ميديا بارت: هذا ما تكشفه لنا تشرنوبل عن مستقبلنا

لم نتعلم كل الدروس من تشرنوبل، ويتضح ذلك مع فوكوشيما، حيث تتم إعادة إنتاج نفس آليات التقليل من شأن الإشعاع على المدى الطويل، ونرتكب نفس الأخطاء لسوء الحظ.

إحدى القرى التي يطل عليها مفاعل تشرنوبل وقد أصبحت خاوية على عروشها (الفرنسية)
إحدى القرى التي يطل عليها مفاعل تشرنوبل وقد أصبحت خاوية على عروشها (الفرنسية)

في كتاب سريع النبض يغذيه أرشيف غير منشور وتدعمه تحقيقات ميدانية، تشرّح المؤرخة والأستاذة بمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا كيت براون، الإستراتيجية التي وُضعت عام 1986 للتقليل من شأن الخسائر الناجمة عن كارثة تشرنوبل النووية، وتجنب دراسة آثارها الطويلة المدى على المدنيين، حماية للصناعة المرتبطة بالطاقة الذرية.

بهذه المقدمة، انطلق موقع ميديا بارت (Mediapart) الفرنسي في عرض كتاب كيت براون "كتيب البقاء.. دليل تشرنوبل للمستقبل"، مشيرا إلى أن ما نسميه الكوارث النووية في ذهن أي إنسان تحيل على قنبلتي هيروشيما وناغازكي اللتين ألقتهما الولايات المتحدة عام 1945 على اليابان، ثم حادثة التسرب النووي في محطة تشرنوبل الروسية عام 1986، إضافة إلى محطة فوكوشيما بعد تسونامي والزلزال الذي ضرب اليابان عام 2011.

ومع أن تشرنوبل وفوكوشيما محطتان لتوليد الطاقة، فإن اسميهما ارتبطا إلى الأبد بالكوارث التي يمكن أن تسببها الذرّة للبشر، وأثرتا بعمق في خيال الناس، وإن كان لا يذكر منهما سوى الضحايا المباشرين الذين بلغوا -في أسوأ التقديرات- عشرات الآلاف من المدنيين غالبا، إلا أن وكالات الأمم المتحدة تقدم أرقاما منخفضة جدا بالنسبة لتشرنوبل تصل إلى ما بين 31 و54 وفاة رسميا.

غير أن قراءة في كتاب كيت براون الذي نشرت نسخته الفرنسية أمس الأربعاء تحت عنوان "تشرنوبل بالدليل"، تجعلنا نفهم أولا أن النتائج الحقيقية لن تُعرف أبدا، وإن كانت تقدر بما بين 35 و150 ألف وفاة، ونفهم ثانيا أن الإرادة لم تكن متوافرة، لا لدى السلطات السوفياتية ولا لدى الغرب ولا لدى وكالات الأمم المتحدة، من أجل معرفة النتائج والنظر في الآثار الصحية على المدى الطويل بين المدنيين.

ثمن يجب دفعه

وكان هدف الجميع -بحسب الكتاب- هو التقليل من شأن الموضوع إلى أدنى حد، وبذل قصارى الجهد في تجنب لفت الانتباه إلى الآثار الحقيقية للإشعاع، خاصة بسبب أهمية الصناعات النووية كبيرة فيما يتعلق بالمجمع الصناعي العسكري.

وتقول براون لميديا بارت -وهي ليست ناشطة مناهضة للأسلحة النووية، بل مؤرخة- إن اهتمامها بحادث تشرنوبل جاء بعد كتابها "بلوتوبيا: العائلات النووية والمدن الذرية وكوارث البلوتونيوم السوفياتية والأميركية" الذي سردت فيه قصة عنصر البلوتونيوم، والعواقب الصحية المترتبة على من يعملون في الصناعة النووية والأشخاص المحيطين بها، من خلال مصير مدينتين، إحداهما أميركية والأخرى سوفياتية.

وقالت براون إن هاتين المدينتين كانتا محاطتين بأكبر قدر من السرية العسكرية، لأنهما -في خضم الحرب الباردة- خصصتا لإنتاج البلوتونيوم الضروري لتصنيع القنابل الذرية، مستنتجة أن "الكارثة متعمدة"، لأن الإشعاع المنطلق في هذه المناطق كان يُنظر إليه على أنه ثمن يجب دفعه، ونبّهت إلى التأثير الصحي على السكان الذين يعيشون حول محطات توليد الطاقة بالبلوتونيوم هذه، موضحة أنهم يعانون من نفس الأمراض، سواء كان ذلك في الاتحاد السوفياتي أو في الولايات المتحدة، ولكن رأي الأطباء يقدّم الأمر على أنه عادي.

وفي محاولة لاختراق جدار الأكاذيب هذا، كما يقول الموقع، سافرت براون إلى أوكرانيا وروسيا البيضاء، إلى المناطق المتضررة من كارثة تشرنوبل، وحصلت على أرشيفات غير منشورة، وأجرت تحقيقات ميدانية، مما جعل كتابها فريدا، يقدّم مزيجا من الحقائق المأخوذة من وثائق الفترة، ووصف لزياراتها واجتماعاتها ولقاءاتها مع السكان والعلماء والأطباء، وأولئك الذين حاولوا تنبيه العالم إلى تأثير الكارثة على البشر والنباتات والحيوانات، والذين فعلوا كل شيء للتقليل من حجم الكارثة، ومن بينهم وكالات الأمم المتحدة.

ومن هذا المنظور -يقول الموقع- فإن الكتاب مرعب، حيث يجعلنا ندرك بجلاء أن هذه الوكالات ليست موجودة لحماية السكان، بل للحفاظ على الصناعة النووية. تقول المؤلفة إنها "وكالات سياسية"، سواء تعلق الأمر بالوكالة الدولية للطاقة الذرية أو "مساعدتها" لجنة الأمم المتحدة العلمية لدراسة آثار الإشعاع المؤين، مضيفة "لقد انتصروا في مستنقع تشرنوبل، وأوصوا بعدم القيام بأي شيء، لأن المشاكل الوحيدة التي وجدوها هي الخوف والجهل".

عرقلة

وفي حادثة فوكوشيما -بحسب الكتاب- نجد نفس المناورات من جانب وكالات الأمم المتحدة، حيث ينشر المسؤولون العلميون "ترسانة تكتيكية" كاملة من أجل القضاء على التقارير التي وصفت المشاكل الصحية في المناطق المتضررة من الكارثة.

تقول كيت براون في هذا الصدد "لقد استخدموا مجموعة متنوعة من الأدوات، مثل تصنيف البيانات أو الحد من نطاق الأسئلة، أو عرقلة التحقيقات أو عدم تمويل دراسات معينة أو حتى إجراء دراسات منافسة أو تصميم بروتوكولات البحث التي تهدف إلى الكشف عن الآثار الكارثية فقط، أو عمل تقديرات لإنتاج أرقام تخفي هامش الخطأ أو عدم اليقين، وقذف وتهديد الباحثين الخارجين عن الصف، وأخيرا رفض الحقائق المعروفة من أجل إجبار الباحثين على الاستمرار في تحقيقات مكلفة ودون جدوى، بقدر ما هي زائدة عن الحاجة".

وأشارت المؤلفة إلى أن تشرنوبل ليست مجرد حادث، بل هي "تعبير عن ذروة في سلسلة من التلوثات التي غيرت المناظر الطبيعية والأجساد والسياسة" في الدول الغربية، مثل الولايات المتحدة وفرنسا قبل الاتحاد السوفياتي، حيث كان المدنيون ضحايا للتجارب التي أجرتها الجيوش في الهواء الطلق، مع أنه يجب القيام بكل شيء لتجنب الشكاوى القانونية المحتملة، وبالتالي حقيقة البحث عن تأثير الإشعاع على المدى الطويل.

وترى الكاتبة أننا لم نتعلم كل الدروس من تشرنوبل، ويتضح ذلك مع فوكوشيما، حيث تتم إعادة إنتاج نفس آليات التقليل من شأن الإشعاع على المدى الطويل، وارتكاب الأخطاء نفسها لسوء الحظ، خاصة أن البعض يرى ضرورة تصعيد الطاقة النووية كحل للاحترار العالمي.

المصدر : ميديابارت

حول هذه القصة

أظهرت دراسة جديدة أن معظم الأشخاص الذين أصيبوا خلال طفولتهم أو مراهقتهم بسرطان الغدّة الدرقية بعد كارثة تشيرنوبيل النووية عام 1986، لا يزالون على قيد الحياة.

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة