العراق.. خفايا الصراع في ذي قار تشعل فتيل أزمة سياسية وشعبية دامية

سبق التصعيد الميداني حملة تصريحات وتغريدات على مواقع التواصل لنواب محافظة ذي قار هدفت للإطاحة بالمحافظ.

مواجهات الناصرية - المصدر الجزيرة
جانب مواجهات الناصرية (الجزيرة نت)

منذ 5 أيام وصوت الرصاص والقنابل المسيلة للدموع تتسيد المشهد العام في مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار جنوبي العراق، وقد امتلأت الطرقات والشوارع الرئيسية بآثار دماء الشباب الذين تلقوا ضربات مباشرة خلال إطلاق النار بعد المواجهات الدامية التي جرت على إثر تصعيد جديد دعا إليه المحتجون لإقالة المحافظ ناظم الوائلي.

التصعيد في الاحتجاج كان صادما ومتسارعا على نحو غير مسيطر عليه، إذ بدأت المظاهرات صباح الاثنين الماضي، أمام مبنى ديوان المحافظة وسط الناصرية للمطالبة بإقالة المحافظ، إضافة لوجود محتجين آخرين من خريجي الجامعات الباحثين عن فرص للعمل. لكن مسار الأحداث تغير وبدأ المحتجون برمي الحجارة على واجهة المبنى الأمر الذي أدى لمغادرة الموظفين بسرعة.

بعدها بحسب شهود عيان، تطورت الأحداث بوصول قوات مكافحة الشغب والتي يرتبط وجودها بذكرى سيئة مع المحتجين طوال الحراك الشعبي في البلاد وانطلق في أكتوبر/تشرين الأول 2019، مما عقد الموقف أكثر، وحصلت حينها المواجهات والاشتباكات وسقط على إثرها فتى (14 عاما) قتيلا إلى جانب سقوط العديد من الجرحى بين الطرفين.

كان اليوم الأول الدامي قد دفع القوات الأمنية لرفع التأهب وإعلان حظر التجوال في الناصرية، غير أن المحتجين خرجوا اليوم الثاني والثالث والرابع بأعداد أكبر، وكانت المواجهات تبدأ بعد الظهر وتنتهي في المساء، وتشهد خلال تلك الساعات عمليات كر وفر وإطلاق نار مستمر أدى لسقوط مزيد من القتلى والجرحى.

دخان وغاز مسيل للدموع وحرائق خلال مواجهات الشغب والمتظاهرين في الناصرية (الجزيرة)
دخان وغاز مسيل للدموع وحرائق خلال مواجهات الناصرية أمس (الجزيرة نت)

يوم عصيب

وتصاعدت الاحتجاجات أمس الجمعة في الناصرية، حيث احتشد الآلاف من المواطنين على جسري النصر والزيتون مركزي تصاعد المواجهات بين المحتجين والقوات الأمنية بمختلف أجهزتها والتي سقط فيها عدد كبير من الجرحى، وسط حالة من الغليان اجتاحت المحافظة ومدنا أخرى.

ويؤكد الناشط والمدون مصطفى الفارس أن سبب تصاعد وتيرة الاحتجاج الأخيرة في الناصرية هو إهمال الحكومة المحلية لمطالب المحتجين وكذلك عدم اكتراث المحافظ بما يجري والمطالبة بإقالته، إلى جانب أن زيارة وزير الداخلية عثمان الغانمي ورئيس جهاز الأمن الوطني عبد الغني الأسدي الأربعاء الماضي للمحافظة انتهت دون تحقيق مطلب المحتجين الرئيسي وهو إقالة المحافظ مما عقد الموقف أكثر.

يضيف الفارس، للجزيرة نت، أن عدم اهتمام الحكومة المركزية بشكل صريح بما حدث في الناصرية زاد من حدة الغضب، مشيرا إلى أن وزير الداخلية ورئيس جهاز الأمن طلبا مهلة 10 أيام حتى انقضاء زيارة بابا الفاتيكان فرانشيسكو المقررة للمحافظة مطلع الشهر القادم، ولم يصدروا أي قرار يتعلق بإقالة المحافظ الذي هو سبب المشكلة بالدرجة الأساس بحسبه.

جانب من احتراق غرفة في مبنى ديوان محافظة ذي قار (متداولة)
محتجون أضرموا النار في مبنى ديوان محافظة ذي قار (الجزيرة نت)

خفايا الاحتجاج

سبق التصعيد الذي حدث في الناصرية، للمطالبة بإقالة المحافظ، تصريحات وتغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي لنواب محافظة ذي قار حيث كانت هناك حملة أطلقت للإطاحة بالمحافظة، لاعتقادهم بضرورة استبدال المحافظ لأنه سيئ ولم يقدم أي خطوات ملموسة بالمحافظة.

وأكدوا في تصريحاتهم أن المحافظ متهم بابتزاز دوائر الدولة وشركات استثمارية وهيئة الاستثمار، وأنه أوقف عمل الكثير من الشركات العاملة بالمحافظة ما لم تدفع له حصة معينة مقابل الاستمرار بالعمل.

وأكدت مصادر محلية للجزيرة نت أن الموضوع يتعلق بموازنة المحافظة الضخمة التي بلغت في مشروع موازنة 2021 ما يقارب تريليون و300 مليار دينار (900 مليون دولار) وهذا الرقم أظهر خلافا بين نواب المحافظة الذين يحاولون الحصول على حصص بالمقاولات والاستثمارات الخاصة لكنهم كانوا على خلاف سياسي مع المحافظ الذي كان مدعوما من قبل جزء من أعضاء كتلة "سائرون" الصدرية وأعضاء بكتلة "الفتح".

وتضيف المصادر أن الخلاف انتقل رسميا من مواقع التواصل إلى أرض الواقع بدعم ودفع من قبل النواب المختلفين مع المحافظ من أجل الإطاحة به وتنصيب خلف له يمكنه أن يكون قادرا على تلبية مطالبهم، لكن الوضع خرج عن سيطرة النواب والداعمين لبعض الأشخاص الذين خرجوا للتظاهر.

ولم يكن الوضع مسيطرا عليه بالكامل، بحسب المصادر، فكان الغرض من المظاهرات بادئ الأمر هو الضغط على المحافظ قدر الإمكان. لكن بعد تفاقم الأمور، بدخول ناشطي الحراك الشعبي (متظاهري ساحة الحبوبي) على الخط، وانضمام مئات الشباب الذين كانوا ساخطين من إدارة المحافظة، تصاعد الاحتجاج ووصل لهذه المرحلة.

ويؤكد يحيى المنصوري، وهو أحد المتظاهرين في الناصرية، للجزيرة نت، أن المظاهرة لم تكن سياسية أو مدفوعة من أحد، فقد اندفع الشبان بشكل غاضب بسبب ضعف المحافظ وسيطرة الأحزاب عليه، وما اتهم به من عرقلة الكثير من أعمال المحافظة "وهذا ما شاهدناه أمامنا كيف تسيطر عليه إحدى الكتل السياسية".

ويضيف أن إحدى الكتل السياسية وضعت شخصا منها مع المحافظ بصفة مستشار، وفي الحقيقة هو الذي كان يدير المحافظة ويسير الأمور ويعقد الصفقات بحسب توصيات كتلته السياسية، مؤكدا أن خروج الاحتجاجات لم يكن بدعم أو دفع من جهة كما يحاول البعض أن يروج.

مواجهات الناصرية - المصدر الجزيرة
قوات الأمن من أجهزة مختلفة حاولت السيطرة على الوضع بالناصرية (الجزيرة نت)

محاسبة

وعن الأوضاع في الناصرية، يقول النائب عن كتلة "الفتح" ناصر تركي للجزيرة نت أنه كان من المفترض أن يكون الأسبوع الجاري استضافة للمحافظ الوائلي في لجنة النزاهة النيابية لمناقشة ملفات مهمة داخل المحافظة وما حدث فيها، مؤكدا أن هناك شكاوى كثيرة تتعلق بالمحافظ ورفع دعاوى قضائية عليه من قبل أحد النواب مما استدعى استضافته.

ويضيف تركي بأن كل المؤشرات كانت تتجه إلى أنه سيتم إعفاء المحافظ من منصبه، وهو ما كان متوقعا منذ أول يوم من خروج المظاهرات.

النائب عبد الأمير الدبي عن كتلة "الفتح" أيضا أكد للجزيرة نت أن المحافظ تم تغييره منذ أول يوم من المظاهرات التي جرت، لكن عدم حسم البديل ساهم بتأخير إعلان إقالته من المنصب كثيرا.

ضحايا التصعيد

وعلى مدى الأيام الخمسة الماضية بلغ عدد قتلى المحتجين 7 أشخاص وحصيلة الجرحى وصلت 271 إصابة، بينها 147 إصابة بصفوف القوات الأمنية، وقد تراوحت الإصابات بين رصاص حي وهراوات وضرب بالحجارة وحالات اختناق.

وعلى إثر أحداث الناصرية، أصدر رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي بيانا خاصا أكد فيه أن الإجراءات التي تم اتخاذها تمثل مقدمة للشروع في حملة كبرى لإعمار المحافظة ومنها تكليف محافظ جديد وتشكيل مجلس استشاري مرتبط برئيس مجلس الوزراء، وفتح تحقيق واسع للوقوف على المسؤولين عن الأحداث الأخيرة.

وأكد الكاظمي أن الحكومة ستقدم كل الدعم لمحافظ ذي قار المعين حديثا عبد الغني الأسدي والمجلس الاستشاري للنهوض بواقع المحافظة، وتقديم الخدمات لمواطنيها.

المصدر : الجزيرة