فوق سطح الخان بالقدس المحتلة.. مسار سياحي لترويج الرواية الإسرائيلية

خطر الحديقة التوراتية يكمن في تمكين السيطرة على مكان إستراتيجي في قلب الأحياء الإسلامية والمسيحية والأرمنية

لم يعلم المماليك حين سقفوا أسواق البلدة القديمة في القدس لوقاية مرتاديها من الشمس والمطر أن الاحتلال الإسرائيلي سيستخدم السقف بعد مئات السنين لتهويد المدينة ونشر روايته من فوق ما عُرف بسطح الخان في القدس المحتلة.

فقد أعلنت بلدية الاحتلال في القدس نيتها لإقامة مسار سياحي ومتنزه فوق سطح الخان الذي يعلو الأسواق التاريخية؛ العطارين واللحامين والخواجات والصاغة، بما تحتويه من أماكن أثرية مهمة؛ كسوق البازار وسويقة علون وخان السلطان وقهوة السلايمة، الملاصقة لحي القرمي وما تعرف بحديقة الإنجليز.

فكرة المشروع ليست جديدة؛ ففي عام 2012 أفصحت الجماعات الاستيطانية عن مخطط لمشروع فوق أسطح الأسواق التاريخية، بحجة تطويرها ضمن ما يسمى متنزه الأسطح، لكنه تأجل بسبب المعارضة الشديدة من قبل الأوقاف الإسلامية والتجار المقدسيين للمشروع، إلى جانب عدم توفر الدعم المالي الكافي له.

تتوزع مساحة سطح الخان بين أوقاف إسلامية وكاثوليكية وأملاك خاصة بعائلات مقدسية (الجزيرة)

وهذه المرة، رصد كندي يهودي ثري مبلغ تراوح بين 17 و20 مليون دولار لصالح المشروع التهويدي فوق سطح الخان.

ويقول خبير الخرائط والاستيطان خليل التفكجي للجزيرة نت إن المسار سيضم مرافق سياحية خدماتية؛ كالمقاعد والحمامات العامة واستراحات الطعام، ونقاط التفتيش والمراقبة، مبينا أن موعد تنفيذ وانتهاء المشروع لم يعلنا بعد.

ويمتد سطح الخان على مساحة وقفية كبيرة تتوزع ملكيتها بين أوقاف إسلامية وأملاك خاصة لعائلات مقدسية، وأوقاف تابعة للكنيسة اللوثرية الألمانية، التي يهددها التهويد والمصادرة في حال تنفيذ المشروع.

ويملك السطح إطلالة واسعة من الشرق على المسجد الأقصى وجبل الطور، ويحيط به مسجد برقوق وكنيستا القيامة والفادي.

مستوطنون يمرون من فوق سطح الخان (الجزيرة)

لماذا سطح الخان؟

على جانب سطح الخان تتواجد بؤرة استيطانية وكنيس يهودي باسم "غاليسيا"، وحديقة باسم "الصبرة" صودرت من أملاك الوقف الإسلامي وأملاك عائلة نسيبة المقدسية، وحسب التفكجي فإن المشروع يهدف إلى تأمين مسار المستوطنين بين البؤر الاستيطانية "غاليسيا" وما يسمى اليوم الحي اليهودي فوق سطح الخان، من دون المرور من الأسواق العربية أسفله.

ويشدد التفكجي على نية الاحتلال تغيير المشهد العربي في سطح الخان والسيطرة على السماء والأرض وما تحتها، فهو يعرض روايته التاريخية داخل الأنفاق أسفل الأسواق، ويسعى من خلال مشروع سطح الخان إلى عرض روايته فوق السطح أيضا، لوضع برنامج إسرائيلي جديد من خلال مسار سياحي يحكي رواية تاريخية يهودية.

أسواق أثرية مثل اللحامين والعطارين تعلو سطح الخان (الجزيرة)

توسع استيطاني وطمس للهوية البصرية

إلى جانب ذلك، يقول ناجح بكيرات نائب مدير عام الأوقاف الإسلامية في القدس للجزيرة نت إن مشروع سطح الخان يهدف إلى توفير مساحات جديدة للبؤر الاستيطانية الحالية، وبناء بؤر استيطانية أخرى، والسيطرة على مكان حيوي كسطح الخان وملئه بالأعلام والرموز اليهودية، وطمس الرؤية البصرية الأصلية للقدس.

ويضيف بكيرات أن دائرة الأوقاف الإسلامية رفضت المشروع منذ طرحه عام 2012، وخاطبت وزارة الخارجية الأردنية للتدخل، مبينة أهمية السطح، كما رممت الخان أسفله واستجلبت عائلات مقدسية للسكن في بيوته، لكن الجمعيات الاستيطانية استعانت بشرطة الاحتلال وبلدية القدس والقضاء الإسرائيلي، ويُخشى أن تمضي قدما في المشروع بعد توفر الدعم المالي، مستغلة انشغال العالم بجائحة كورونا والوضع الإقليمي المتردي.

إطلالة سطح الخان على كنيستي الفادي والقيامة ومسجد عمر وسوق الدباغة (الجزيرة)

رد الكنيسة اللوثرية

يوضح رئيس الاتحاد اللوثري السابق المطران منيب يونان للجزيرة نت أن جزءا من سطح الخان يعود للكنيسة اللوثرية الألمانية فوق سوق اللحامين، والتي تمتلك بعض دكاكين السوق أيضا، مؤكدا أن الكنيسة حافظت طوال السنين على الأوقاف المسيحية التابعة لها، وستعترض على أي مخططات تعتدي على حقوقها.

وأضاف يونان "تواصلت مع المطران سني عازر ومع القس الألماني لندرس الموضوع، علما أن الاحتلال لم يبلغنا بشيء، ولا يحق لأحد أن يتدخل في عقاراتنا، ولن نسمح بتمرير أي مخطط تهويدي".

وتواصلت الجزيرة نت مع "الكنيسة الإنجيلية اللوثرية للفادي" في القدس، فأجابت على لسان رئيس المؤسسات البروتستانتية الألمانية في القدس ياكيم لينز بأن "الجزء الأكبر من "سطح غاليسيا" ملكية بلا منازع للكنيسة اللوثرية، بصفتنا المالكين، ونتطلع إلى تطوير هذه المنطقة لصالح الأشخاص الذين يعيشون هنا والضيوف القادمين إلى القدس، ونؤكد ما قلناه دائما: لن نوافق على أي حل غير موجود في الاتفاقات التوافقية مع المالكين الآخرين للأجزاء الأصغر من السقف ومع الجيران هناك".

بؤر استيطانية تحيط بسطح الخان (الجزيرة)

متنفس المقدسيين

ويعد سطح الخان متنفسا للعديد من المقدسيين الذي يجتمعون فيه باستمرار، ويمارسون فيه رياضة "الباركور"، ويقيمون أنشطتهم رغم اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه المتكررة عليهم.

وتروي المقدسية رائدة صب لبن (46 عاما) للجزيرة نت أن عائلتها تمتلك 3 بيوت في حي القرمي، وهي متصلة عبر درج مباشر بسطح الخان، وتضيف" كل ذكريات طفولتي كانت على السطح، كنا نسميه سطح الصبر لاحتوائه على نبات الصبر، الذي كنا نأكل منه وتوبخنا أمنا بسبب ذلك".

وتضيف "قبل عامين كنت جالسة على سطح الخان أحدّث السياح عن تاريخ المكان، ففوجئت بشرطة الاحتلال توقفني وتستجوبني عن سبب وجودي، ضحكت بألم حينها عن كيف كانت حال السطح وأين صار".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تستعد إسرائيل لمشروع استيطاني جديد تتم عبره السيطرة على أسطح 77 متجرا تابعا للوقف الإسلامي، إضافة لعشرات العقارات والمنازل بملكية خاصة، وإقامة أسواق للمستوطنين لضرب الحركة التجارية للفلسطينيين، سعيا لفرض السيادة على فضاء وسماء البلدة القديمة وأسوار الأقصى لتثبيت الوجود اليهودي.

يقع خان الأقباط في حارة النصارى بالقدس ويجاور باب الخليل أحد أبواب المسجد الأقصى، ومسجد عمر بن الخطاب وكنيسة القيامة. ويتوسطه بركة كبيرة كانت تستخدم أيام العثمانيين لجمع أمطار الشتاء.

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة