20 أبريل 1828.. اليوم الذي اكتشف فيه أول أوروبي تمبكتو بعد أن تعلم القرآن

قضى كايي 13 يوما في تمبكتو في ضيافة تاجر عربي وجاب المدينة من أقصاها إلى أقصاها مسجلا ملاحظاته وغادرها دون أن يلاحظ أي شخص سلوكه الغريب

لوحة من سنة 1858 للمستكشف الألماني هاينريش بارث تصور تمبكتو وفي مركزها مسجد دجينغاربير ومئذنته ترى من أطراف المدينة (الجزيرة)
لوحة من سنة 1858 للمستكشف الألماني هاينريش بارث تصور تمبكتو وفي مركزها مسجد دجينغاربير ومئذنته ترى من أطراف المدينة (الجزيرة)

أخيرا في 20 أبريل/نيسان 1828 اكتشف الشاب الفرنسي رينيه كايي مدينة تمبكتو بعد أن عانى ما لم يعانه مستكشف لتحقيق هدفه، فقد استف الرمل وتلقى الشتائم وتعلم القرآن، ناهيك عن إصابته بالإسقربوط (مرض ينجم عن نقص فيتامين "سي" (C)) ومعاناته الجوع والجراح، ومع كل ذلك لم يستسلم أبدا حتى الوصول إلى المدينة الأسطورية المعزولة في قلب القارة السوداء، ليكون أول أوروبي يزور مدينة الإسلام ذات الـ333 وليا، ويعود سالما.

وقالت مجلة "لوبوان" Le Point بمناسبة هذه الذكرى إن كايي عندما وصل إلى "المدينة المحرمة" فرح فرحا شديدا وشعر برضا هائل قال إنه لم يختبر مثله من قبل، ولكنه بعد بضع دقائق من الإثارة عاد إلى واقع الأشياء، فلم يجد أمامه سوى بلدة بائسة "وجدت أن المشهد الذي رأيته أمامي لا يرقى إلى مستوى توقعاتي، كانت لدي فكرة عن حجم وثروة هذه المدينة، فلم أر للوهلة الأولى سوى مجموعة من البيوت الطينية سيئة البناء وسهول هائلة من الرمال المتحركة وجفاف شديد، كانت خيبة أمل رهيبة بعد كل هذه المعاناة".

وفي مقال مشترك بين فريديريك لوينو، وجويندولين دوس سانتوس استعاد الكاتبان قصة الشاب الفرنسي الذي وصل تمبكتو عندما كان في الـ28 من عمره كأول مستكشف أوروبي غير مسلم سافر خلافا للمستكشفين المشهورين من أمثال ليفينغستون أو مونغو بارك أو برازا بمفرده دون نقود ودون حماية مسلحة، وفي شبه سرية قد تكون ساهمت في نسيان اسمه.

لا شيء يدفع مساعد صانع الأحذية هذا إلى أن يجوب العالم -وفقا للكاتبين- اللهم إلا ما قرأه وهو طفل من روايات المغامرات، ولكن هذه القراءات جعلته ينسى والده الخباز المحكوم عليه بالسجن، فالتحق في الـ17 من عمره بخدمة ضابط بحري فرنسي كان على وشك الإبحار إلى السنغال لاستعادة المستعمرة من البريطانيين.

وفي عام 1816 انضم إلى طاقم سفينة "لا لوار"، وهي إحدى السفن الأربع التي كانت ترافق الفرقاطة الفرنسية المشهورة "لامدوز" في رحلتها التي غرقت فيها على شاطئ آرغين (قرب نواكشوط بموريتانيا) وقد نجا طاقم الفرقاطة على طوافة، لكن قصتها اشتهرت لكون بعض من كانوا على متنها اضطروا لأكل لحوم البشر.

وقد أوصلت سفينة "لا لوار" كايي إلى مدينة سان لوي السنغالية، حيث سرحه الضابط من خدمته، فقرر الذهاب لإنقاذ ضابط إنجليزي هو الميجور غراي الذي كان محتجزا فيما كان تعرف آنذاك بمملكة بوندو، وهي مملكة إسلامية كانت جزءا من دولة السنغال حاليا، ولكنه اضطر إلى التخلي عن مشروعه وأخذه ضابط فرنسي إلى غوادلوب للبحث عن مغامرات في متناوله.

عاد الشاب بعد 6 أشهر إلى بوردو بفرنسا، ثم انتقل من جديد إلى سان لوي في عام 1818، لينضم ماشيا إلى قافلة تحمل البضائع على ظهور الجمال بحثا عن الميجور غراي مرة أخرى، وقد نال العطش من القافلة في الطريق حتى اضطروا إلى شرب البول كما يقول الكاتبان، ولكن كايي عثر على الرائد غراي، لتبدأ عودة صعبة أصيب خلالها كايي بالملاريا فعاد إلى فرنسا.

كايي يفقد عقله

عمل كايي لمدة 4 سنوات لدى تاجر نبيذ في بوردو، ولكن أفريقيا كانت دائما في ذهنه بعد أن أصبح مهووسا بتمبكتو، خاصة أن الجمعية الجغرافية الفرنسية وعدت المستكشف الذي يصل إلى المدينة ويعود حيا بمبلغ 10 آلاف فرنك، وهكذا وصل الشاب من جديد إلى سان لوي عام 1824 وفي رأسه خطة تقوم على السفر بمفرده والاختلاط بقوافل التجار التي تجوب القارة، لأنه لا يملك فلسا ولا أحد يريد مساعدته.

اختلق كايي قصة لتكون غطاء له، فسيكون مسلما من مصر عائدا إلى وطنه بعد أن أسره جيش بونابرت وهو طفل، ولإضفاء المصداقية على شخصيته أمضى 8 أشهر مع قبائل البراكنة بموريتانيا يتعلم أساسيات اللغة العربية ويدرس القرآن والعادات المحلية الرئيسية، ولكنه كان يحتاج مبلغ 6 آلاف فرنك لمتابعة رحلته وهو ما رفض حاكم السنغال تسليمه له، ليصبح بعد ذلك مثارا لتندر الأوروبيين نظرا لإصراره على أن يظل بزيه العربي.

وفي النهاية تخلى كايي عن المساعدة التي وعد بها، وخصص مدخراته لشراء أوانٍ زجاجية ليستخدمها لاحقا كورقة مساومة واقتناء مظلة وبعض الأدوية، والتحق يوم 19 أبريل/نيسان 1827 تحت اسم "عبد الله" بقافلة غادرت بوكيه في غينيا الحالية إلى تيمي في ساحل العاج، وأصيب بجرح في قدمه وأضعفه الإسقربوط حتى أصبح هيكلا عظميا، وعانى لدرجة أنه بدأ يفقد عقله، ولكن عجوزا أشفقت عليه وأطعمته، وعالجته أخرى بوصفة غريبة.

رحلة ملحمية

وبعد 5 أشهر من العجز عن التنقل عاد الشاب إلى الطريق يوم 9 يناير/كانون الثاني 1828، واستطاع بعد رحلة ملحمية بالقارب في نهر النيجر -اضطهده خلالها رجال القوارب- الوصول إلى كابرا ميناء تمبكتو، ليصبح ثاني أوروبي يصل إلى المدينة الأسطورية، حيث وصل الرائد ألكسندر غوردون لينغ قبل عامين، إلا أنه اغتيل بأمر من شيخ هناك.

قضى رينيه كايي 13 يوما في البلدة الكبيرة في ضيافة تاجر عربي، وجاب المدينة من أقصاها إلى أقصاها مسجلا ملاحظاته، وغادرها دون أن يلاحظ أي شخص سلوكه الغريب مع قافلة تستعد لعبور الصحراء للوصول إلى المغرب، في محنة جديدة لمدة 78 يوما.

في الصحراء تعذب بسبب العطش والجوع الشديد، سقط من فوق جمل، وكان أهل القافلة يضحكون من هذا "المصري" الهش، ولكنه انتهى به الأمر في طنجة، ليستقل من هناك مركبا شراعيا متجها إلى فرنسا.

وأخيرا، عاد كايي إلى باريس وحصل على 10 آلاف فرنك التي وعدت بها الجمعية الجغرافية، بالإضافة إلى وسام جوقة الشرف، إلا أن صحته ظلت غير مستقرة، وإن لم يمنعه ذلك من الزواج وإنجاب 4 أطفال، قبل أن يموت في الـ38 من العمر، ربما بسبب مرض السل الرئوي.

المصدر : لوبوان

حول هذه القصة

على مدارج القرون تمتد صحائف مدينة تمبكتو بوصفها واحدة من أهم عواصم الإسلام بالغرب الأفريقي، وبامتدادها على ضفاف التاريخ تمتد بنت الصحراء على ضفاف هائلة بين الرمال الممتدة امتداد آمال سكان أزواد.

2/9/2020

يستذكر عثمان عمر كين، الأكاديمي بكلية اللاهوت جامعة هارفرد تاريخ مدينة تمبكتو العريقة ومراكز العلوم والمعارف الإسلامية في غرب قارة أفريقيا التي طواها النسيان وتجاهلتها الدراسات الأكاديمية المعاصرة.

17/3/2021
المزيد من أخبار
الأكثر قراءة