18 عاما على إعلان بوش انتهاء العمليات العسكرية في العراق.. ماذا فعلت واشنطن؟

فوجئت الولايات المتحدة بحجم المقاومة في العراق رغم تمكن قواتها في فترة محدودة نسبيا من تدمير الجيش العراقي ودخول بغداد

بوش من على متن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن يعلن قبل 18 عاما انتهاء عمليات القتال الرئيسية في العراق (الفرنسية)
بوش من على متن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن يعلن قبل 18 عاما انتهاء عمليات القتال الرئيسية في العراق (الفرنسية)

شهد العراق بعد الغزو الأميركي مرحلة اضطراب أمني مع تصاعد المقاومة المسلحة، رغم إعلان واشنطن انتهاء عملياتها العسكرية الرئيسية.

في الأول من مايو/أيار 2003، أعلن الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش انتصار بلاده في حرب العراق، وذلك في خطاب ألقاه من على متن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن، متعهدا بضبط الأمن وإعادة الإعمار.

بوش خلال تفقد جنوده في قاعدة عين الأسد الجوية بمحافظة الأنبار العراقية عام 2007 (الفرنسية)

مراحل الغزو

أشارت المعلومات المتوفرة عن خطط غزو العراق والتوقيتات الزمنية لذلك، إلى وجود 3 مراحل لعملية تغيير النظام، بحسب سالم الجميلي مدير شعبة أميركا في جهاز المخابرات العراقي السابق.

ويبّن الجميلي للجزيرة نت أن المرحلة الأولى هي الهجوم العسكري وتحطيم قدرات الجيش العراقي خلال 45 يوما، لتبدأ المرحلة الثانية في تشكيل إدارة شؤون الاحتلال والدولة، ومن ثم حكومة مؤقتة تستمر 6 أشهر، وبعدها تبدأ المرحلة الثالثة لإعادة الإعمار والبناء ولم تحدد لها فترة زمنية.

ويضيف أنه بعد تدمير الآلة الحربية العراقية ظن بوش أنه بسط نفوذه على العراق بشكل كامل، حيث شهدت تلك الفترة حالة من الهدوء، وأعلن انتهاء العمليات العسكرية وتم تغيير قواعد الاشتباك.

الجميلي اعتبر أن إدارة بوش كان لديها قصور استخباري في فهم ما يجري سرا في العراق (الجزيرة نت)

ويسترسل الجميلي بالقول، في هذه الأثناء كانت تتشكل خلايا المقاومة، وكان لدى إدارة بوش قصور استخباري في فهم ما يجري سرا، وظنوا أن العراقيين سيكون لهم موقف مماثل لموقف بعض المرحبين بالاحتلال.

ويشير الجميلي إلى أنه عندما لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل أو أي دليل على علاقة العراق مع الإرهاب، أطلقت إدارة بوش شعار "إرساء الحرية والسلام" في المنطقة، وبعد أن حلت الفوضى بالبلد أطلقوا على المرحلة اسم "الفوضى الخلاقة".

وينوه ضابط المخابرات السابق إلى أن الولايات المتحدة خسرت نحو 3 تريليونات دولار، و5 آلاف قتيل أميركي، وأكثر من 40 ألف جندي جريح، ناهيك عن المشاكل النفسية والصحية لأفراد الجيش الأميركي ممن شاركوا في الحرب.

وفي النتيجة -بحسب الجميلي- بات العراق بلدا مفلسا مليئا بالفساد، وبؤرة حاضنة للإرهاب والمليشيات المسلحة التي تهدد الأمن القومي الأميركي وحلفاء واشنطن بشكل مباشر وخطير للغاية، وهذا ما تحقق من غزو بوش للعراق، على حد تعبيره.

البياتي يعتقد أن الولايات المتحدة فوجئت بحجم المقاومة العراقية (الجزيرة نت)

تصاعد الأحداث

فوجئت الولايات المتحدة بحجم المقاومة، لأنهم لم يكونوا يتوقعون ذلك، خاصة بعد دخولهم السهل إلى العراق، كما يقول الخبير الأمني والإستراتيجي والضابط السابق سرمد البياتي.

ويضيف للجزيرة نت أن عمليات المقاومة بدأت غرب العراق لأسباب عشائرية، عندما رفضت القبائل تصرفات القوات الأميركية والتي اعتبروها مهينة، ثم توسعت المقاومة إلى مناطق أخرى وأصبحت قوية جدا، ولكن الأميركيين عرفوا كيف يتخلصون منها من خلال إثارة النعرات الطائفية لتبدأ مرحلة اقتتال داخلي.

ويعرب عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة أخطأت في تقييم الدعم الذي يمكن أن تتلقاه المقاومة، والتي وصلها دعم كبير لاحقا، وتسبب بضربات موجعة للأميركيين، بحسب البياتي.

ويعزو سبب تصاعد أعمال المقاومة إلى عدم إيفاء واشنطن بالتزاماتها، حيث لم توفر الكهرباء والحياة المرفهة وغيرها الكثير من الوعود التي لم تنفذها، لذلك كان من المتوقع تصاعد المقاومة.

عزو يرجح بأن الولايات المتحدة تعمدت ترك العراق وسط الفوضى وعدم تنظيم الحالة السياسية (الجزيرة نت)

الانسحاب الأميركي

بعض الظروف التي أدت إلى انسحاب القوات الأميركية مرتبطة بالداخل الأميركي وقسم منها يتعلق بالضربات التي كانت تتلقاها القوات الأميركية داخل العراق، كما يقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور محمود عزو.

ويضيف للجزيرة نت أن القوات الأميركية لم تنجز مهامها على الوجه الأمثل، وإنما كان هناك ارتباك بالإستراتيجية الأميركية في إدارة العمليات العسكرية في العراق، وهذا الأمر كان واضحا عام 2007، بعد أن خرج العراق بالكامل عن السيطرة الأميركية نتيجة الحرب الطائفية، وبالتالي تمت زيادة عديد القوات الأميركية بحوالي 40 ألف جندي أميركي، وهذه كانت تكاليف جديدة بالنسبة لدافعي الضرائب الأميركيين، وهذا الأمر كان يكلف الولايات المتحدة حوالي 150 مليار دولار سنويا وهو رقم كبير جدا.

وينوه عزو إلى أن الولايات المتحدة بدأت تشعر بالخسارة المالية الكبيرة، إضافة إلى خسارة صورة الجندي الأميركي الذي لا يقهر أمام الضربات التي تتلقاها من الجماعات المسلحة العراقية، بالإضافة إلى الإرهاق المالي والعسكري الكبير الذي تسببت فيه الانهيارات والتمردات في مجمل المناطق العراقية.

ويتابع أنه منذ عام 2008 بدأ التراخي من الجماعات المسلحة تجاه القوات الأميركية، وفي المقابل باتت القوات العراقية أكثر قوة في تلك الفترة، وكانت هناك مفاوضات حكومية حول الانسحاب الأميركي مع الحفاظ على جزء من القوات لأغراض الدعم اللوجستي والاستخباري.

وبعد انتخاب أوباما رئيسا للولايات المتحدة عام 2009 كانت واحدة من وعود الديمقراطيين آنذاك هو الانسحاب من العراق، وهذا الأمر أدى إلى انسحابهم في نهاية عام 2011، بحسب عزو.

ويرجح بأن الولايات المتحدة تعمدت ترك العراق وسط الفوضى وعدم تنظيم الحالة السياسية، بالإضافة إلى الحالة الأمنية وتهيئة البيئة العراقية آنذاك من عوامل الإقصاء والتهميش التي زادت من وتيرة الاحتجاجات وأحدثت شبه قطيعة بين المواطنين والدولة وانتهت الأمور بالانهيار الأمني الكبير عام 2014.

العزاوي يرى أن المشكلة ليست في وجود القواعد الأميركية في العراق وإنما تكمن في الغطاء الجوي (الجزيرة نت)

القواعد الأميركية

وعن بقاء عدد من القواعد الأميركية في العراق، يقول النائب عبدالخالق العزاوي للجزيرة نت، إن المشكلة ليست في وجود القواعد أو إعلان الانسحاب من عدمه، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في الغطاء الجوي، وهناك اتفاقية لحماية الأجواء العراقية ولكن هذه الاتفاقية جرى خرقها من قبل التحالف.

بدوره، أعرب عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، النائب مهدي تقي الآمرلي، عن رفضه لوجود أي قوات أجنبية سواء أميركية أو غيرها لأن ذلك يؤدي إلى تشنجات وتصعيد أمني.

الآمرلي كشف عن تشكيل لجنة تفاوض بين بغداد وواشنطن للإسراع بالانسحاب الأميركي (مواقع التواصل)

وفي حديثه للجزيرة نت، شدد الآمرلي على ضرورة التهدئة وعدم التصعيد حتى لا تصل الأمور إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، وإذا أرادت واشنطن الحفاظ على العلاقات بين البلدين فعليها سحب قواتها من العراق، حتى لا تخرج عمليات التصعيد عن السيطرة.

وكشف عن تشكيل لجنة تفاوض بين بغداد وواشنطن لغرض الإسراع بانسحاب القوات الأميركية من العراق، مع الاحتفاظ بعلاقات اقتصادية ودبلوماسية بين البلدين.

هاشم يستبعد تخلي الإدارة الأميركية عن نفوذها في العراق (الجزيرة نت)

سيناريو قاتم

من جانبه، استبعد الباحث في الشأن العراقي رعد هاشم إمكانية تخلي أميركا عن نفوذها في العراق، مع توقعات بحصول مناورات بين إيران وأميركا على وقع مفاوضات البرنامج النووي في فيينا.

وقد يصل الطرفان إلى تفاهمات بتقاسم الأدوار بينهما لمصالحهما ونفوذهما في العراق، وقد تضحي إيران ببعض مكامن نفوذها مقابل أن تحصل على وعود برفع العقوبات وإعادتها إلى المجتمع الدولي.

وفي حديثه للجزيرة نت، حذر هاشم من السيناريو القاتم الذي قد يحدث إذا فشلت مفاوضات فيينا، حيث ستذهب إيران إلى دفع أدواتها للتحرش بالمصالح الأميركية أينما كانت، في تصعيد خطير ينعكس على المنطقة ويهدد مسارات التجارة الدولية، مشددا على ضرورة أن يولي العراق ودول المنطقة هذا السيناريو أهمية كبيرة من أجل تفاديه.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة