ممتلكات اليهود إبان المحرقة تشعل أزمة دبلوماسية بين إسرائيل وبولندا

Poland's President Duda and his Israeli counterpart Rivlin make a statement after a ceremony marking the anniversary of the liberation of the former Nazi German concentration and extermination camp Auschwitz in Oswiecim
الرئيس البولندي أندريه دودا (يمين) ونظيره الإسرائيلي رؤوفين ريفلين (رويترز-أرشيف)

القدس المحتلة – تتصاعد الأزمة الدبلوماسية بين إسرائيل وبولندا على خلفية السجال بين تل أبيب ووارسو بشأن مشروع قانون متعلق باستعادة أملاك اليهود المتنازع عليها منذ الحرب العالمية الثانية، وتحمل هذه الأزمة في طياتها العديد من الرسائل والتوجهات من لدن الحكومة الإسرائيلية الجديدة التي تستبعد أن يفضي التوتر إلى قطع العلاقات بين الجانبين.

ويزداد التوتر الدبلوماسي بين تل أبيب ووارسو، وتبادل استدعاء السفراء وتوبيخهم، وذلك قبيل أن يقدم مشروع القانون إلى مجلس الشيوخ، وهو الغرفة الأولى للبرلمان البولندي، من أجل إقراره النهائي، وذلك في محاولة للتوصل إلى تفاهمات تضمن تعهد الحكومة البولندية بدفع تعويضات عن ممتلكات اليهود.

ويقضي المشروع في حال المصادقة النهائية عليه بمنع "استعادة أملاك يهودية" استولى عليها النازيون خلال الحرب العالمية الثانية، بحيث سيؤثر ذلك في ما يبلغ 90% من طلبات الناجين من المحرقة وأحفادهم بشأن استعادة الممتلكات، وفقا لوزارة الخارجية الإسرائيلية.

وعكست تصريحات الخارجية الإسرائيلية التي عبّر عنها الوزير الجديد يائير لبيد الموقف المبدئي لتل أبيب المتمسك بأملاك اليهود، والرافض لمصادقة مجلس النواب البولندي على مشروع القانون الذي سيقضي بتطبيق مبدأ التقادم على دعاوى إعادة الممتلكات.

انحياز وصدام

ولكن تصريحات الوزير لبيد المنحدر من أسرة هنغارية ناجية من المحرقة تعكس أيضا تحولا بالدبلوماسية الإسرائيلية التي سادت إبان حكم رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، والتي تميزت بانحياز إلى دول أوروبا الشرقية، وتعمدت الصدام مع الاتحاد الأوروبي.

وخلافا لنهج نتنياهو، تتجه الحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة نفتالي بينيت إلى تحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، إذ تعدّ الخارجية الإسرائيلية برئاسة لبيد العلاقات مع الاتحاد رصيدا إستراتيجيا وأساسيا لإسرائيل، علما أن أوروبا هي أكبر شريك تجاري واقتصادي لإسرائيل.

ويرى محللون وباحثون إسرائيليون أن الوزير لبيد، وعلى عكس نتنياهو، يرى في الاتحاد الأوروبي مصدرا لتحديد المعايير والقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي القيم التي تراجعت عنها الحكومات المتعاقبة التي ترأسها نتنياهو في تعاملها مع الدول الأوروبية الغربية وانحيازها لدول شرق أوروبا طمعا بالحصول على دعمها لسياسات تل أبيب الإقليمية وتحديدا تجاه القضية الفلسطينية، كذلك ينظر وزير الخارجية الإسرائيلي إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه مصدرا للدعم السياسي والأمني، وشريكا في تمويل البحث والابتكار الأساسي في إسرائيل.

وحسب مدير المعهد الإسرائيلي "ميتفيم" المتخصص في السياسات الخارجية لإسرائيل والشرق الأوسط، نمرود جورن، فإن الأزمة الدبلوماسية الحالية بين إسرائيل وبولندا تَقدّمها توتر سابق حينما صادق مجلس الشيوخ البولندي في فبراير/شباط 2018 على قانون يجرم من يتهم بولندا بمسؤولية عن المحرقة.

