عنوانها الإطاحة بالقاضي البيطار.. التحقيق بانفجار مرفأ بيروت يصطدم بألغام لبنان السياسية والطائفية

التحقيق في انفجار مرفأ بيروت يصطدم برفض وزراء ومسؤولين سابقين المثول أمام القاضي البيطار وسط محاولات لعزله (الأوروبية)

بيروت- تستعر المواجهة بين المسؤولين السياسيين المدعى عليهم في انفجار مرفأ بيروت والمحقق العدلي القاضي طارق البيطار، بعد أن سلكت القضية مسارا قضائيا معقدا، ويخشى كثيرون أن تمهد لطمس العدالة وتبديد الحقيقة.

وبرزت تطورات قد ترسم لاحقا مصير الملف، سواء باستمرار البيطار في مهمته أو تنحيته كحال سلفه القاضي فادي صوان.

وصُنف انفجار المرفأ في الرابع من أغسطس/آب 2020 بوصفه من أقوى انفجارات العالم غير النووية، إذ قتل أكثر من 200 شخص، وأصاب أكثر من 6500، إثر اشتعال أطنان من نترات الأمونيوم شديدة الاشتعال، التي كانت جزءا من حمولة تقدر بـ2750 طنا، خزنت بالعنبر رقم 12، وكانت مُصادَرة من سفينة رست بالمرفأ منذ 2014، من دون توضيح السلطات مصير الحمولة المتبقية.

تطورات ووقائع

وبعد أشهر من رفض البرلمان رفع الحصانة عن 3 نواب مدعى عليهم تولوا سابقا حقائب وزارية مرتبطة بالمرفأ، وهم نهاد المشنوق وعلي حسن خليل وغازي زعيتر؛ حدد البيطار موعدا لاستجوابهم قبل 19 أكتوبر/تشرين الأول المقبل؛ تاريخ انطلاق العقد الثاني لمجلس النواب، للاستفادة من غياب حصاناتهم الوظيفية.

لكن المشنوق (وزير داخلية سابق) أعلن الجمعة الماضي من دار الفتوى تقدمه لمحكمة الاستئناف بـ"طلب ردّ القاضي" عن الملف، كذلك فعل حسن خليل وزعيتر، أي يطلبون توقف البيطار عن التحقيق. وقبلهم، قدم وزير الأشغال السابق يوسف فنيانوس دعوى "بارتياب مشروع" من القاضي.

وسطر البيطار مذكرة إحضار بحق رئيس الحكومة السابق حسان دياب، لامتناعه عن حضور جلسة استجواب، وحدد موعدا لاستجوابه بـ4 من أكتوبر/تشرين الأول المقبل، لكن دياب سافر للولايات المتحدة بعد تشكيل الحكومة، كما رفض وزير الداخلية السابق محمد فهمي منحه إذنا لاستجواب مدير الأمن العام اللواء عباس إبراهيم.

وترى جمعيات حقوقية أن المدعى عليهم يضغطون على البيطار، وهم لا يتسلحون بحصانات وظيفية فحسب، بل يحتمون بقوى سياسية وطائفية تتحكم في مفاصل الدولة.

وأبلغ وزير الداخلية بسام مولوي (قاض سابق) الأمانة العامة بالبرلمان والحكومة قراره عدم تبليغ دياب والمشنوق وفنيانوس وخليل وزعيتر بالاستدعاءات عبر قوى الأمن لاعتبار أنها تتم من القضاء مباشرة، مستندا إلى المادة 210 من قانون تنظيم قوى الأمن الداخلي.

ودفعت الوقائع بعض القضاة للاجتماع دعما للبيطار، رافضين ما وصفوه "بالهجمات الإعلامية والسياسية وتوجيه التهديدات".
وكان النائب العام التمييزي غسان عويدات طلب من البيطار توضيحا خطيا بعد تداول الإعلام معطيات غير مؤكدة حول تلقيه تهديدا شفهيا من أحد مسؤولي حزب الله اللبناني. وسبق لأمين عام الحزب حسن نصر الله أن اتهم البيطار بتوظيف القضية سياسيا.

Lebanon's Prime Minister Hassan Diab leaves after speaking during a televised address to the the nation, at the governmental palace in Beirutالقاضي أصدر مذكرات استدعاء لرئيس الحكومة السابق حسان دياب و4 وزراء وجميعهم رفضوا واتهموه بتسييس التحقيق (رويترز)

مخاطر تحيط بالبيطار

ويشير مرجع قضائي للجزيرة نت إلى أن اجتماع بعض القضاة خارج سقف مجلس القضاء العدلي جاء بعد التماس مخاطر فعلية تحيط بالبيطار نظرا للضغوط عليه.

ويستغرب المرجع مطالبة القاضي بتقديم مبررات لادعائه على شخصيات سياسية وأمنية دون سواها، في حين أنه صاحب القرار "مما يشكل خرقا فاضحا لسرية ملفه".

وعلى مدار عام، تم توقيف واستجواب عشرات الأمنيين والمسؤولين الإداريين بالمرفأ، وهو ما يثير الأسئلة عن إمكانية نجاح المدعى عليهم في تطويق قاضي التحقيق.

ويرى المحامي نعوم فرح وكيل الوزير السابق نهاد المشنوق أن ما قام به المدعى عليهم قانوني.

وفي رأي فرح، فإن مشكلة المجلس العدلي أنه محكمة استثنائية لا تضمن تمييزا أو استئنافا أو طعنا؛ و"حين تكون ادعاءات القاضي مجحفة، يصبح طلب الرد والارتياب المشروع الوسيلة الوحيدة المتاحة، لأن المشرع أجازها".

وقال المحامي للجزيرة نت إنه ارتكز بطلب رده على 4 أسباب:

  • أولا- عدم الالتزام بالنصوص الدستورية التي تحصر ملاحقة الوزراء السابقين بصلاحيات المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وتجاهل المجلس بحجة التئامه منذ تأسيسه.
  • ثانيا- ناقض البيطار نفسه بوضعين قانونيين بين القضاة والوزراء، ملتزما بالدستور بإحالة قضاة مدعى عليهم أمام الهيئات القضائية المعنية، في إشارة إلى أنه لم يفعل الشيء نفسه مع الوزراء.
  • ثالثا- اخترق البيطار موجب التحفظ بتسريب معطيات صحفية منسوبة له أو لأوساطه، أي أنه أفشى سرية التحقيقات.
  • رابعا- انتقائية التعاطي مع المدعى عليهم، إذ كان المشنوق -مثلا- الشخصية الوحيدة التي لم يستمع إليها القاضي لتدوين إفادته.

وقال فرح إن ذلك ملف خطير يستوجب تصحيح مسار عمل المحقق، وعدم تجاهل المبادئ الدستورية.

اجتزاء التحقيقات

وتشرح الناشطة الحقوقية والخبيرة في القانون الجنائي ديالا شحادة آلية عمل القاضي، مبدية بعض الملاحظات على بنية التحقيق.

وحسب نظام المجلس العدلي، فإنه يستطيع قاضي التحقيق أن يطلب أشخاصا بوصفهم مدعى عليهم حتى بلا ادعاء النيابة العامة، و"النص القانوني غير واضح لكيفية التحقيق مع أشخاص يملكون حصانات وظيفية"، كما تقول.

وانتقدت ديالا شحادة في حديث للجزيرة نت قرار وزير الداخلية عدم تبليغ المدعى عليهم بالاستدعاءات عبر قوى الأمن، معتبرة أنه تجاهل قصدا لعرقلة البيطار طبيعة عمل الضابطة العدلية التي تستعين بالقوى الأمنية تسييرا لمهامها.

وتوضح أن البيطار يخوض معركتين؛ على الجبهة السياسية وداخل الجسم القضائي، وتحديدا من قبل النيابة العامة التمييزية، "التي تتنصل منه، كحجب الأذونات ببعض الملاحقات".

لكن ديالا شحادة ترى أن البيطار لم يلامس جوانب التحقيق الأهم والأصعب بناء على أسئلة أساسية، مثل: "لماذا جاءت المتفجرات إلى لبنان؟ ومن أوصلها؟ وكيف انفرجت؟ وهل الانفجار مفتعل بأياد خارجية؟"

وتجد الخبيرة في القانون الجنائي أن البيطار اختار الجانب الأسهل، وأن ادعاءاته تسعى لكشف المسؤوليات الإدارية بعدم حماية الشعب من المتفجرات.

وتضيف أنه "رغم سهولته، فإن البيطار يواجه ألغاما سياسية، لأن قوى السلطة لن تسمح باتهام أفرادها بجرائم القصد الاحتمالي للقتل، وتستوجب سجن من يثبت تورطه بالقرار الاتهامي".

وترى ديالا شحادة أن طلبات المدعى عليهم تجسد هروبا من العدالة، وأن "الارتياب المشروع" يعني موقفا شخصيا من القاضي وتشكيكا في حياديته واستقلاليته، مما يستوجب إثبات ذلك.

وقالت إن ادعاء البيطار على شخصيات دون سواها مبني على معلومات حول معرفتهم بخطورة وجود النترات بالمرفأ.

مصير البيطار

في منتصف سبتمبر/أيلول الحالي، دعت 145 جهة حقوقية لبنانية ودولية مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة لإنشاء بعثة تحقيق دولية مستقلة، خوفا من الضغوط على التحقيق المحلي.

وترجح شحادة أن التحقيق الدولي ليس من مصلحة أحد داخليا وخارجيا، بسبب غياب نظرية علمية رسمية عن التفجير، والاستبعاد المريب لاحتمال تورط إسرائيل، وعدم الإجابة عن سؤال: من المستفيد من انفجار المرفأ؟ ولا تستبعد أن يكون مصير البيطار العزل أيضا، وتكرار سيناريو تعيين بديل عنه.

وحسب رأي المحامية، فإنه لا يوجد أمل في تحقيق محلي لأن القضاء ممسوك من قوى سياسية تعين تشكيلات القضاة ورؤوس المحكمات.
وأردفت أنه "ما دام البيطار غير مدعوم من داخل الجسم القضائي سيبقى وضعه حرجا".

عائلات الضحايا أعلنت عن تحركات متواصلة وحذرت من عزل القاضي البيطار (الأناضول)

تصعيد الأهالي

ويرفض أهالي الضحايا التدخلات السياسية في عمل القاضي، إذ أعلنوا دعما مطلقا له في اعتصاماتهم المتواصلة.

ويشير وليم نون (شقيق شهيد فوج الإطفاء جو نون) إلى أن الأهالي كطرف الادعاء لديهم حق التواصل مع القاضي من دون التأثير على عمله.

ويحذر باسم الأهالي من عزل البيطار، وقال "ابتداء من الثلاثاء سنستأنف تحركات مفتوحة أمام العدلية، للمطالبة بالإسراع في التحقيقات".

وقال للجزيرة نت إن الأهالي يوفرون حاضنة شعبية للقاضي، و"يمكن أن تثبت براءة المدعى عليهم، ولكن ليس قبل صدور القرار الظني، وحينها سننتقل بمعركتنا لمجلس القضاء الأعلى، ولن نتراجع عن حق شهدائنا بالعدالة مهما احتدمت المواجهة مع السلطة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة