تباين بشأن المحاكم العسكرية.. دعوات في لبنان لاستقلال القضاء عن التدخلات السياسية

قوات من الشرطة اللبنانية تتجمع خارج سجن بعبدا (رويترز)
قوات من الشرطة اللبنانية تتجمع خارج سجن بعبدا (رويترز)

يشكو مواطنون لبنانيون من توقيف السلطات الأمنية لأبنائهم وتوجيه تهم الإرهاب لهم وتعرضهم للتعذيب خلال فترة الاعتقال، على خلفية مشاركتهم بالاحتجاجات على تدهور الأوضاع المعيشية.

من بين هؤلاء السيدة فاطمة خلف من باب التبانة شمالي لبنان، التي اعتقل ابنها القاصر علاء (16 عاما) ووجهت له المحكمة العسكرية تهمة الإرهاب، وقد أفرج عنه بعد سجنه لأسابيع.

تقول السيدة فاطمة "شعرتُ بالسخط الشديد إزاء تهم الإرهاب التي وجهت لابني"، مشيرة إلى أنه يبدو الآن "محطما نفسيا، وقد تعرض للضرب والتعنيف المعنوي أثناء التحقيق معه".

ويؤكد كلامها محامون تحدثوا للجزيرة نت عن الوقائع نفسها، والتي حدثت لبعض من شاركوا في الاحتجاجات.

تُهم هجينة

وكانت النيابة العامة العسكرية ادعت في 22 فبراير/شباط الماضي على 35 شخصا شاركوا باحتجاجات طرابلس، بتهمة الإرهاب، وتكوين عصابات إجرامية، وسرقة الأملاك العامة، مع اتهامهم باستخدام القوة ضد عناصر القوى الأمنية وإحراق مبنى بلدية طرابلس.

ودفع الادعاء لأول مرة على متظاهرين بتهمة "الإرهاب" بعض المحامين لتقديم إخبار لدى النيابة العامة التمييزية في بيروت -كان بينهم المحامي محمد صبلوح- ويتمحور حول "إخفاء قسري وقرائن تعذيب بحق المتظاهرين وعدم تطبيق المادة 47، من قانون أصول المحاكمات الجزائية، التي تعطي الموقوف حقوقًا كتوكيل محامٍ يحضر معه التحقيقات".

ويلفت صبلوح للجزيرة نت، أنه لولا الضغط الحقوقي لما أفرج عن بعض الموقوفين، ويرى اتهامهم بالإرهاب هجينًا يكرس القمع فقط.

الجزيرة نت حاورت مجموعة من القانونيين والخبراء القضائيين حول تباين المواقف من المحكمة العسكرية، وإشكالية استقلال القضاء اللبناني عن التدخلات السياسية.

النيابة اللبنانية تعتبر أن الادعاء بالإرهاب ناجم عن تجمع عدد من الأشخاص "لارتكاب نفس الجرم" (رويترز)

تجمعات تثير الشبهة

وهنا يؤكد مدعي عام التمييز السابق القاضي حاتم ماضي، أن من يدعي بالمحكمة العسكرية هو مفوض الحكومة لديها وليس المحكمة، لأنها تحكم بحسب النص القانوني.

ويوضح أنه أي "كلما تجمع عدد من الأشخاص لارتكاب نفس الجرم، يتم الادعاء عليهم بالإرهاب، على اعتبار أن تجمعهم   يثير الشك حول عملهم، ويكون ادعاء النيابة العامة لمجرد الشبهة، ومن المحتمل ألا يكون الحكم النهائي بتهمة الإرهاب، إذا لم تكتمل عناصرها".

ومع ذلك، يعتبر ماضي أن ثمة صعوبة بالمواءمة بين العدالة والقضاء العسكري، لأن الأخير يتولاه ضباط وليس قضاة، ويشير إلى أن القاضي يمضي فترة 3 سنوات تدريبية، ويكون مجازا بالحقوق، بينما هذه الشروط غير مطلوبة من الضباط، وبينما يعلل القاضي المدني أحكامه للإدانة أو البراءة، فإن القاضي العسكري لا يعللها.

عيوب تعتري العمل

وهنا، يضيف وزير العدل الأسبق، والمدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي أشرف ريفي، 3 عيوب أخرى تعتري عمل المحكمة العسكرية.

أولها، أن الأحكام غير المعللة تكون مدونة على نموذج موحد لأوراق يجري تعبئتها على قاعدة "املأ الفراغ".

أما الثاني، فهي أنها لا تراعي المبدأ الدستوري الذي ينصّ على وجوب محاكمة المواطنين سواسية أمام المحاكم المدنية ذاتها.

وأخيرا لا تسمح للمتضرر من أي قضية عالقة أمامها أن يكون ممثلاً بصورة شخصية أو بواسطة محامٍ للدفاع عنه.

وتوسعت صلاحيات المحكمة العسكرية من عام 1958، بحسب ريفي، ومن المفترض أن تكون متخصصة بجرائم الإرهاب، والتعامل مع إسرائيل والتجسس لمصلحتها، وجرائم الأسلحة والمتفجرات، وملاحقة الجرائم الواقعة على العسكريين، وعلى الجيوش الأجنبية مثل قوات اليونيفيل العاملة جنوب البلاد.

قضية الوزير سماحة

ويذكّر ريفي بقرار محكمة التمييز العسكرية في عام 2016، القاضي بإطلاق سراح الوزير الأسبق ميشال سماحة المحكوم بقضايا تتصل بالإرهاب ونقل متفجرات من سوريا لتنفيذ عمليات اغتيال بلبنان.

ويقول إنه لولا الضغط السياسي لَما تراجعت المحكمة عن قرارها وحاكمت سماحة مجددا بعقوبة السجن، لذا، فهو يعتبر أن المحكمة العسكرية وظّفت لغير مهامها، وأن مفعولها السياسي طغى على شكلها القانوني.

تداعيات الحرب السورية

وفي سياق متصل، تجد المحامية والحقوقية ديالا شحادة أن الادعاء على مجموعة من المتظاهرين بالإرهاب، يُكرّس بعدها السياسي، وتعتبر أن تحقيقاتها، تسجل خروقات كالإفراط بالعنف والمماطلة بالكشف الطبي.

وقد عملت ديالا على أكثر من 200 ملف بالمحكمة العسكرية، وتقول إنه وفي آخر 10 سنوات، راجت تهمة "الإرهاب" في لبنان توازيًا مع اندلاع الحرب السورية، فألصقت بلبنانيين ونازحين سوريين، نتيجة تواصلهم أو تأييدهم أو انتمائهم لمجموعات وتنظيمات معارضة للنظام السوري.

وتستنتج ديالا أن ثمة "خفة" بعشرات ملفات الإرهاب، وكان بعضها فارغا من حجة يُعتدّ بها، كاستنادها على محادثة عبر مواقع التواصل.

إيجابية المحاكم العسكرية

من جهته، يتحدث عضو المجلس السياسي في التيار الوطني الحر المحامي وديع عقل، عن "إيجابيات" المحاكم العسكرية، معتبرًا أن فعاليتها تكمن بسرعة محاكماتها.

ويعتبر عقل أن لبنان بوضعه الاستثنائي، لا يستطيع التوجه لإلغاء المحكمة العسكرية الاستثنائية، وذكر أن دعمها يرتكز على سببين: أولهما، المخاطر على الحدود والحرب المحتملة دائمًا مع اسرائيل، وثانيهما وضع الخلايا النائمة والجماعات الإرهابية التي تهدد البلاد.

وقال إن المحكمة العسكرية تغطي ثغرات القضاء الجزائي، مذكرا أن مفهوم المحاكم العسكرية قائم بمعظم دول العالم، وأن لبنان غير حاضر لخطوة إلغاء أو تعديل دورها.

من جهته، يعود أشرف ريفي لمشروع قانون أعده حين كان وزيرًا للعدل (2015)، ويدعو لإلغاء المحكمة العسكرية ونقل قضايا الإرهاب لمحاكم متخصصة بالإرهاب، معتبرًا أن المشروع لا يبصر النور لأن الظرف السياسي معاكس.

أما ديالا شحادة، فلا تؤيد إلغاء المحكمة العسكرية، وتشدد على ضرورة إعادة صلاحياتها لمكانها الأصلي، مع تعديل أصول محاكماتها للمدنيين، وأن تحفظ لهم الحقوق التي ترعاها المحاكم العادية كالدفاع عن أنفسهم وتوكيل المحامين.

تسييس القضاء

هذا التباين، يفضي إلى إشكالية استقلال القضاء اللبناني، وترى المحامية ديالا أن مجرد تعيين رئيس المحكمة العسكرية من قبل وزارة الدفاع بالحكومة، يجعل المنصب مسيسًا، لأن لوزير الدفاع الحقّ بكف يد رئيس المحكمة عن أداء مهامه، وهو من يجدد ولايته سنويا، بينما يذكّر اللواء ريفي بمشاريع كثيرة حول استقلالية القضاء، كانتخاب المجلس العدلي من القضاة أنفسهم.

بالموازاة، يعتبر القاضي حاتم ماضي أن مرد تسييس القضاء، "تهور الطبقة السياسية وعدم احترامها لحرمة القضاء، مقابل ضعف بعض القضاة وقبولهم بالهيمنة السياسية إما خوفا وإما طمعا بمنصب يؤمنه لهم السياسي".

ومدخل الخروقات السياسية هو التشكيلات القضائية، وفق ماضي، إذ تتدخل قوى السلطة بتعيينات المراكز "المفتاحية والحساسة"، وتبدأ تدريجيا من مراكز النيابة العامة، إلى قضاة التحقيق، والهيئات الاتهامية، وصولا إلى محاكم جنايات والتمييز، وقضاة الجزاء المنفردين.

وهكذا، يصبح القاضي المعيّن بالتشكيلات أشبه بمديون لداعميه، وإذا لم يلبِّ السلطة فإن التشكيلات المقبلة لن تشمله، وهو ما يضرب معنويات القضاة النزيهين، بحسب ماضي.

ويرى أن الحل الوحيد هو تحقيق استقلالية القضاء، وأن يصبح سلطة منظمة بالدستور كالسلطتين التشريعية والتنفيذية، بدل بقائه، "فرعًا من فروع السلطة الإجرائية".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تواصلت بالعاصمة اللبنانية بيروت ومدينة طرابلس المظاهرات لليوم الخامس على التوالي رفضا للأوضاع المعيشية واحتجاجا على تراجع قيمة الليرة، فيما كلف المدعي العام الأجهزة الأمنية بملاحقة المتلاعبين بالعملة.

قالت وكالة رويترز نقلا عن 4 مصادر، إن الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة في بريطانيا تدرس تقريرا رفعته إليها مؤسسة قانونية في لندن، يتهم حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة وشركاء له بممارسات فساد.

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة