أبريل الدامي.. شهر الاغتيالات الإسرائيلية للقادة الفلسطينيين

أولى عمليات التصفية التي نفذتها إسرائيل في صفوف القادة الفلسطينيين في أبريل/نيسان وقعت في التاسع منه عام 1973 في بيروت واستهدفت 3 من القادة الكبار لحركة فتح

الشهيد فادي البطش
أفراد من الأمن الماليزي يحيطون بجثمان الشهيد الفلسطيني فادي البطش الذي اغتالته إسرائيل في 21 أبريل/نيسان 2018 (الجزيرة)

يتصف التاريخ الدموي للجيش الإسرائيلي بأنه حافل بالاغتيالات، وسجله مزدحم بقائمة طويلة من عمليات التصفية منذ ما قبل قيام إسرائيل عام 1948 وحتى الآن، وزادت على 2700 عملية اغتيال، بمعدل 38 عملية سنويا، والذاكرة الفلسطينية والعربية تعي وتخلد أسماء سياسيين وعلماء ومفكرين ومقاومين راحوا ضحية هذه السياسة الدموية.

لكن أبريل/نيسان شهد العديد من الاغتيالات الإسرائيلية منذ عقود طويلة التي استهدفت قادة وكوادر مختلف التنظيمات الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة وخارجها، ورغم هذا السجل الطويل من التصفيات فإن إسرائيل أعلنت في مرات عدة فشلها في القضاء على المقاومة الفلسطينية واستئصال شأفتها.

أهم الاغتيالات

أولى عمليات التصفية التي نفذتها إسرائيل في صفوف القادة الفلسطينيين في أبريل/نيسان وقعت في التاسع منه عام 1973 في بيروت، واستهدفت 3 من القادة الكبار لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وهم أبو يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر.

وفي 16 أبريل/نيسان 1988 اغتال جهاز الاستخبارات الخارجية (الموساد) خليل الوزير (أبو جهاد) الرجل الثاني بحركة فتح في تونس رغم أنه يسكن بجوار كبار قادة منظمة التحرير مثل محمود عباس وهايل عبد الحميد، وكان سبب الاغتيال قيادة أبو جهاد انتفاضة الحجارة.

وفي 2 أبريل/نيسان 1995 نفذ جهاز الأمن الإسرائيلي (الشاباك) في مدينة غزة عملية اغتيال كمال كحيل أحد قادة كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وذلك لكونه خبيرا في العبوات الناسفة وأشرف على العمليات الفدائية، وفي 2 أبريل/نيسان 2001 قتل الطيران الإسرائيلي في مدينة رفح القائد العسكري لحركة الجهاد الإسلامي محمد عبد العال.

وجاء أبريل/نيسان 2002 داميا، فقد اغتالت إسرائيل في الخامس منه قائد سرايا القدس في مدينة جنين بالضفة الغربية إياد حردان، وفي الـ23 من الشهر نفسه اغتالت قائد كتائب شهداء الأقصى في الخليل مروان زلوم، وفي الـ26 منه قتلت قائد كتائب أبو علي مصطفى في قلقيلية رائد نزال، وفي 10 أبريل/نيسان 2003 قصف الطيران الإسرائيلي سيارة محمود الزطمة أحد قادة سرايا القدس في غزة.

وفي 17 أبريل/نيسان 2004 قصف طيران الاحتلال سيارة قائد حماس في غزة عبد العزيز الرنتيسي، وذلك بعد أقل من شهر على انتخابه خليفة للشيخ أحمد ياسين زعيم ومؤسس حركة حماس، وهو صاحب مقولة "هل نحن خائفون من الموت؟ إنه الموت.. بالقتل أو السرطان لن يتغير شيء، سواء كان بالأباتشي أو بالسكتة القلبية، وأنا أفضل الأباتشي".

وفي 21 أبريل/نيسان 2018 اغتال الموساد في ماليزيا المهندس الكهربائي والأكاديمي الفلسطيني فادي البطش بزعم مساهمته بتطوير صواريخ المقاومة.

أسباب الاغتيالات

يمكن الحديث عن سببين أساسيين لاختيار هؤلاء القادة دون غيرهم ليكونوا أهدافا للاغتيالات الإسرائيلية، الأول دورهم الكبير في التخطيط والتنفيذ والإشراف على الهجمات المسلحة التي أسفرت عن مقتل وإصابة أعداد كبيرة من الإسرائيليين، والآخر هو المكانة القيادية التي حازوا عليها في تنظيماتهم وفصائلهم، والرغبة الإسرائيلية بإحداث إرباك في صفوفها، وليس أدل على ذلك من شخصية الرنتيسي.

وتزعم المحافل الأمنية الإسرائيلية أن الاغتيالات تحقق لها أهدافا رئيسية، أهمها: التشويش مؤقتا على منظومة قيادة المقاومة، وعرقلة العمليات المخطط لها، واضطرار رجال المقاومة إلى اللجوء للعمل السري والاختباء، وإعاقة التخطيط للعمليات وتنفيذها، فضلا عن الانتقام منهم لرفع معنويات الجمهور الإسرائيلي.

طرق الاغتيالات

من خلال رصد العديد من عمليات الاغتيال وما يتم تسريبه أو كشفه يمكن رسم سيناريو لعملية الإعداد والتخطيط وتنفيذ عملية الاغتيال عبر عدة مراحل، أهمها إدراج المستهدف في قائمة الاغتيالات بعد دراسة ملفه الأمني، ثم البدء بجمع معلومات تركز على مكان سكنه وتحركاته.

ويتضمن "بنك المعلومات" الذي تعده الأجهزة الأمنية الإسرائيلية حول المستهدف بالاغتيال توفير الإجابة عن تساؤلات: ماذا يفعل؟ ما روتينه اليومي؟ مع من يخرج؟ من حراسه؟ هل مركبته مصفحة أم لا؟

وتبقى الاغتيالات الإسرائيلية عمليات معقدة للغاية تتطلب التنسيق بين القوات العسكرية والوحدات اللوجستية والاستخبارية، وقد يستغرق التخطيط لأي اغتيال أسبوعا، وإذا كان الاغتيال أكثر تعقيدا فقد يستغرق شهورا وأحيانا سنوات، لأن تحديد الفترة منوط بأهمية القائد الفلسطيني المستهدف وحجم خطورته والإجراءات الاحترازية التي يتبعها.

الأجهزة المنفذة

تشارك العديد من الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية بتنفيذ الاغتيالات، فبعد أن تتخذ الجهات الأمنية والعسكرية القرار وتأخذ مصادقة المستوى السياسي تنخرط الوحدات العملياتية بالتنفيذ، وأهمها الموساد، والشاباك، وقوات الكوماندوز التابعة لسلاح الجو (شيلداغ)، ووحدة رئاسة الأركان 13، والوحدة الشرطية لمكافحة "الإرهاب".

ويعتمد تنفيذ الاغتيال بالدرجة الأولى على شبكة العملاء ووسائل التكنولوجيا وصولا إلى تشكيل غرفة عمليات تحت قيادة هيئة الأركان وبمتابعة وزير الدفاع الذي يرفع التقارير تباعا إلى رئيس الوزراء، وانتهاء بتحديد أسلوب عملية الاغتيال.

الأساليب الشائعة

يمكن حصر الوسائل والأساليب التي يلجأ إليها جيش الاحتلال بتنفيذ الاغتيالات فيما يلي: تفخيخ سيارات المقاومين، ووضع عبوات ناسفة تحتها، أو تفجير سياراتهم عن بعد، أو إطلاق النار عن قرب من قبل القوات الخاصة المتنكرة بالزي العربي (المستعربون)، أو القصف بالطائرات، وهو الأكثر رواجا، ولا سيما في قطاع غزة، أو تفجير أجهزة الاتصال عبر تتبع المقاومين عن طريق بصمة الصوت.

الاغتيالات والمقاومة

أطلقت إسرائيل مصطلحات "مخففة" على عمليات الاغتيال لوقف ردود الفعل الدولية المنددة بهذه السياسة الدامية، ومن هذه الأوصاف "الإحباط المركز، الاستهداف المباشر، عملية استباقية" بديلا عن مفردات القتل والتصفية.

لكن المقاومة الفلسطينية أثبتت أن الاغتيالات الإسرائيلية لم تنجح في كسر شوكتها، وفي انفضاض الناس عنها، بل أثارت أجواء من الغضب الفلسطيني من السياسة الإسرائيلية، وولدت عند كل قائد فلسطيني جديد يخلف من تم اغتياله شعورا بالثأر والانتقام، مما أثبت فشل وإخفاق التصفيات والاغتيالات الإسرائيلية.

وهناك العديد من النماذج التي تقدم شكوكا في جدوى الاغتيالات الإسرائيلية على المدى البعيد، فقد اغتالت العديد من القادة الفلسطينيين لكن ظهر قادة أشداء شهدت عهودهم القيادية العمليات التفجيرية في الأنفاق، والهجمات التي استهدفت مواقع جيش الاحتلال بغزة، وصولا إلى تطوير القذائف الصاروخية، مما جعل هذه الاغتيالات مصدرا للبشائر السيئة لإسرائيل.

الاعترافات بالفشل

وردت العديد من التحليلات من متخصصين وكتاب إسرائيليين تتحدث عن فشل تل أبيب في وقف المقاومة الفلسطينية عن طريق سياسة الاغتيالات، إذ يقول المتخصص في الشؤون العسكرية ألون بن دافيد إنه "سرعان ما قام لمن يتم اغتيالهم ورثة آخرون بعدهم، صحيح أنهم غادروا العالم لكن العمليات لم تغادرنا، بل بقيت بعدهم، ولذلك فإن هذه الاغتيالات في النهاية لم تؤد للقضاء على الهجمات المسلحة".

من جهته، يقول المراسل الإسرائيلي جدعون ليفي إن "تمسك إسرائيل بالاغتيالات من أجل النيل من وعي الفلسطينيين أتى بنتيجة معاكسة تماما".

بدوره، يرى الخبير العسكري الإسرائيلي أمير بار شالوم أن "آمال جنرالاتنا خابت، لأنهم اعتقدوا أن اغتيال قادة حماس سيدفعهم للاهتمام بأنفسهم، وسيتركون التخطيط للعمليات، لكن ثبت أننا حالمون، فقد أدت الاغتيالات لتعاظم الهجمات المدمرة ضدنا".

ويقول المفكر بي ميخائيل إن "عمليات التصفية فاقمت الخسائر الإسرائيلية، ووفرت المسوغات لحركات المقاومة لمضاعفة عملياتها، وجعلتها أكثر ضراوة، ويمكن الاعتراف بأن عمليات التصفية لا توفر دماء الإسرائيليين، بل تزيدها".

أما المحلل الأمني الراحل زئيف شيف فيقول إن "عمليات التصفية شكلت الوقود الذي يؤجج نار المقاومة، وجعل عملياتها أكثر خطورة وأشد تصميما".

ويذكر خبير الشؤون العسكرية روعي شارون أن الاغتيالات الإسرائيلية تحركها قاعدة "من قام لقتلك بادره بالقتل"، مضيفا أن الثمن الذي قد تدفعه إسرائيل جراء الاغتيال قد يكون أخطر.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

مقال بصحيفة تايمز يعلق على اغتيال العالم النووي الإيراني فخري زاده، ويقول إن عصر الاغتيالات باستخدام الذكاء الاصطناعي قد حل، الأمر الذي سيحدث تحولا بقواعد وشروط الاغتيالات التي باتت خيارا مغريا.

9/12/2020
المزيد من أخبار
الأكثر قراءة