المغرب يصادق على تقنين زراعة القنب الهندي …هل تنتهي عقود الاستغلال غير المشروع؟
وفق معطيات وزارة الداخلية المغربية تقلصت مساحة زراعة القنب الهندي في الأقاليم الشمالية للمملكة بالسنوات الأخيرة بنحو 65%

بعد جدل وتأجيل لمرتين، صادقت الحكومة المغربية أول أمس الخميس على مشروع قانون رقم 13.21 ( رقم 13 للعام 2021) المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي المعروف لدى المغاربة بـ "الكيف"، وتثير خطوة السلطات المغربية الكثير من النقاش بين مؤيد ومعارض للاعتراف القانوني بهذا النشاط الزراعي الذي ارتبط لعقود طويلة بتجارة المخدرات.
وجاء في بيان للمجلس الحكومي أن مشروع القانون يروم "إخضاع كافة الأنشطة المتعلقة بزراعة وإنتاج وتصنيع ونقل وتسويق وتصدير واستيراد القنب الهندي ومنتجاته إلى نظام الترخيص".
قصص مقترحة
list of 2 itemsويُخرج مشروع القانون -المنتظر عرضه على مجلسي البرلمان لاستكمال مساره التشريعي- النبتة المثيرة للجدل التي عمرت بالمغرب لأكثر من قرن من الدوائر غير المنظمة والمستغلة من طرف أباطرة الحشيش، ويُدخل الزراعة في نطاق الشرعية.
نقاش واسع
أثار طرح الحكومة لمشروع قانون تقنين "الكيف" نقاشا واسعا في المغرب، ويشهد تقنين القنب الهندي تجاذبا سياسيا بين مؤيدين ومعارضين، تشتد حدته مع اقتراب الانتخابات البرلمانية خلال العام الحالي، غير أن النقاش هذه المرة يأخذ منحى مختلفا ويدخل فعليا دورة التشريع، وذلك بالنظر إلى التحول الذي حصل حول المواد المخدرة على المستوى الدولي المتعلق بالتصويت للجنة المخدرات التابعة للأمم المتحدة، والذي حدث في 3 ديسمبر/كانون الأول 2020، إذ أزالت اللجنة القنب الهندي من قائمة المواد الأكثر خطورة.
ويقول نص مشروع القانون المتعلق بتقنين الكيف إنه "يندرج في إطار مسايرة التدرج الذي عرفه القانون الدولي من منع استعمال نبتة القنب الهندي إلى الترخيص باستعمالها لأغراض طبية وصناعية".
وبين الترحيب بقرار الحكومة المصادقة على مشروع القانون ورفضه، لا تزال دائرة النقاش تتمدد، إذ أصدر حقوقيون -ينتمون إلى المناطق الزراعية التي عُرفت تاريخيا بزراعة الكيف وهي منطقة "كتامة" وضواحيها والمعروفة بوعورة تضاريسها وتعمير زراعة الكيف فيها لمدة طويلة- بيانا يعبرون فيه عن الترحيب الأولي، ويُخضعون مواد المشروع للنقاش والتمحيص، وخصوصا ما يتعلق بتحديد مناطق الزراعة.
جلب الاستثمار
يشهد المغرب انتشارا واسعا لزراعة وإنتاج وتحويل وتسويق القنب الهندي ومادة الحشيش المستخلصة منه، وتصنفه التقارير الدولية أولَ مصدر ومنتج لمادة "راتنج القنب" (الحشيش) الذي يُستهلك على نطاق واسع في السوق الأوروبية، إذ ذكر تقرير المخدرات الصادر عن الاتحاد الأوروبي للعام 2018 أن 3 أرباع الكمية الإجمالية المضبوطة في الاتحاد الأوروبي من "راتنج القنب" الهندي في عام 2016 كان مصدرها المغرب.
ويقول المحلل الاقتصادي رشيد أوراز -في تصريح للجزيرة نت- إن "هناك دورة إنتاجية كاملة للقنب الهندي بالمغرب من الإنتاج (الزراعة) إلى التحويل والتسويق والتصدير خارج القواعد التجارية المسموح بها، بسبب الطلب المرتفع على مستخلصات القنب من المواد المخدرة، وهذه دورة إنتاجية قديمة جدا".
