اتفاقية تقاسم شط العرب بين العراق وإيران عام 1975.. هل ندم صدام حسين عليها؟

صدام اعترف لاحقا بأنه اضطر إلى عقد اتفاقية تقاسم شط العرب مع إيران لأنه كان يواجه تمردا في شمال البلاد مدعوما من طهران.

بومدين يتوسط صدام حسين (يمين) وشاه إيران لإبرام اتفاق بين العراق وإيران عام 1975 (غيتي)
بومدين يتوسط صدام حسين (يمين) وشاه إيران لإبرام اتفاق بين العراق وإيران عام 1975 (غيتي)

أبرم العراق وإيران قبل 46 عاما اتفاقية حدودية وقّعها صدام حسين نائب الرئيس العراقي آنذاك، وشاه إيران محمد رضا بهلوي، برعاية الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين.

وتضمنت الاتفاقية التي وُقّعت في 6 مارس/آذار 1975 مجموعة بنود أبرزها تقاسم شط العرب بين الدولتين مناصفة، وهدفت بغداد من هذا الاتفاق إلى إخماد التمرد الكردي المسلح في شمال العراق، الذي كان مدعوما من إيران حينئذ.

لكن هذه الاتفاقية لم تدم طويلا فقد ألغيت عام 1980 مع بدء الحرب العراقية الإيرانية، لتبقى مشكلة الحدود واحدة من أعمق أسباب النزاع في تاريخ الصراع العراقي الإيراني.

الخفاجي يرى أن مشكلات الحدود بين العراق وإيران تاريخية ويعدّها أم الأزمات بين البلدين (الجزيرة نت)

خلفية تاريخية

امتدت مشكلات الحدود بين العراق وإيران على مرّ التاريخ، وتُعد أم الأزمات منذ البدايات الأولى للتدخلات الإيرانية بالشأن العراقي أيام البابليين، حسب أستاذ السياسة الإستراتيجية الدكتور المساعد قحطان الخفاجي.

ويبيّن -للجزيرة نت- أن سبب عدم ترسيم الحدود بين البلدين، حسب الدلالات التاريخية، يعود إلى عدم رغبة إيران الحقيقية بذلك، لكي تبقي حالة من الانفلات وحالة من أسباب التوسع.

ويشير الخفاجي إلى اتفاقيات سبقت اتفاق الجزائر، منها اتفاقية عام 1913 التي شملت العراق وإيران ودول الخليج العربي وبعض المناطق الأخرى، كانت قد اعتمدت نقطة خط القعر في شط العرب الفيصل بين العراق وإيران، ومع هذا لم تؤخذ ولم تعتمد.

حتى جاءت اتفاقية 1937 التي أقرّت بأن شط العرب كله للعراق، وحينئذ كانت هناك بوادر للسلام حتى سميت هذه الاتفاقية بـ"وفاق الشرق الأوسط"، حسب الخفاجي.

ويتابع "في عام 1969 تراجعت إيران عن الاتفاقية بالكامل من دون أن تقدم أي شيء حقيقي على أرض الواقع، حتى جاءت اتفاقية الجزائر عام 1975".

ملابسات التوقيع

وعن ظروف توقيع اتفاقية الجزائر وملابساتها يقول أستاذ الجغرافيا السياسية الدكتور حسين قاسم الياسري، إن صدام حسين اعترف سنة 1980 بأنه اضطر إلى عقد هذه الاتفاقية، والتنازل عن نصف شط العرب لإيران لأنه لم يكن بإمكان الجيش العراقي الاستمرار في القتال في شمال العراق في ذلك الوقت، بسبب دعم إيران لمصطفى البارزاني الذي كان يقود التمرد الكردي ضد الدولة العراقية.

وفي حديثه -للجزيرة نت- يعرب الياسري عن اعتقاده أن صدام لم يكن يرغب وقتئذ في التفاوض مع الأكراد من أجل الاعتراف بكردستانية كركوك، ففضّل التنازل عن نصف شط العرب لإيران.

وكان سبب اختيار الجزائر -كما يفيد الياسري- هو انعقاد مؤتمر القمة للدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في الجزائر، وبمبادرة من الرئيس الجزائري آنذاك بومدين، وكانت هناك لقاءات بين رضا بهلوي، وصدام حسين، أجريت فيها محادثات تخص العلاقات الثنائية بين البلدين.

مناصفة شط العرب بين العراق وإيران تعدّ أبرز بنود اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران (الجزيرة نت)

مضمون الاتفاقية

وكان من أبرز بنود الاتفاقية إجراء تخطيط نهائي لحدود الدولتين البرية بناء على برتوكول القسطنطينية عام 1913، ومحاضر لجنة تحديد الحدود لسنة 1914، كما يقول الياسري.

وتضمنت كذلك تحديد الحدود النهرية حسب خط التالوك (أعمق النقاط في وسط شط العرب)، وقيام كل من الدولتين بإعادة الأمن والثقة المتبادلة على طول حدودهما المشتركة، والتزام إجراء رقابة مشددة وفعالة على هذه الحدود من أجل وضع حد نهائي لكل حالات التسلل ذات الطابع التخريبي.

وعدّ الياسري توقيع صدام على الاتفاقية خرقا للمادة (3) من الدستور العراقي المؤقت عام 1970 التي تنص على أن سيادة العراق وأرضه وحدة لا تتجزأ ولا يجوز التنازل عن أي جزء منها.

وينوّه أستاذ العلاقات الإستراتيجية الدكتور المساعد محمد ميسر فتحي بأن الاتفاقية منحت إيران مجالات حدودية واسعة لم تحصل عليها في المعاهدات السابقة، فقد حققت مكاسب مباشرة بمجرد دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.

وأوضح -للجزيرة نت- أن وضع إيران في شط العرب جعلها الشريك في السيادة على الجزء الأكبر منه استنادا إلى إعادة تحديد الحدود فيه على أساس خط التالوك.

إلياس رأى أن عملية توقيع اتفاق الجزائر جاءت في ظروف سياسية صعبة مرّ بها الطرفان (الجزيرة نت)

انهيار الاتفاق

ويرى الباحث المتخصص في السياسة الخارجية الإيرانية فراس إلياس أن الخطأ الذي اقترفته القيادة العراقية هو توقيع اتفاق سياسي وليس إستراتيجيا مع إيران، مما جعل صدام حسين يدرك أن هذا الاتفاق حقق مصلحة إيرانية أكثر مما يحقق مصالح الطرفين.

ويضيف -للجزيرة نت- أن تسرع القيادة العراقية في ذلك الوقت في إبرام الاتفاقية وعدم النجاح في استقراء الأوضاع المتغيرة في الداخل الإيراني، والرغبة في إنهاء التوترات في الداخل العراقي، دفع بالقيادة العراقية إلى تقديم تنازلات جوهرية للجانب الإيراني، من أجل الحفاظ على النظام السياسي.

ويبين إلياس أن توقيع اتفاق الجزائر جاء في ظروف سياسية صعبة مرّ بها الطرفان، ولعل هذه الظروف هي من أنتجت حالة الحرب بينهما في ما بعد، وهو ما جعل هذه الاتفاقية محط انتقاد مستمر بين الجانبين حتى اللحظة.

جنود عراقيون يحتفلون بعد انتصارهم على إيران بأحد المواجهات بين البلدين في حرب الثماني سنوات (الفرنسية – أرشيف)

شرارة الحرب

وقد وفرت التحرشات الحدودية الإيرانية فرصة صدام حسين الذهبية للخروج من عنق الزجاجة، إذ رأى أن هذه التحرشات هي عدوان يؤكد تخلي إيران عن الالتزامات التي تعهدت بها بالاتفاقية، حسب إلياس.

ويضيف أن صدام وجد أن هذه الظروف تمثل فرصة مناسبة لإعادة النظر في اتفاقية الجزائر، والتفاوض على اتفاق جديد مع الإيرانيين، يعيد التوازن السياسي بين الجانبين.

ويؤكد إلياس أن إلغاء اتفاق الجزائر كان واحدا من أسباب اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، وتحشيد قوات عسكرية عراقية على الحدود مع إيران، ومن ثم البدء بعمليات عسكرية داخل الحدود الإيرانية في 22 سبتمبر/أيلول 1980، فجميع تلك التحركات جاءت كمخرجات لإلغاء الاتفاق مع إيران.

استمرار الخلاف

ويلفت الخفاجي إلى استمرار الخلافات الحدودية حتى الآن، وأن هناك تجاوزات إيرانية على الحدود العراقية، وبالتحديد في منطقة الفكة البترولية المهمة التي سيطرت عليها إيران بعد عام 2003، وبدأت استغلالها.

في حين دعا فتحي العراق وإيران إلى السعي إلى تحقيق المصالح المشتركة وضمان علاقات تعاونية قائمة على الاعتمادية المتبادلة المشتركة، انطلاقا من مرتكزات التفكير الإستراتيجي العقلاني.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة