لوموند: في الشرق الأوسط أنظمة استبدادية تؤجج اليأس.. فأنى لها أن تكتب تاريخ منطقتها؟

President Biden Delivers Opening Remarks At Virtual Summit For Democracy
الرئيس بايدن يلقي كلمة افتتاحية في القمة الافتراضية للديمقراطية (الفرنسية)

قالت صحيفة لوموند (Le Monde) الفرنسية إن عدم دعوة الرئيس الأميركي جو بايدن لأي دولة عربية -ما عدا العراق- إلى قمة الديمقراطية التي عقدها افتراضيا هذا الشهر، دليل على انسداد العديد من طرق التغيير في الشرق الأوسط.

وفي عموده بالصحيفة، يشرح المحلل جيل باريس الأسباب الرئيسية لما يسميه "مصيبة الشرق الأوسط"، ويلقي الضوء على مخاطر انسحاب الولايات المتحدة ولو جزئيا، على المنطقة.

ففي المشرق العربي، يرى باريس أن الانهيار الداخلي البطيء المتواصل في لبنان، واستمرار الحرب المدمرة في اليمن، وعصا الأنظمة الاستبدادية الثقيلة، لا تزال تؤجج اليأس، وتدفع عشرات الآلاف إلى الهجرة كل عام، أما في المغرب العربي، فليس الأمر بأحسن حالا، فالجمود الليبي والانقلاب المؤسسي الذي قام به الرئيس التونسي قيس سعيد والتوترات بين الجزائر والمغرب لا تدعو إلى مزيد من التفاؤل.

ولئن كانت هناك أسباب عديدة لمحنة الشرق الأوسط، فإن 3 محاور رئيسية -كما يرى المحلل- هي التي استمرت في إحداث آثارها طوال عام 2021، أولها مقاومة التحول الديمقراطي من جانب الأنظمة التي تمنع بشكل منهجي مواطنيها من تنظيم انتخابات حرة، مما يمنع معاقبة الخيارات السياسية عندما يتضح أنها مدمرة.

انغلاق طائفي

ونبه كاتب العمود إلى أن المنطقة العربية، أصبحت بسبب تواصل القمع فيها، بطلة العالم فيما يتعلق بكثرة السجناء السياسيين، وعلى رأسها مصر، حيث يقدر عددهم بعشرات الآلاف، وبعدها القمع الفلسطيني الداخلي في الضفة الغربية الذي ينضاف إلى القمع الأقدم في غزة، علما أن أحد الشخصيات القليلة العربية المدعوة للتحدث على هامش قمة جو بايدن الافتراضية، هو الناشط المصري في مجال حقوق الإنسان محمد زارع الممنوع من مغادرة وطنه.

وحتى عندما تُجرى الانتخابات في المنطقة، كتلك المقررة في لبنان عام 2022، أو تلك التي تمت في العراق في أكتوبر/تشرين الأول، فإنها تكون -كما يرى الكاتب- لإضفاء الطابع المؤسسي على الانغلاق الذي يمنع التعبير عن الإرادة العامة والبحث عن الصالح العام، حيث يسود رجال أقوياء يبررون سيطرتهم على ما يحل محل المؤسسات وكذلك على مفاصل الاقتصاد في بلدهم باسم استقرار هم وحدهم من يضمنونه.

في الحالة السورية، كان ثمن بقاء نظام بشار الأسد في السلطة -وربما لفترة طويلة- حربا أهلية دامت 10 سنوات ودمارا كاملا للبلاد، إلا أن محمد زارع أشار في حديثه لقمة الديمقراطية إلى أنه من المرجح أن يتحقق الاستقرار إذا تمت محاسبة من هم في السلطة، مع أن ذلك غير مطروح في أي مكان من المنطقة.

تأثيرات من خارج المنطقة

أما التفسير الثاني للمسار العربي المسدود -بالنسبة لباريس- فهو عدم وجود دول قوية في المنطقة بما يكفي للعب دور تنظيمي على الأطراف الأكثر اضطرابا، بعد أن فقدت مصر، عملاق العالم العربي سياسيا وعسكريا وثقافيا منذ فترة طويلة دور المنظم، دون أن يتمكن الآخرون من القيام بذلك، كما يتضح من ضعف العراق وسوريا، أما جامعة الدول العربية فلا ينقصها إلا أن يعلن موتها، وفقا للكاتب.

وقد فتح هذا الفراغ الهائل -كما يرى الكاتب- الطريق لتأثيرات من خارج المنطقة، سواء كانت تركية أو إيرانية أو حتى روسية، ولكن هذه الدول، كما كانت تفعل الولايات المتحدة قبلها، تتدخل وفق مصالح لا تخص شعوب المنطقة، وهذه ثالث كارثة تضرب المنطقة، بحيث لم يعد الشرق الأوسط في وضع يسمح له بكتابة تاريخه الخاص، بل أصبح مرهونا للحسابات القوى العظمى الإستراتيجية.

ويرى الكاتب أن إدارة جو بايدن -بعد لحظة التهديد التي شكلتها الجماعات الجهادية لفترة طويلة واستغلتها الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط مع الإسلام السياسي لتبرير قبضتها الحديدية- لديها الرغبة في تغيير الفرق الحاكمة في المنطقة، ولكن مع بعض الفروق الدقيقة، حيث لم يمنع تمجيد فضائل الديمقراطيات رئيس الولايات المتحدة، مثلا، من إعادة الجزء الأكبر من المساعدات الأميركية لمصر رغم سجلها المروع.

كما أن إدارة بايدن هي أول إدارة أميركية منذ فترة طويلة، تمتنع عن تصور أي خطة تتعلق بالقضية الفلسطينية، التي أصبحت ضحية جانبية للتطبيع الذي حدث عام 2020 بين إسرائيل و4 دول عربية، وماتت بسببه الذريعة التي ظلت الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط منذ فترة طويلة تستند إليها، ألا وهي مركزية هذا الصراع الإقليمي الذي يفرض عسكرة المجتمعات والقوى.

المصدر : لوموند