في ظل مواقف نصر الله.. ما خيارات الحلفاء والخصوم بملف تشكيل الحكومة في لبنان؟

نصر الله رسم -نوعا ما- خريطة جديدة للأزمة اللبنانية إلى حين موعد الانتخابات النيابية في مايو/أيار 2022

نصر الله دعا لتحرك حكومة تصريف الأعمال في مواجهة الضغوط المعيشية وتداعيات الانهيار (الجزيرة)
نصر الله دعا لتحرك حكومة تصريف الأعمال في مواجهة الضغوط المعيشية وتداعيات الانهيار (الجزيرة)

تتلاشى الآمال بالتوافق على تشكيل الحكومة في لبنان بعد مضي أكثر من 8 أشهر على تعاظم الخلافات التي كشفت -برأي كثيرين- استحالة التعايش بين فريقي رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري.

وفيما استمر تعثر المبادرات العربية والغربية وما تبعها من زيارات مكثفة لدبلوماسيين؛ انتهى الأمر بمبادرة يقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري بدعم من حليفه حزب الله، وتقوم على تشكيل حكومة من 24 وزيرا.

وتمسّك أمين عام حزب الله حسن نصر الله -في خطابه أول أمس الثلاثاء 8 يونيو/حزيران- بالجهود التي يبذلها بري لإنجاح مبادرته. ومن جهة أخرى، أعلن رفضه القاطع للدعوات المطالبة بانتخابات نيابية مبكرة.

واعتبرها نصر الله "مضيعة للوقت وإلهاء للناس"، وهو ما فسره محللون بتوجيه رسائل مبطنة لحليفه رئيس الجمهورية وفريقه السياسي، بعد أن لوح رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بالاستقالة من البرلمان لإجراء انتخابات مبكرة قبل موعدها بمايو/أيار 2022، في حال لم تتشكل الحكومة.

نصر الله يتجنب -حسب مراقبين- التورط في صراعات داخلية لصالح أحد الفريقين المتنازعين؛ عون والحريري (رويترز)

التكتيكات السياسة

وما كان لافتا بخطاب نصر الله؛ دعوته لتحرك حكومة تصريف الأعمال في مواجهة الضغوط المعيشية وتداعيات الانهيار، معلنا احتمال توجّه حزبه لاستيراد المحروقات من إيران إلى مرفأ بيروت بالليرة اللبنانية، في حال استمر عجزها عن تأمين حلول لشح هذه المواد.

ويُدرج الكاتب والباحث اللبناني سعد محيو مواقف نصر الله في خانة "التكتيكات" السياسية، لأنه لا يستطيع التخلي عن فريق رئيس الجمهورية كونه حليفه المسيحي الوحيد، كما لا يستطيع التراجع عن تمسّكه بالحريري، درءا للمخاطرة بمواجهة سياسية سنية شيعية.

ورغم أن حزب الله هو "الفريق الأقوى بلبنان، لكن ضعفه يكمن بالخوف من تورطه بصراعات داخلية لصالح أحد الفريقين المتنازعين (عون والحريري)، كي لا تضر بحساباته الإقليمية والدولية"، وفق حديث محيو للجزيرة نت.

وتبدو أفضل الطرق للخروج من المأزق -برأي الباحث- "ضغط نصر الله نحو تشكيل حكومة، أو تفعيل حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسان دياب، أو التهديد بالورقة الإيرانية إذا بقيت السلطة غير قادرة على حل الوضع المعيشي".

ولا يتخطى التلويح بورقة الاستيراد من إيران -الذي يثير رعب الفئات السياسية المرتبطة بالغرب وأميركا تحديدا- حدود المناورة؛ لأن -بحسب محيو- " أي خطوة من هذا النوع مؤجلة لما بعد المفاوضات الإيرانية الأميركية".

كيف تؤثر مواقف نصر الله على خيارات الحلفاء والخصوم؟

ليست المرة الأولى التي تثار فيها علامات الاستفهام حول طبيعة التحالف بين حزب الله والتيار الوطني الحر بعد توقيع ورقة اتفاق "مار مخايل" بينهما في فبراير/شباط 2006، خصوصا أن التباينات تظهر بين فترة وأخرى، وهو ما يدفع فريق ميشال عون لتبريرها بتمايزه وعدم انصياعه لرغبات حزب الله.

لذا، يؤكد عضو المكتب السياسي في التيار الوطني الحر وليد أشقر أن مواقف نصر الله المخالفة لتوجهاتهم لن تؤثر على خياراتهم إذا استمر استعصاء التوافق مع الحريري.

ويحدد أشقر خيارات التيار باقتراح قانون لتقصير ولاية المجلس؛ من بينها التوجه لاستقالة كتلتهم من البرلمان؛ وبالتالي دفع كتل أخرى للاستقالة وفي طليعتها حزب القوات اللبنانية، "لأنه مع استقالة الكتلتين المسيحيتين يفقد البرلمان ميثاقيته".

ومن بين خيارات التيار أيضا؛ دعوة رئيس الجمهورية إلى حوار وطني يجمع القوى السياسية، بشرط أن ينبثق منها تفاهم على تشكيل الحكومة وعلى ملفات اقتصادية، "لكن هذا الخيار يبدو صعبا لأن الحريري يرفضه، كما يوجد قوى ترفض الجلوس مع بعضها".

ويلفت أشقر إلى الأجواء الإيجابية التي تخللها آخر لقاء جمع باسيل مع وفد الثنائي حركة أمل وحزب الله، وضم الوزيرين علي حسن خليل وحسين الخليل ومسؤول الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا، أول أمس الثلاثاء 8 يونيو/حزيران، "بانتظار إجابة الحريري على الطروحات المقدمة".

اعتذار الحريري

وفيما يسعى وفد الثنائي لتجسير الهوة بين فريقي عون والحريري؛ يشير الكاتب والمحلل السياسي منير الربيع إلى أن هذه اللقاءات تندرج في إطار تقاذف المسؤوليات عبر إشاعة الإيجابية؛ لرمي كل طرف الكرة بملعب الآخر، وبالتالي اتهامه بالتعطيل.

ويلفت الربيع -للجزيرة نت- إلى أن باسيل سعى -خلال لقاء الوفد- إلى إعادة توزيع بعض الوزرات، وتحديدا وزارتي الطاقة والاتصالات، كما أكد رفضه قيام الحريري بتسمية الوزراء المسيحيين، بما في ذلك وزيري العدل والداخلية، وربط منح ثقته لحكومة الحريري بلقاء الأخير معه.

ويرفض الحريري بالمقابل هذه المعادلة، وفق الربيع؛ مما يعرقل مساعي الثنائي بحل أزمة الحكومة التي تراوح مكانها، فيما تقوم (المساعي) على اتفاق جديد لهيكلة الحكومة بناء على 3 أسس؛ مؤلفة من 24 وزيرا، بدون حصول أي طرف على ما يعرف بـ "الثلث المعطل"، وإعادة توزيع الحقائب.

لكن وليد أشقر يربط تمسك باسيل بتسمية الوزراء المسيحيين بمبدأ المناصفة ووحدة المعايير، "فمثلما يحق للحريري تسمية الوزراء السنة -بوصفه رئيس أكبر تكتل برلماني لطائفته- يحق للتيار الوطني الحر كأكبر كتلة مسيحية".

بالمقابل، يشير نائب تيار المستقبل (برئاسة الحريري) مصطفى علوش إلى محاولة لإنجاح الفرص الممكنة لولادة حكومة قادرة على التفاوض مع صندوق النقد الدولي والقوى الخارجية، ويستطيع من خلالها لبنان الحصول على المساعدات للخروج من الأزمة.

ويقول علوش إن الحريري سيلجأ إلى الاعتذار عن مهمته إذا تبين أن وجوده يعرقل تشكيل الحكومة، ومع ذلك "نفضل عدم حرق المرحلة بانتظار ما ستؤول إليه مساعي مبادرة بري".

ويشدد علوش على عدم سماح الحريري بنيل فريق عون الثلث المعطل، أو تسمية كامل الوزراء المسيحيين؛ "لتجاوز ذلك صلاحيات رئيس الحكومة المكلف، بينما يسعى فريق عون للاستئثار بقرارات الحكومة".

النفس الأخير

ويرى سعد محيو أن جوهر الإشكالية ليس في آلية تشكيل الحكومة؛ وإنما في الطبقة السياسية "التي تؤكد أن نظامها الطائفي -الذي أسس قبل نحو 100 عام- فشل اقتصاديا ويتوج حاليا فشله السياسي".

وبالتالي، "كل الحلول المقدمة من قبل حكومة تمثل القطاعات الرأسمالية، سيتحمل تداعياتها المواطنون، وستنقذ حلفاء طبقة القطاعات المالية ورجال الأعمال، تماما مثلما فعلت كل الدول الرأسمالية بأزماتها".

ويبدو أن "ذكاء" هذا النظام "الذي دمر حياة اللبنانيين" -بحسب الباحث- استطاع قلب المعادلة؛ فبعد أن طالب حراك "17 أكتوبر/تشرين الأول 2019" بإسقاط الحكومة؛ صار المطلب الشعبي هو تشكيل الحكومة، "من دون أن تتنازل القوى السياسية لتحقيق هذا المطلب".

ويعتبر محيو أن الانتخابات النيابية المبكرة غير واردة على مسافة 11 شهرا، لأن التحضيرات لها لم تبدأ بعد، كما أن لا مصلحة لأطراف عديدة بها؛ لذا، "قد تسعى بعض القوى السياسية لإلغاء كل استحقاقات 2022 الانتخابية الرئاسية والبرلمانية والبلدية، خوفا من تداعيات نتائجها، سياسيا وشعبيا وإقليميا".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة