أوريان 21: معركة بنزرت.. بورقيبة حوّل الهزيمة المأساوية إلى انتصار دبلوماسي كبير

بورقيبة (يسار) وديغول في اجتماعهما الذي ناقشا فيه قضية قاعدة بنزرت (الفرنسية)
بورقيبة (يسار) وديغول في اجتماعهما الذي ناقشا فيه قضية قاعدة بنزرت (الفرنسية)

في 17 يونيو/حزيران 1958، وفي سياق إقليمي متوتر، أخلت فرنسا جميع قواعدها العسكرية بتونس، عدا قاعدتها في بنزرت، ولكن الرئيس التونسي وقتها الحبيب بورقيبة أصر على استعادة هذا الجيب لأنه يرمز إلى الطابع غير المكتمل للاستقلال، وأيضا لسحب البساط من تحت أقدام خصومه الذين يواصلون معاملته على أنه "خادم الإمبريالية" بسبب موالاته للغرب.

وإحياء للذكرى الـ60 لبدء معركة بنزرت التي تصادف يوم 19 يوليو/تموز؛ ينشر موقع "أوريان 21" (Orient XXI) الفرنسي مقالا للمؤرخة الفرنسية من أصل تونسي صوفي بسيس، تلقي فيه الضوء على أبعاد هذه المعركة وسياقها التاريخي، إقليميا ودوليا.

ترى بسيس أن معركة بنزرت كانت أخطر أزمة أثرت على العلاقات التونسية الفرنسية بعد استقلال تونس عام 1956، وتعتبرها مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسياق الإقليمي في ذلك الوقت، خاصة حرب التحرير الجزائرية التي كانت توتر العلاقات بين باريس ومحميتها السابقة، بعد اختطاف الجيش الفرنسي طائرة تقل قادة جبهة التحرير الوطني الجزائري من المغرب إلى تونس، إضافة إلى سلسلة من الاستفزازات قامت بها السلطات الفرنسية.

كانت تونس تمثل حديقة خلفية إستراتيجية لا تريد فرنسا أن يستقر فيها المقاتلون الجزائريون الذين وجدوا المساعدة واللجوء هناك.

وفي الثامن من فبراير/شباط 1958، استندت القوات الجوية الفرنسية إلى "حق المطاردة" خارج حدود الجزائر، وقصفت قرية ساقية سيدي يوسف الحدودية التونسية، مما أسفر عن مقتل ما يقرب من 100 مدني، فقدمت تونس شكوى إلى مجلس الأمن حظيت فيها بتأييد واشنطن التي ترى في بورقيبة حليفها المغاربي الأهم.

السياق الإقليمي والدولي

وفي هذه الأثناء، وصل الجنرال شارل ديغول إلى السلطة في باريس، وكان -كما ترى المؤرخة- يخشى أن يجد الأميركيون موطئ قدم في المنطقة المغاربية، فأخلى جميع قواعد فرنسا في تونس عدا بنزرت، إلا أن بورقيبة أصر على خروج باريس من بنزرت في وقت كانت فيه علاقاته متوترة بقادة الثورة الجزائرية ومع القاهرة أيام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

أدت هذه الظروف -وفقا بسيس- إلى معركة بنزرت التي شكلت هزيمة عسكرية لاذعة لتونس، ولكنها مثلت كذلك انتصارا دبلوماسيا لا جدال فيه لهذا البلد، ومأساة إنسانية لن تتوقف السلطات هناك عن التقليل من شأنها، وقد اتخذها بورقيبة ذريعة لإسكات أية معارضة في البلد.

وكانت علاقات بورقيبة مع مصر في تلك الأثناء في أدنى مستوياتها بعد محاولة اغتيال ضده تم الإعداد لها في القاهرة التي كان يهاجمه منها خصمه صالح بن يوسف المدعوم من قبل الرئيس المصري، ولم تكن علاقاته مع القادة الجزائريين بأفضل، إذ لم يغفروا لتونس والرباط تفاوضهما على استقلالهما الخاص عام 1956 بدلا من تشكيل جبهة مشتركة مع النضال الذي بدأ عام 1954 في الجزائر ضد المحتل.

ولقطع دابر الانتقاد العنيف المتزايد من قبل عبد الناصر -الذي أبعده عن العالم العربي وبن يوسف الذي يتهمه بالرغبة في إبادة "الإخوة الجزائريين"- أراد بورقيبة حسم قضية بنزرت، فطالب بإخلائها في يوليو/تموز 1961، في توقيت بدا له مناسبا، إذ تزامن مع قرار فرنسا تمديد مدرج القاعدة الجوية البحرية لتستوعب أنواعا جديدة من الطائرات، لكن فرنسا ردت بتهديد أصدره قائد قواتها في بنزرت بأنه سيلجأ لاستخدام القوة إذا حاولت السلطات التونسية منع المشروع.

