معركة الاتفاق النووي الإيراني وأجندات مراكز الأبحاث الأميركية

لا تعد قضية الاتفاق النووي الإيراني استثناء بل ربما تكون إحدى أوضح القضايا التي تُبرز أهمية مراكز الأبحاث ودورها في صنع الموقف الأميركي رسميا وشعبيا.

مراكز الأبحاث الأميركية تسعى إلى الضغط على إدارة بايدن لتبنّي وجهة نظرها بشأن الملف الإيراني (رويترز)
مراكز الأبحاث الأميركية تسعى إلى الضغط على إدارة بايدن لتبنّي وجهة نظرها بشأن الملف الإيراني (رويترز)

لا تدور المعركة بشأن عودة الولايات المتحدة وإيران إلى "خطة العمل الشاملة المشتركة"، المعروفة اختصارا باسم "الاتفاق النووي الإيراني" فقط في المدن المحايدة مثل فيينا أو جنيف، بل تمتد هذه المعركة إلى داخل العاصمة الأميركية ذاتها.

وتشهد واشنطن معركة وتنافسا لا يتوقف بين أهم مراكز أبحاثها للتأثير في موقف البيت الأبيض من الصراع الأميركي المتجذر مع إيران الذي يعود إلى اندلاع ثورتها الإسلامية قبل 4 عقود من الزمان.

وسمحت طبيعة النظام السياسي الأميركي الفريدة أن تضطلع مراكز الأبحاث المنتشرة بالأساس في واشنطن، بدور رئيس في تشكيل موقف الإدارات الأميركية المتعاقبة من قضايا السياسة الداخلية والخارجية على حد سواء.

ولا تعدّ قضية الاتفاق النووي الإيراني استثناء، بل ربما تكون إحدى أوضح القضايا التي تُبرز أهمية مراكز الأبحاث ودروها في صنع القرار من جانب، وفي التأثير في الرأي العام الأميركي من جانب آخر.

وتعتمد مراكز الأبحاث في تمويلها على إسهامات الأفراد والشركات وقطاع الأعمال الخاصة والمؤسسات الأميركية، كما تتلقى كثير من المراكز البحثية هبات وتبرعات من دول أجنبية في صورة تمويل مشروعات بحثية أو برامج تدريبية أو تنظيم فعاليات ومؤتمرات.

وتؤدي هوية الدول الخارجية المانحة دورا كبيرا في تحديد أجندة عدد من مراكز الأبحاث الأميركية تجاه إيران.

ويمكن تقسيم مراكز الأبحاث بصورة ثلاثية في ما يتعلق بمواقفها من الاتفاق النووي واحتمال عودة الولايات المتحدة إلى الانضمام إليه.

الفئة الأولى: تعارض

تعمل هذه الفئة من مراكز الأبحاث على منع الولايات المتحدة من العودة إلى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب منتصف عام 2018.

وتناصب هذه المراكز النظام الإيراني العداء، وعملت سنوات من أجل منع إدارة الرئيس السابق باراك أوباما من التوصل إلى اتفاق مع طهران، وبعد إخفاقها ركزت كل جهودها على إفشال الاتفاق النووي، وكشف عيوبه.

وبعد وصول ترامب إلى الحكم في يناير/كانون الثاني 2017، ضغطت هذه المراكز، وتُوّج نشاطها بانسحاب ترامب من الاتفاق وتبنّي إستراتيجية الضغوط القصوى على النظام الإيراني الذي أعيد معه فرض العقوبات على إيران وتغليظها.

وتزعمت "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" (FDD) قيادة المعارضة للاتفاق النووي، ولم تقصر المؤسسة هجومها على النظام الإيراني، بل امتد ليشمل الديمقراطيين المؤيدين للاتفاق، والدول الأوروبية الداعية لضرورة التزام الاتفاق.

ويترأس المؤسسة مارك دوبوفيتز، ويُنظر إليه على نطاق واسع في واشنطن على أنه مهندس عدد من برامج العقوبات المشددة التي تبنّتها إدارة ترامب ضد إيران.

ويشرف دوبوفيتز على ما يزيد على 50 باحثا وخبيرا من محللي السياسات الذين نشروا في السنوات الماضية مئات الأوراق البحثية ومقالات الرأي التي تنتقد خطة العمل الشاملة المشتركة.

ويظهر خبراء الـ"FDD" كثيرًا على قناة فوكس الإخبارية، كما قدم خبراء المؤسسة عشرات الشهادات أمام لجان الكونغرس المعنية بالشؤون الخارجية ومكافحة الإرهاب.

ويعدّ ريتشارد غولدبرغ من أهم خبراء الشأن الإيراني الذين عادوا إلى العمل في المؤسسة بعد هزيمة الرئيس ترامب في انتخابات العام الماضي.

وعمل غولدبرغ في منصب مسؤول مكافحة أسلحة الدمار الشاملة الإيرانية بمجلس الأمن القومي إبان عهد الرئيس ترامب، كما عمل سنوات في عدد من اللجان المتخصصة بمجلس الشيوخ.

وتضم مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية برامج بحثية متخصصة عن إيران تشمل العقوبات، وبرنامج إيران النووي، وبرنامج إيران الصاروخي، وشبكة التهديد الإيرانية العالمية، والشبكة الإيرانية المرتبطة بحزب الله في أميركا الجنوبية، وأخيرا مزاعم الإرهاب الذي تُتهم إيران بدعمه.

وتهدف كل هذه البرامج إلى تشويه الصورة الإيرانية داخل واشنطن من أجل عرقلة عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي.

وتتشابه أجندة عدد من المراكز البحثية اليمينية مع أجندة مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، ويعدّ مركز هادسون على رأس هذه المراكز. ويمثل انضمام مايك بومبيو، وزير الخارجية السابق وأحد صقور إدارة ترامب ضد إيران، إلى المعهد دليلا على موقف المعهد المتشدد من إيران.

ويتمتع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، المعروف بقربه من مؤسسات اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، بمكانة فريدة في عدائه للاتفاق الإيراني ولعودة واشنطن إليه.

وعاد للانضمام إلى معهد واشنطن، ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأوسط، الذي كان أحد أكثر الأصوات تشددا تجاه إيران أثناء سنوات حكم ترامب.

ويضم معهد واشنطن أيضا الباحثين ماثيو ليفينت المسؤول السابق في وزارة الخزانة، ومايكل نايت، اللذين يركزان في عملهما البحثي على الدفع بوجود علاقات وتمويل لإيران بأنشطة متطرفة في أنحاء العالم.

الفئة الثانية: تؤيد

ويأتي معهد كوينسي على رأس هذه الفئة التي تضم عددا محدودا من المؤسسات البحثية المتخصصة في منع الانتشار النووي ومعارضة عسكرة السياسة الخارجية الأميركية.

ويترأس المعهد الباحث المخضرم أندرو بيسيفيتش المتخصص في السياسة الخارجية الأميركية.

ويضم المعهد اثنين من أشرس المدافعين عن ضرورة عودة واشنطن إلى التزام الاتفاق النووي مع إيران، وهما تريتا بارسي، نائب رئيس المعهد، وهو من أصول إيرانية، وجوزيف سيرنيسون الخبير في قضايا نزع السلاح والمستشار السابق لعدد من لجان الكونغرس.

ويظهر هؤلاء الباحثون في وسائل الإعلام المقربة من الديمقراطيين مثل شبكة "إم إس إن بي سي" (MSNBC)، ونشروا كذلك عشرات من مقالات الرأي المؤيدة لعودة واشنطن إلى الاتفاق، والمحذرة من تبعات استمرار سياسة التشدد القصوى ضد الشعب الإيراني.

وتضم هذه الفئة كذلك مبادرة مستقبل إيران بالمجلس الأطلسي، وهي مبادرة بحثية تشرف عليها خبيرة الشؤون الإيرانية باربرا سلافين، وتعمل على تقديم العرض الموضوعي لأهمية الاتفاق النووي للطرفين.

جدير بالذكر أن السفيرة السابقة، ويندي شيرمان، التي تعد أحد مهندسي الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، تتمتع بعضوية مجلس إدارة المجلس الأطلسي، كما أنها مرشحة لمنصب نائب وزير الخارجية أنتوني بلينكن، وتنتظر تثبيت ترشيحها من مجلس الشيوخ.

أنصار وأعداء

وبعيدا عن مراكز الأبحاث المؤدلجة، تضم العاصمة واشنطن عددا من مراكز الأبحاث المرموقة التي تشمل أصوات وشخصيات مؤيدة للاتفاق، وأخرى معارضة له.

ويأتي معهد بروكينغز ومجلس العلاقات الخارجية على رأس هذه المراكز.

وتؤدي ظاهرة الباب الدوار دورا في تأسيس علاقات واسعة بين مراكز الأبحاث والإدارات الحاكمة المتعاقبة التي تلجأ إلى شغل كثير من المناصب السياسية من خبراء هذه المراكز من ناحية، ومن ناحية أخرى تجذب هذه المراكز إليها المسؤولين السابقين بعد انتهاء خدمتهم بانتهاء هذه الإدارة أو تلك.

ويعد آليوت إبرام، مبعوث إدارة ترامب بخصوص الملف الإيراني، من أهم خبراء مجلس العلاقات الخارجية، وهو من أكثر الخبراء والمسؤولين السابقين تشددا بخصوص العلاقات مع إيران.

وفي الوقت ذاته يضم مجلس العلاقات الخارجية الباحث راي تقية، وهو متخصص في الشأن الإيراني، وعمل سنوات مستشارا في وزارة الخارجية، وهو من أنصار العودة الأميركية المنضبطة إلى الاتفاق النووي.

تبادل الأدوار

وتبادلت مراكز الأبحاث الأميركية الأدوار إزاء ملف العلاقات مع إيران في السنوات الماضية.

ففي عهد الرئيس أوباما عملت المراكز المتشددة تجاه إيران على مهاجمة سجل الإدارة الذي عدّته مهادنا لإيران، وعملت على إثارة الذعر بشأن الأنشطة الإيرانية وبرنامج طهران النووي.

وفي عهد الرئيس ترامب، تبنّت مراكز الأبحاث المؤيدة للاتفاق النووي إستراتيجية هجومية ضد سجل إدارة ترامب المعادي للاتفاق النووي، وحذرت من أن ذلك يدفع ويُقرب إيران من امتلاك السلاح النووي.

وفي النهاية، دفع غياب العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران منذ عام 1980 إلى وجود ندرة في الخبرة والمعرفة العميقة بالشأن الإيراني في دوائر السياسة الخارجية في واشنطن.

من هنا يميل أعضاء الكونغرس، على وجه الخصوص، إلى النظر إلى إيران من خلال عدسة الخطاب الإيراني الرسمي المعادي للولايات المتحدة وإسرائيل، أو من خلال عدسة خبراء مراكز الأبحاث الذين يدّعون الحيادية في عرضهم للشأن الإيراني.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أفادت تقارير إسرائيلية بأن الحادث الذي وقع اليوم في منشأة نطنز النووية في إيران كان على الأرجح نتيجة هجوم إلكتروني، في حين أكدت طهران أن المعلومات الأولية لا تسمح بتأكيد فرضية العمل التخريبي.

11/4/2021

أكد روحاني أن برنامج بلاده النووي سلمي، مع إطلاق أجهزة طرد مركزي، وذلك بعد اختتام مباحثات فيينا بشأن الاتفاق النووي، والذي أصرت فيه طهران على رفع العقوبات، الأمر الذي اعتبرته واشنطن سيؤدي إلى مأزق.

10/4/2021
المزيد من أخبار
الأكثر قراءة