ثالث حكومة في عام.. أي دلالات للتعديل الوزاري في الجزائر؟

مراقبون يرون أن حكومة عبد العزيز جراد الثالثة سترافق الانتخابات البرلمانية المرتقبة في غضون أشهر قليلة

تبون: سمعت نداء المواطنين بخصوص الأداء الحكومي وقررت التعديل الوزاري (الجزيرة)
تبون: سمعت نداء المواطنين بخصوص الأداء الحكومي وقررت التعديل الوزاري (الجزيرة)

لم يكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يُنهي عامه الأول في قصر المرادية حتى اضطر إلى إعلان تشكيل حكومي ثالث مسّ مجددا قطاعات حيوية ذات صلة بالخدمات اليومية للمواطن، وحقائب أخرى اقتصادية إستراتيجية.

وكان تبون صرح، في خطابه الأخير الخميس الماضي، أنه "على علم بالانتقادات التي يبديها المواطن عن حق، بخصوص نقص في أداء السلطة المحلية أو بعض القطاعات الحكومية" مضيفا "سمعت النداء وقررت إجراء تعديل حكومي خلال الـ 48 ساعة القادمة".

ونفذ الرئيس وعده، ولو أنه جاء متأخرا يوما كاملا، ليقرر إبعاد 11 وزيرا، ضمن حكومة عبد العزيز جراد، شملت السكن والعمران والمدينة، ودوائر الأشغال العمومية والنقل، والموارد المائية، والصناعة، والطاقة والمناجم، والسياحة، والرقمنة والإحصائيات، ووزارة البيئة، ودوائر وزارية أخرى.

وبذلك تقلص عدد الدوائر الوزارية من 39 حقيبة في الحكومة الأولى، التي عينها تبون في 2 يناير/كانون الثاني 2020، إلى 34 حقيبة حاليا، مع "التركيز على الفعالية في الميدان بإقحام كفاءات جديدة" حسب بيان للرئاسة.

وحافظ الوزير الأول (رئيس الحكومة) جراد على موقعه رغم التسريبات التي روجت لإمكانية إقناع أحد رموز المعارضة بتقلد المنصب، إضافة إلى استمرار كافة مسؤولي الحقائب السياديّة، على غرار الداخلية والخارجية والعدل والمالية والتربية والتعليم العالي وسواها، في وقت ظل تبون ممثلا لوزير الدفاع.

واللافت سياسيا، في الفريق الثالث لطاقم جراد، هو الاستعانة بخدمات وزيرين من طاقم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، هما وزيرة البيئة دليلة بوجمعة، والمكلف بقطاع السياحة محمد علي بوغازي.

ويُحسب الأخير على التيار الإسلامي، رفقة وزير العمل الهاشمي جعبوب، لتصبح الحكومة ممثلة برمزين من هذا التيار، مع أنّ أحزابه غير معنية بالمشاركة رسميّا في الجهاز التنفيذي.

لكن بشكل عام، حافظت على طابعها التكنوقراطي المستقل دون تمثيل حزبي واضح، سوى وزيرة العلاقات مع البرلمان، والتي يعتبر حزبُها وجودَها فرديا.

تركة ثقيلة

ويأتي تكليف الحكومة الجديدة في سياق اقتصادي معقد، حيث توقع قانون المالية ارتفاع عجز الخزينة العمومية إلى 17.6% من الناتج المحلي الخام للبلاد خلال 2021، بما يعادل 22 مليار دولار، إضافة إلى تراجع احتياطيات الصرف إلى أقل من 47 مليار دولار السنة الجارية.

وحسب وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، فإن عروض العمل في السوق الجزائرية قد تراجعت بنسبة 30%، على خلفيّة تداعيات فيروس كورونا.

كما تكبدت الشركة النفطية الوطنية "سوناطراك" خسائر تقدر بـ 10 مليار دولار إلى نهاية سبتمبر/أيلول 2020 بسبب آثار الجائحة، مسجلة انخفاضا بنسبة 41% من رقم أعمالها للتصدير.

وحسب مراقبين، فإن الحكومة المعلنة ستواجه رهانات تحريك الشارع، في ظل تراجع حالة الخوف من كورونا، والتوسع التدريجي لرقعة الاحتجاجات المطلبيّة بفعل الصعوبات المتنامية لظروف المعيشة، حسب مراقبين.