ويرى أوراز أن محاولة تقنين استعمالات القنب الهندي وإخراج هذا القطاع إلى النور ستعود بالنفع أساسا على الدولة التي سيكون لها هامش للمراقبة، وستجني جزءا من عائدات هذا النشاط.
ويضيف الاقتصادي المغربي أن التحكم في زراعة القنب الهندي سيسمح بإمكانية الاستثمار، وهذا ما يبسطه مشروع قانون المعروض على البرلمان المغربي، والذي يقول إن "المغرب يمكن له أن يستثمر الفرص التي تتيحها السوق العالمية للقنب الهندي".
ويضيف نص مشروع القانون أن "تطوير الزراعات المشروعة للقنب الهندي كفيل بتحسين دخل المزارعين، وحمايتهم من شبكات التهريب الدولي للمخدرات".
وينص المشروع على أن الاستفادة من السوق يقتضي "استقطاب الشركات العالمية الكبرى المتخصصة (…) وتأهيل الترسانة الوطنية القانونية من أجل تطوير وعصرنة زراعة وتصنيع القنب الهندي وجلب استثمارات، بغية الاستفادة من مداخيل السوق الدولية لهذه النبتة، مع وجوب تشديد المراقبة دون تحويل مسار هذا المنتوج نحو الاستعمالات غير المشروعة".
ترخيص ومراقبة
يقترح نص مشروع القانون إخضاع كافة الأنشطة المتعلقة بزراعة وإنتاج وتصنيع ونقل وتسويق واستيراد القنب الهندي ومنتجاته لنظام الترخيص، مع إنشاء وكالة (هيئة) وطنية يعهد لها بالتنسيق بين كافة القطاعات الحكومية، وتنمية سلسلة فلاحية وصناعية تُعنى بهذه النبتة.
ويوصي المشروع بفتح مجال للمزارعين للانخراط في تعاونيات (جمعيات مزارعين)، مع إجبارية استلام المحاصيل من شركات التصنيع والتصدير، وسن عقوبات رادعة للمخالفين.
كما ينص المشروع على أن أماكن زراعة القنب الهندي ستحدد بمرسوم وزاري، وأن الإنتاج سيكون في حدود الكميات الكافية لتلبية حاجيات أنشطة إنتاج مواد لأغراض طبية وصيدلية وصناعية، كما يتضمن المشروع مواد تحدد العقوبات والغرامات، وأخرى تنص على عقود البيع ومحاضر التسليم ينظمها القانون.
تخوفات وتساؤلات
وتعليقا على مصادقة الحكومة على مشروع القرار، يقول رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان محمد بن عيسى إن تنظيم هذا النشاط الزراعي "إجراء مهم"، ولكنه يتوقع صعوبة في تطبيق مقتضيات هذا المشروع، ويضيف الحقوقي المغربي أن تحديد مناطق لزراعة الكيف واستثناء أخرى يطرح تحديات، ويمكن أن يثير احتجاجات ومعارضة.
ويصف بن عيسى مشروع القانون بـ"الضبابي"، إذ يطرح العديد من التخوفات والتساؤلات بشأن مدى قابلية القانون للتنفيذ، ومدى استيعاب الوكالة المقترحة للإنتاج، ويخلص رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان إلى أن "نص مشروع القانون نظريا واضح، لكن إجرائيا تغيب ضمانات نجاحه".
ووفق معطيات وزارة الداخلية المغربية، فقد تقلصت مساحات زراعة القنب الهندي في الأقاليم الشمالية للمملكة في السنوات الأخيرة بنحو 65%، أي من 134 ألف هكتار إلى قرابة 47 ألفا و500 هكتار وفق آخر تقييم أنجزته السلطات بالاعتماد على صور الأقمار الاصطناعية.
تجدر الإشارة إلى أن الحديث عن تنظيم زراعة الكيف في المغرب يمتد لأكثر من 10 سنوات، ومن المتوقع أن تُسيل مدارسته والمصادقة عليه من طرف حكومة يقودها "الإسلاميون" الكثير من المداد، كما يتوقع أن يعرف جدلا واسعا خلال مناقشته تحت قبة البرلمان.
