خبير فرنسي: الصورة السيئة للجيش الفرنسي بالساحل تصب في مصلحة الجهاديين

MALI : A convoy of the French army coming from Bamako and going to Daibali (400km north of Bamako) is pictured on January 24, 2013 in Segou. Paris sent in its forces on January 11 to rescue Mali from Al Qaeda-linked groups controlling the north. AFP/PHOTO ERIC FEFERBERG
قوات فرنسية في مالي ضمن عملية "برخان" التي أطلقتها فرنسا عام 2014 "لمحاربة الإرهاب" في منطقة الساحل الأفريقي (الفرنسية)

يواجه التدخل الفرنسي في منطقة الساحل الأفريقي عداء متزايدا تجلّى في الأيام الأخيرة في التعبئة التي عارضت في بوركينا فاسو ثم في النيجر مرور قافلة عسكرية كانت في طريقها إلى مالي، في وضع وصفه مسؤول فرنسي بأنه "مقلق".

ولاستجلاء الصورة، أجرت مجلة "لوبس" (L’Obs) الفرنسية مقابلة مع رافائيل غرانفو، عضو جمعية "سورفي" (Survie) المهتمة بالعلاقات الفرنسية الأفريقية، قال فيها إن العداء للقوات الفرنسية التي تتدخل في منطقة الساحل في إطار عملية "برخان" منذ عام 2014 ليس وليد اليوم.

وفي المقابلة التي أجرتها معه سارة ضيف الله، قال الخبير في الشؤون الفرنسية الأفريقية إن هذه القافلة، التي أطلق عليها موقع بوركينابي اسم "القافلة الملعونة"، وصلت مساء الأحد إلى مدينة غاو بشمال مالي، بعد أن أوقفها يوم السبت في النيجر -عقب اعتراضها في بوركينا فاسو- متظاهرون يطالبون برحيل القوات الفرنسية ورموها بالحجارة، وأدى ذلك إلى مقتل شخصين بالرصاص، في ظروف غامضة ألقي باللوم فيها حينا على القوات النيجيرية وحينا على القوات الفرنسية.

صورة سيئة

وقال غرانفو إن المعادين لوجود القوات الفرنسية لم يرفعوا أصواتهم من قبل بهذه القوة، إلى درجة إجبار القافلة العسكرية على التراجع إلى جيب عسكري بعد اشتباكات مع المتظاهرين في بوركينا فاسو، مشيرا إلى أن هذا العداء يأتي على خلفية تدهور الوضع الأمني ​​في المنطقة، حيث تتواصل الهجمات الجهادية، من دون أن تنجح الجيوش المحلية وحلفاؤها الغربيون في كبح جماحهم.

وتعطي هذه الصورة السيئة -حسب رافائيل غرانفو- مزيدا من المصداقية لدعاية الجماعات الجهادية التي تبدو كأنها "مقاومة" في وجه "جيش الاحتلال".

وعند السؤال عما إذا كانت القوات الفرنسية تدفع ثمن عجزها عن كبح جماح التهديد الجهادي، قال الناشط في جمعية سورفي إن العملية الفرنسية ليست غير فعالة فحسب، بل إنها أتت بآثار عكسية في ما يتعلق بالأهداف المحددة لها مثل "مكافحة الإرهاب"، لأن هذا الوجود العسكري أعفى القادة الأفارقة المعنيين من التعامل مع المشاكل الأساسية، ليكتفوا بتسويغ عملية "برخان"، من دون التطرق إلى المشاكل التي تسمح للجهاديين بمواصلة التجنيد، كالظلم والتمييز والصراعات المحلية والانتهاكات التي ارتكبتها جيوشهم.

وأسوأ من ذلك -حسب غرانفو- أن قوة "برخان" تبدو متواطئة في هذه الانتهاكات، لأنها تدعم القوات الأفريقية، ولا تستنكر المجازر التي ترتكبها ولا تشترط احترام حقوق الإنسان للحصول على دعمها، وذلك جعل ابتزاز القوات الأفريقية وتشويه سمعة دول القارة وقودا قويا لعمليات التجنيد للجماعات الجهادية المسلحة.

وقد كانت لأساليب تدخل الجيش الفرنسي آثار ضارة، من ضمنها مسؤولية فرنسا عن مقتل مدنيين في سياق "الأضرار الجانبية"، في وقت أظهرت فيه دراسات عدة بوضوح أن المقاتلين الأساسيين ليسوا إرهابيين متعطشين للدماء في حالة حرب مع الغرب، كما تصفهم السلطات الفرنسية لتبرير غاراتها، بل إن المجندين غالبا ما يكونون صغارا، مدفوعين بقضايا محلية وشخصية، وبالرغبة في العدالة أو الانتقام أو ربما بالصعود في المجتمع عن طريق حمل السلاح، كما يرى غرانفو.

وفي السياق نفسه، تأتي مشاركة الجيش الفرنسي في أنشطة الشرطة بنتائج عكسية، خاصة عندما يعدّ كل قروي مشتبها به محتملا، ويقوم بتفتيش الأشخاص والمنازل ومصادرة الهواتف المحمولة والدراجات النارية، ويأخذ عينات من اللعاب لتشكيل قواعد بيانات الحمض النووي، وهي إجراءات تعدّ ممارسات مذلّة من قِبل قوة أجنبية.

نتائج عكسية

وما عدا الصورة السيئة للجيش الفرنسي ودعمه للأنظمة الاستبدادية والفاسدة -كما يقول غرانفو- هناك جوانب سلبية أخرى، مثل صمت الجيش الفرنسي أو حتى إنكاره أحيانا الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعات ذات أجندة محلية ضد أخرى، مما أدى إلى تفاقم التوترات المجتمعية في سياق شديد الاشتعال والرمي ببعض السكان في أحضان الجهاديين.

ومع أن فرنسا تفاخرت -كما يقول الخبير- بأن لديها "إستراتيجية عالمية"، وأن جيشها يمكن أن يضطلع بدور في قضايا تنموية تتضمن الأعمال المدنية والعسكرية من خلال إحياء الاقتصاد كمرحلة تالية للعمليات العسكرية، فإن هذا الجهد لم يؤدّ إلى النتائج المتوقعة، فالجهاديون يعاودون الظهور في الأماكن التي ينسحب منها الجيش الفرنسي وكان يُعتقد أنها أصبحت مستقرة.

وقل غانفو "نحن في فرنسا نخدع أنفسنا في مسألة فعالية جيوشنا في حل الأزمات في أفريقيا، فما نقدمه من علاج يفاقم الشر في كثير من الأحيان، ومن ثم فإن هناك حاجة ملحّة إلى التفكير في هذا الأمر أثناء الخطب السياسية، علما أن مسؤولية تدهور الوضع في منطقة الساحل تقع على عاتق الجميع، من السلطات الأفريقية إلى بعثة الأمم المتحدة في مالي إلى الجيوش الأفريقية إلى ضعف التزام الأوروبيين".

برخان.. فشل خطط له

وعند السؤال عما سيحدثه تقليص عدد أفراد القوات الفرنسية في مالي، رأى غرانفو أن مثل هذا التقليص سيغير أساليب عمل الجيش الفرنسي لينتقل من إستراتيجية مكافحة التمرد مع وجود قوي على الأرض، إلى عمليات أكثر صرامة لمكافحة الإرهاب تعتمد على القصف الجوي وعمل القوات الخاصة، فضلا عن دعم القوات الأفريقية على الأرض، ولكن مهما حدث من تحول في شكل التدخل وحجمه، فإن فرنسا لن تتخلى بحال من الأحوال عن قيادة جهود مكافحة الإرهاب في المنطقة.

وأشار الخبير إلى أن هناك عاملين يمنعان من إنهاء عملية "برخان" إنهاء حاسما، أولهما أن ترك الميدان بصورة مفاجئة يناقض منطقا سياسيا وهدفا معلنا لا يمكن التراجع عنه، هو أنه "لا يمكننا المغادرة حتى تُحلّ قضية الإرهاب"، خاصة أن فرنسا العضوة الدائمة في مجلس لديه حق النقض تسعى لإثبات قدرتها على حفظ النظام في مناطق نفوذها بأفريقيا، "كما أن فرنسا لا تزال تعتقد أن تدخلها له آثار إيجابية. وهو ما لا أراه".

أما العامل الثاني، حسب غرانفو، فهو الخشية، على الصعيدين السياسي والعسكري، من تدخل دول أخرى لملء أي فراغ قد يتركه انسحاب القوات الفرنسية، مضيفا "لا نريد أن نرى روسيا أو تركيا تتعدّيان بشكل أكبر على ما لا يزال يعدّ منطقة نفوذ فرنسية. نحن نرفض أن نرى البلدان الأفريقية تختار الشركاء الذين تريدهم بحرية".

وفي ما يتعلق بالمصالح الإستراتيجية الفرنسية في أفريقيا، يرى الخبير الفرنسي أن العسكريين والسياسيين يفكرون انطلاقا من مبدأ "نظرية الدومينو" التي بموجبها إذا فقدت فرنسا موطئ قدمها في بلد ما، فإن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى التشكيك في أهمية وجودها العسكري ونفوذها السياسي في دول الجوار الأخرى، وذلك سيؤثر سلبا في المصالح الاقتصادية الفرنسية.

وخلص غرانفو إلى أن فرنسا لا تسعى إلى وضع إستراتيجية للخروج من منطقة الساحل، بل ستبقى تبعا لمنطق أمني وعسكري بحت، يقوم على تحييد الجهاديين، وهو منطق لا يمكن التخلي عنه إلا إذا افترضنا أن السلطات الأفريقية تتبنّى خيارات إستراتيجية وسياسية خاصة بها وأن العمليات العسكرية تخضع لها، لكن الحقيقة هي أن فرنسا تفرض على تلك الدول إستراتيجيتها الخاصة.

المصدر : لوبس