مدير مركز المنظور الحضاري فاروق طيفور يرى أن التعديل الحكومي لم يكن عميقا أو مثيرا للانتباه باستقدام شخصيات وازنة (الجزيرة)

إجراءات تهدئة

وفي قراءته لخلفيات وسياق التغيير الحكومي، يعتقد فاروق طيفور مدير مركز المنظور الحضاري (غير حكومي) أن التعديل جزء من سلسلة تدابير فرضتها إكراهات تتعلق بمحدودية الإنجاز في مرحلة ما بعد الحراك الشعبي، والمتطلع نحو التغيير الجذري والعاجل تحت شعار "يتنحّاو قاع" في وقت لم تتمكن الحكومة من إعطاء صورة مختلفة عن الأداء السابق.

وفي حديثه للجزيرة نت، قال طيفور إنّ تجديد الفريق الوزاري يرتبط كذلك بضغوطات وباء كورونا، ومرض الرئيس الذي أقر شخصيا بالأداء المتواضع للمجموعة.

كما أدرج طيفور خطوة الرئاسة ضمن التعاطي مع الذكرى الثانية للحراك، والخوف من استغلال حالة الإنجاز المحدود لتوتير الأجواء العامة، واستخدامها لإشعال الشارع من جديد.

ويعتبر أن التعديل الحكومي من جملة إجراءات التهدئة التي طالبت بها الطبقة السياسية في مشاوراتها مع تبون مؤخرا، على غرار العفو الرئاسي عن سجناء الحراك أو حلّ البرلمان، وغيرها.

ويؤكد طيفور أنّ التعديل الحكومي لم يكن عميقا ولا مثيرا للانتباه باستقدام شخصيات وازنة، تستطيع تغذية الرأي العام بمصداقية خطاب التغيير الذي تسوق له السلطة الحالية.

وكشف أن معلوماته الموثوقة تفيد بأن الرئيس لم يتشاور مع الأحزاب حول المشاركة بالحكومة، بل أعلمها فقط بالتوجه نحو التعديل، فهو يحضّر، برأيه، لحكومة ما بعد الانتخابات القادمة والقريبة جدا، في غضون 90 يوما.

أستاذ الإعلام والاتصال إدريس بولكعيبات يرى أن التشكيلة الجديدة مجرد حكومة تصريف أعمال (الجزيرة)

تصريف أعمال

من جانبه، أكد إدريس بولكعيبات أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة قسنطينة أن التعديل الجزئي على الحكومة شكل مفاجأة للرأي العام "لأنه أقل مما كان منتظرا، خاصة بعدما ألمّح الرئيس تبون، قبل ذهابه للعلاج بألمانيا، نيته إبعاد الوزراء المقصّرين".

وحسب بولكعيبات، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هذه الحكومة كانت الأقل حظّا، فقد عملت في مناخ سياسي واجتماعي واقتصادي غير مناسب.

وفي حديثه للجزيرة نت، اعتبر أن مهمة الحكومة كادت أن تنحصر في مدى القدرة على التكيف مع جائحة كورونا، كما أن حالة الإحباط جراء بطء عملية الإصلاح الموعودة أجبرت الحكومة على تخفيض نشاطها إلى الحد الأدنى.

ووصف التشكيلة الجديدة بأنها عمليا مجرد حكومة تصريف أعمال، ولا وجود لأولويات على أجندتها، لكنها تبقى في أمس الحاجة لإنجاز أشياء ملموسة لتهدئة الشارع الذي فقد الثقة في الخطاب المشبع بوعود قلّما تتحقق، على حدّ تعبيره.

وفي السياق، يرى مراقبون أن حكومة جراد الثالثة سترافق الانتخابات البرلمانية المرتقبة في غضون أشهر قليلة، بعد ترسيم حل المؤسسة التشريعية بمرسوم رئاسي.

وستكون الورشات التشريعية لصياغة قوانين جديدة، تماشيا مع الدستور المعدل، من ضمن ملفاتها المستعجلة، لتجسيد تعهدات الرئيس بتحرير الفضاء العام وترقية الحياة الديمقراطية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قبلت المحكمة العليا في الجزائر الطعن بالنقض في قضية رئيسيْ المخابرات سابقا محمد مدين وعثمان طرطاق، إضافة إلى السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس السابق، ورئيسة حزب العمال لويزة حنون؛ فما دلالات هذا التحرك؟

المزيد من أخبار
الأكثر قراءة