ولكن التوتر الحالي ورغم الموقف المبدئي من التعويض عن أملاك اليهود إبان المحرقة، حسب جورن، "يحمل في طياته متغيرات في السياسة الإسرائيلية الخارجية بصورة عامة، ومع أوروبا على وجه الخصوص، عبّر عنها لبيد حين استجاب لطلب واشنطن بانضمام إسرائيل إلى بيان أعدّته كندا لإدانة الصين في مجلس حقوق الإنسان، وهو ما يشكل تغييرا بالسياسة التي اتبعتها الدبلوماسية الإسرائيلية في علاقتها مع الصين".

تفاهمات وعلاقات

ويعتقد مدير ميتفيم أن وزارة الخارجية الإسرائيلية تتجه، بمعزل عن قضية تعويضات أملاك اليهود، نحو الاستثمار بالعلاقات مع أوروبا الغربية وإعادة هيكلة الدبلوماسية الإسرائيلية مع الاتحاد الأوروبي وأميركا، والابتعاد عن دول أوروبا الشرقية التي أبدت دعما لنهج نتنياهو وسياساته خصوصا بالقضية الفلسطينية والمشروع الاستيطاني وخطة ضم أجزاء من الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية، وذلك خلافا لموقف الاتحاد الأوروبي الذي عارض سياسات نتنياهو.

وعلى الرغم من التوتر وتصاعد الأزمة بين إسرائيل وبولندا، فإن نمرود جورن يستبعد أن يؤدي ذلك إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين، وذلك لما يربطهما من علاقات تجارية واقتصادية وتعاون أمني.

ويشدد الباحث الإسرائيلي على أن تل أبيب ستتجه للتوصل إلى صيغة تفاهمات مع وارسو بشأن التعويض عن أملاك اليهود المسلوبة، دون أن تساوم بشأن الرواية التاريخية المتعلقة بالمحرقة.

تشريعات وتعويضات

وفي الاتجاه نفسه، يستبعد المتحدث باسم كتلة "السلام الآن"، آدم كلير، وهو ابن أسرة يهودية من أصول بولندية ناجية من المحرقة، أن تؤدي الأزمة الدبلوماسية إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وبولندا، ولكنه بالمقابل يعتقد أن حلف تيارات اليمين -التي تحكم بعض دول أوروبا الشرقية وضمنها بولندا وهنغاريا- الذي كان يحظى بدعم وتناغم دبلوماسي من نتنياهو أوشك على الانهيار، في حين تسعى الخارجية الإسرائيلية الجديدة إلى إيجاد حالة من الموازنة بالدبلوماسية والتقارب مع الاتحاد الأوروبي.

ويضيف كلير أن الحكومات الإسرائيلية، ورغم تمسكها بالرواية التاريخية بشأن المحرقة وضرورة تعويض اليهود عن أملاكهم، تحاول بطلبات التعويضات الهائلة التي قدمت منذ عام 2015 التدخل بالشؤون البولندية الداخلية، وضمنها التشريعات البولندية المتعلقة بالرواية التاريخية، والتي تؤكد أن الشعب البولندي كان أيضا ضحية للنازيين.

وأوضح المتحدث باسم كتلة "السلام الآن"، في حديثه للجزيرة نت، أنه يتفهم الجانب الإسرائيلي، وتمسكه بحق اليهود بالتعويضات عن أملاكهم، كما أنه يتفهم تأكيد الشعب البولندي أنه كان أيضا ضحية للنازية وللاحتلال السوفياتي الذي وضع اليد على جميع الممتلكات والأملاك بعد الحرب العالمية الثانية.

ويرفض كلير تحميل الشعب البولندي المسؤولية عن المحرقة والحرب التي أودت بحياة 6 ملايين بولندي، منهم 3 ملايين من أصول يهودية.

بيد أن المتحدث نفسه يعتقد أن الحكومات الإسرائيلية تتعامل بـ"ازدواجية ونفاق"، متسائلا "ماذا عن حقوق الفلسطينيين وأملاكهم التي سلبها منهم اليهود خلال النكبة عام 1948؟"، ويضيف "لنتوقف لحظة للنظر في الداخل قبل أن نتعامل مع قوانين البلدان الأخرى، أحد أهم القوانين التاريخية التي اعتمدتها دولة إسرائيل عام 1950 يحمل عنوان (قانون أملاك الغائبين) ويضع اليد على جميع ممتلكات اللاجئين الفلسطينيين وعقاراتهم".

المصدر : الجزيرة