أرسل الرئيس التونسي مبعوثين إلى الرئيس الفرنسي برسالة صريحة بهذا الشأن، لكن ديغول طردهما دون أن يَصدر بيان بهذا الشأن، وكرد فعل على رفض ديغول تلقي رسالته، قطع بورقيبة على الفور العلاقات الدبلوماسية لبلده مع باريس.

مذبحة مروعة

في حياته السياسية الطويلة، كان الزعيم القومي بورقيبة الذي أصبح رجل دولة يعرف دائما كيف يقيس ميزان القوى وحتى ذلك الحين لم يكن قد أخطأ -وفقا للكاتبة- سوى مرة واحدة؛ وذلك عندما أساء التقدير في أبريل/نيسان 1938 حول مدى تصميم فرنسا على الحفاظ على الوضع في تونس كما هو، الأمر الذي كلفه سنين من السجن، ومثلت قضية بنزرت عام 1961 خطأه الثاني، إذ كان مقتنعا أن باريس لن تقدم على الرد.

وقد أرسل في 19 يوليو/تموز آلاف المدنيين للتظاهر ضد الاحتلال، فتجمع 10 آلاف شخص في مقدمتهم النساء وحاولوا اقتحام حواجز الجيش الفرنسي، وما كان من الجنود الفرنسيين إلا أن أطلقوا النار لمنع الحشد من التقدم؛ ليتسبب ذلك في مجزرة استمرت يومين دون أن يستطيع الجيش التونسي إيقافها، قتل فيها حوالي ألفي مدني، حسب أكثر التقديرات اتزانا، مما شكل صدمة مروعة كانت لها تداعيات داخلية خطيرة، وفقا للكاتبة.

تفاجأ بورقيبة -حسب بسيس- بحجم الكارثة التي لم يتوقعها، ولكنه أراد أن يحولها إلى نصر دبلوماسي، فتقدم بشكوى إلى مجلس الأمن، وقبل الأمين العام للأمم المتحدة داغ هامرشولد دعوة تونس لزيارة بنزرت.

غير أن ازدراء ديغول للمنظمة الدولية بدا جليا في تفتيش صندوق سيارة هامرشولد عند مدخل المدينة المحاصرة، في ظروف لم ترق لواشنطن فيها السرعة التي بدأ بها بورقيبة المعركة في ظل مناخ دولي يطبعه التوتر، بعد أزمة برلين وفي ظل دخول فرنسا مفاوضات صعبة مع جبهة التحرير الوطنية الجزائرية.

ولكن نشاط الدبلوماسية التونسية ساعدها، كما ترى بسيس؛ حيث هدّأت الغضبَ الأميركي، وحصلت على تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة برئاسة التونسي المنجي سليم في ذلك العام، بأغلبية ساحقة على قرار لصالح تونس، وعلى الجانب العربي، دعم عبد الناصر خصمه القديم الذي عارض فرنسا وأعاد العلاقات الدبلوماسية مع تونس، لتعود إلى حظيرة العرب، ولكن إخلاء بنزرت لم يتم إلا في عام 1963 بعد استقلال الجزائر.

أما على الصعيد الداخلي، فكانت لمعركة بنزرت نتائج متناقضة، حسب المؤرخة؛ إذ كانت ولو جزئيا سببا لمحاولة انقلاب فاشلة في ديسمبر/كانون الأول عام 1962 أعدم على إثره 11 شخصا، وحظرت الحكومة الحزب الشيوعي وتحول الحزب الدستوري الجديد الحاكم إلى الحزب الوحيد في الدولة، وتم القضاء على كل معارضة في البلاد.

واحتفت الرواية الرسمية بحادثة بنزرت باعتبارها انتصارا على الاستعمار، ولكن كبار السن في تلك المنطقة ما يزالون يتذكرون الدماء التي أريقت عبثا، ولا يزال الشعب التونسي ينظر إلى ما حدث بوصفه مأساة، خاصة أن ديغول كان بصدد تنفيذ جدول زمني وضعه لإخلاء تونس من أي وجود عسكري أجنبي.

المصدر : أوريان 21

حول هذه القصة

تسعى تونس جاهدة للوفاء بمقتضيات المواعيد المالية المحددة لها، في خضم ركود اقتصادي هائل وأزمة صحية مدمرة بفعل “كوفيد-19″، ولكن صراع الشرعية بين الرئيس قيس سعيد والبرلمان يشل المؤسسات السياسية.

14/7/2021
المزيد من أخبار
الأكثر قراءة