودي أبو زبيدة والماليزي محمد فريق أمين- إن "السبب الحقيقي وراء صعوبة إغلاق غوانتانامو هو التعذيب، الذي يجعل محاكمة المعتقلين مستحيلة".

ويوضح المحامي قائلا "لن يتم توجيه الاتهام إلى أبو زبيدة أبدا رغم أن السي آي إيه نفسها اعترفت بأنه لم يكن من القاعدة، وهو لا يزال محتجزا لأنه تعرض للتعذيب، وتنوي الوكالة إبقاءه رهن الاعتقال مدى الحياة. لقد تم إنشاء غوانتانامو في فجوة قانونية ليكون مسرحا يمكن فيه ممارسة التعذيب، وهذا الفراغ القانوني نفسه هو الذي يجعل إغلاقه مستحيلا".

وأشار المراسل إلى أن بعض المسؤولين الجمهوريين المنتخبين يتمسكون بفكرة ألا يتم توجيه تهم أبدا إلى بعض المعتقلين، وقد برر السيناتور عن ولاية كارولينا الجنوبية ليندسي غراهام ذلك في ديسمبر/كانون الأول الماضي أمام لجنة مجلس الشيوخ قائلا "نحن لا نحارب جريمة، نحن في حرب. لا أريد تعذيب أي شخص، لكني أريد احتجازهم للمدة التي يتطلبها الأمر للحفاظ على سلامتنا أو حتى نتأكد أنهم لم يعودوا يشكلون تهديدا".

ولكن الجنرال لينيرت يخالفه الرأي حيث يقول "في رأيي أن الضرر الناجم عن الاستمرار في تجاهل سيادة القانون من خلال إعطاء أعدائنا أداة للدعاية والتجنيد يفوق بكثير خطر أن بعض هؤلاء السجناء المسنين والمرضى يمكن أن يعودوا إلى أنشطتهم في الإرهاب".

وختمت الصحيفة بقول مسؤول كبير في إدارة الرئيس الحالي جو بايدن -اشترط عدم الكشف عن هويته- إن مجلس الأمن القومي يعمل "بنشاط" مع البنتاغون ووزارة الخارجية ووزارة العدل لتقليص عدد سكان غوانتانامو، مع مراعاة القيود التي وضعها الكونغرس، وتشمل منع عودة السجناء إلى دول معينة مثل اليمن والصومال، أو نقلهم إلى الولايات المتحدة ولو لإعادة الحبس، غير أن الجنرال لينيرت يقول إنه لن يصدق ذلك حتى يرى ما يدل عليه فعلا.

المصدر : لوفيغارو