الانتشار العسكري الأميركي عبر العالم.. أين وكيف ولماذا وبأي كلفة؟

جنود أميركيون خلال عمليات في حرب الخليج (رويترز)
جنود أميركيون خلال عمليات في حرب الخليج (رويترز)

منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي أدت إلى مقتل نحو 3 آلاف أميركي، عندما اصطدمت طائرات خطفها مسلحون ببرجي مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك ومبنى وزارة الدفاع (بنتاغون) وسقوط طائرة في ولاية بنسلفانيا، بدأ فصل جديد ومختلف في الانتشار العسكري الأميركي في الخارج.

وقبل ذلك، انتشر آلاف الجنود الأميركيين منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في عدة مناطق بأوروبا وشرق آسيا، ثم تمدد الوجود العسكري بعد بدء ما سمّته واشنطن "الحرب الكونية على الإرهاب".

وينتشر اليوم مئات الآلاف من الجنود الأميركيين في عشرات الدول حول العالم، وتختلف دوافع هذا التواجد العسكري من دولة لأخرى، ومن وقت لآخر.

وجاء إعلان الرئيس جو بايدن استكمال انسحاب قوات بلاده من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر/أيلول المقبل ليلقي بالضوء على هذا الوجود حول العالم، في الوقت الذي لا يعرف فيه أغلب الشعب الأميركي تفاصيله أو أهدافه، فضلا عن مداه الزمني.

في هذا العرض، يحاول الجزيرة نت رسم خريطة التواجد العسكري الأميركي حول العالم، وتوضيح أهداف هذا الانتشار الواسع.

انفوغراف الانتشار العسكري الأمريكي في العالم (الجزيرة)
  • كم عدد القواعد العسكرية في الخارج، وما أنواع هذه القواعد؟

تمتلك أميركا مئات القواعد العسكرية في جميع أنحاء العالم، من هندوراس إلى أستراليا واليابان والعراق وقطر إلى ألمانيا وإيطاليا، وتغطي معها جميع القارات.

ووفقا لديفيد فاين عالم الأنثروبولوجيا في الجامعة الأميركية الذي ألف كتابا عن القواعد الأميركية، فإن الولايات المتحدة لها نحو 800 قاعدة عسكرية في أكثر من 70 دولة وإقليما.

وتختلف طبيعة القواعد الأميركية طبقا لكل دولة، فهناك قواعد لحماية هذه الدول، مثل كوريا الجنوبية، كما توجد قواعد تهدف لتدريب القوات المحلية، كما الحال في العراق، وهناك أيضا قواعد قتالية تخرج منها القوات الأميركية لشن هجمات عسكرية، كما في أفغانستان، كما أن هناك قواعد تدير فقط منها الطائرات المسيرة، كما في تشاد والنيجر. وتوجد كذلك قوات في دول بسبب انتمائها لحلف الناتو، كما الحال مع القواعد العسكرية في ألمانيا وإيطاليا.

وهذا الانتشار ليس له مثل في العالم، فقد أكد البروفيسور فين أن القوى العسكرية الكبرى الأخرى -مثل الصين وبريطانيا وفرنسا وروسيا- لديهم معا 31 قاعدة أجنبية فقط، تنتشر حول العالم.

عناصر من المارينز خلال تدريبات في اليابان (رويترز)
  • كم يبلغ عدد القوات الأميركية في الخارج؟

تُبقي واشنطن ما بين 150 و200 ألف جندي في الخارج، ويتغير هذه الرقم طبقا لتورط الولايات المتحدة في نزاعات عسكرية خارجية، كما تختلف أعداد القوات الأميركية من وقت لآخر تبعا للتغيرات في مواقفها من قضايا مختلفة. ولا تسمح الطبيعة السرية لبيانات نشر القوات الأميركية في بعض المناطق من وجود أرقام دقيقة لأعداد هذه القوات الإجمالية، ولا يعرف في الكثير من الحالات طبيعة مهامها.

  • هل حقق التواجد الأميركي العسكري في الخارج أهدافه؟

بصفة عامة، يعتقد العسكريون الأميركيون أنه لولا تواجد آلاف الجنود الأميركيين في كوريا الجنوبية، لقامت كوريا الشمالية بغزوها، ونفس الشيء ينطبق على اليابان، في حين تؤمن تايوان بأنه لولا التواجد العسكري والتعهد الأميركي بالدفاع عن الجزيرة التي تسعى الصين لضمها إليها، لقامت بكين بذلك منذ سنوات طويلة.

أما في إطار "الحرب الأميركية على الإرهاب"، فقد استطاعت القوات الأميركية قتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وكذلك قتلت قادة تنظيم الدولة الإسلامية وعلى رأسهم أبوبكر البغدادي.

من ناحية أخرى، لا يعتقد الكثير من المراقبين أن واشنطن حققت أهدافها المرجوة من غزوها للعراق وأفغانستان.

  • ما رأي الشعب الأميركي في انتشار قواته حول العالم؟

لا يعترف معظم الأميركيين، كغيرهم من الشعوب، أو هم لا يريدون الاعتراف، بأن الولايات المتحدة تهيمن على العالم من خلال قوتها العسكرية. وبسبب السرية الحكومية، غالبا ما يجهل المواطن الأميركي تفاصل انتشار قواته في الخارج إلا في حالة الحروب الكبيرة ومقتل الأميركيين، كما الحال في العراق وأفغانستان.

ولا يعرف الأميركيون عن أنشطة أو وجود قواتهم الخاصة داخل دول الساحل الأفريقية أو في الصومال أو جنوب شرق آسيا. ويساعد على عدم معرفة الأميركيين بانتشار قواتهم في كل هذه الدول، سرية طبيعة المهام التي تقوم بها، ففي بعض الدول توجد وحدات من القوات الخاصة التي تعمل في سرية تامة.

وتشير تقارير إخبارية إلى أنه في بعض الحالات تمنع الحكومة الأميركية إجراء تقدير محدد لعدد القوات العسكرية التي تعمل في الخارج، وتضلل الكثيرين في حالات كثيرة من خلال أعداد رسمية تختلف عن أرقام الوجود الحقيقي للقوات.

وفي 2019، وافق الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب على ترك نحو 200 جندي في شمال سوريا، قبل عملية تركية ضد وحدات حماية الشعب الكردستانية، لكن الأرقام الحقيقية لم تنخفض أبدا إلى 200، وبقيت عند 900 طبقا لمصادر أميركية.

عناصر من المارينز يتدربون على شرب دم الكوبرا في أدغال كوريا الجنوبية (رويترز)
  • ما الدول التي ينتشر فيها أكبر عدد من القوات الأميركية؟

يتمركز أكبر عدد من القوات الأميركية حاليا في اليابان، ويزيد عددها على 50 ألف جندي. وفي كوريا الجنوبية، تتمتع الولايات المتحدة أيضا بوجود كبير يقارب 26 ألف جندي.

وفي أوروبا، يوجد ما يقرب من 33 ألف جندي أميركي، أغلبهم في ألمانيا، تليها إيطاليا. وخلال العقدين الماضيين، تخطى عدد القوات الأميركية في العراق وأفغانستان 200 ألف جندي في بعض الحالات، خاصة في مراحل الغزو المبكرة في بدايات عام 2002 بأفغانستان، ومنتصف 2003 بالنسبة للعراق.

  • ما تكلفة الحرب الأميركية في أفغانستان، ماليا وبشريا؟

تشير دراسة صدرت عن مبادرة "تكلفة الحرب"، وهي مشروع بحثي مشترك بين جامعتي براون وبوسطن الأميركيتين، إلى وصول تكلفة الحروب الأميركية منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 وحتى نهاية العام المالي 2020، إلى 6.4 تريليونات دولار.

ويتضمن هذا المبلغ تكلفة حربي العراق وأفغانستان، إضافة إلى العمليات العسكرية في باكستان واليمن وليبيا وسوريا ودول أفريقية.

وأشارت تقارير نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" (The New York Times) إلى وصول تكلفة الحرب في أفغانستان إلى تريليوني دولار، في حين أشارت تقارير أخرى -حكومية وغير حكومية- إلى أن التكلفة المادية للحرب لم تتخطَ حاجز التريليون دولار. وينبع التناقض لاختلاف طرق الحساب، وتضمين بعض العناصر وتجاهل أخرى.

واعتبر مشروع "تكلفة الحرب" أن تكلفة الحرب في أفغانستان تخطت التريليون دولار، إضافة إلى مقتل أكثر من 6300 أميركي، وإصابة أكثر من 40 ألفا آخرين منذ 2001.

وأحصت دراسة "تكلفة الحروب" مقتل 2401 مقاتل أميركي، إضافة إلى ما يقرب من 3943 متعاقدا حكوميا أميركيا. كما أشارت إلى مقتل 1150 شخصا بين عسكريين ومتعاقدين من دول التحالف الدولي.

وقُتل ما يقرب من 141 ألف أفغاني، من بينهم 43 ألفا من حركة طالبان، وما يقرب من 60 ألفا من عناصر الشرطة والجيش الأفغاني، إضافة إلى 38 ألف مدني أفغاني.

جندي أميركي خلال معارك في هلمند بأفغانستان (رويترز)
  • هل نجحت واشنطن في تحقيق أهدافها في أفغانستان؟

يقول السفير الأميركي السابق ديفيد ماك إن بلاده نجحت في تحقيق هدفها المبدئي من غزو أفغانستان، وهو القضاء على تنظيم القاعدة فيها، وتحجيم نفوذ طالبان، لكنها لم تنجح في تحقيق الأهداف اللاحقة.

فقد استهدفت إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن تحقيق الاستقرار لأفغانستان وتشكيل حكومة إصلاحية والدفاع عن حقوق النساء. لكن على الرغم من النجاح في بعض المدن، فإن مناطق واسعة من أفغانستان بقيت خارج سيطرة الحكومة المركزية، مما استدعى بقاء القوات الأميركية هناك طوال هذه السنوات.

ويخشى المراقبون من سيطرة تنظيم طالبان على كل أفغانستان بمجرد استكمال خروج القوات الجنبية منها.

  • لماذا قررت واشنطن أن تسحب قواتها من أفغانستان الآن؟

لم يخطط أي رئيس أميركي للبقاء في أفغانستان للأبد، إلا أن الرئيس السابق دونالد ترامب يعود له الفضل في إدخال عبارة "حروب أميركا التي لا تنتهي" في النقاش السياسي بواشنطن. فقد تعهد ترامب بسحب قوات بلاده من حروب لا تنتهي في أفغانستان، وبالفعل توصل لاتفاق مع تنظيم طالبان على سحب قوات بلاده بحلول شهر مايو/أيار القادم.

ومثّل ذلك ضغطا على إدارة الرئيس بايدن التي لم يكن أمامها إلا تفعيل عملية الانسحاب، على الرغم من إبطائها والتعهد بإكمالها قبل 11 سبتمبر/أيلول المقبل.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تعهد برنامج المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية في نسخته المبدئية، بوقف تسليح السعودية في حرب اليمن وإعادة الاعتبار للاتفاق النووي مع إيران ووقف مسار ترامب للحرب معها.

24/7/2020
المزيد من أخبار
الأكثر قراءة