لوبس: هكذا يفكر زمور.. تحليل لأيديولوجيا موغلة في اليمينية وعداء الإسلام

زمور: فرنسا تفسد دولتها باسم الحرية وتجانسها الثقافي باسم حقوق الإنسان ووحدة شعبها باسم العالمية.

علاقة زمور بالحياة الواقعية ضعيفة (الفرنسية)

منظرو اليمين المتطرف في نهاية القرن الـ19 هم المثل الأعلى بالنسبة لإريك زمور، وهو يسعى -رغم ما يقدمه التاريخ من دروس وعبر- لإحياء القومية المتطرفة وكراهية الأجانب ومعاداة السامية والإسلام، بل وينظر لدونية المرأة، وهو المرشح المحتمل لرئاسة فرنسا ربما بعد أيام.

هكذا لخصت مجلة "لوبس" (L’Obs) الفرنسية مقالا طويلا بقلم فرانسوا رينار وباسكال ريشي، حاولا فيه تحليل عناصر الأيديولوجية القاتلة -كما وصفاها- التي ينطلق منها هذا المرشح المحتمل لرئاسة أحد البلدان ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن.

ينطلق الكاتبان من هوس زمور بالرواية الوطنية والرجال العظام والتواريخ العظيمة، لدرجة رواج شائعات بأنه سيطلق حملته الرئاسية من قرية الرئيس الفرنسي الراحل الجنرال شارل ديغول وفي تاريخ وفاته في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، بعد انطلاقته القوية منذ أشهر في حملة مسعورة أقصت الصراع المتوقع بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومارين لوبان زعيمة التجمع الوطني اليميني المتطرف التي تجاوزها في إنجاز غير مسبوق نحو اليمينية.

تحقيق في هوس رئاسي

والآن -كما يقول الكاتبان- ها هو زمور على المسار الصحيح، تضج به اجتماعات المعجبين ويتربع كتابه الأخير "فرنسا لم تقل كلمتها الأخيرة" في صدارة المبيعات، مما يعني أنه من الواجب أخذ أمره على محمل الجد والعودة إلى جذور العقيدة اليمينية المتطرفة العلنية التي يتبناها لمعرفة ما الذي يدور في ذهنه ومن هم أسياده الأيديولوجيون وعقيدتهم وماذا سيفعل إذا وصل إلى السلطة.

يرى الكاتبان أن زمور يأتي من كوكب آخر، في مكان ما بين كوكب التلفزيون ومجرة قراءاته الفريدة، وبالتالي فإن علاقته بالحياة الواقعية ضعيفة، وهو يتحدث عن التاريخ ويقول إنه يحبه، ولكنه نادرا ما يذكر اسم أي مؤرخ، وهو يمتدح "الرواية الوطنية"، تلك الحكاية الأسطورية لفرنسا الخيالية التي بنيت في القرن الـ19، ويرى أن هذه الرواية "هي الواقع"، ويتهم النخب السياسية بعدم رؤية هذا الواقع أو رؤيته وإخفائها أيديولوجيا أو جبنا.

هذه هي أطروحة كتابه الأخير، فهو لم يقم بالتحقيق في المدن والقرى والمناطق شبه الحضرية والبلدات الإقليمية، بل قرأ مؤلفي القرن الـ19 وذهب إلى السينما ووقّع الكتب في المكتبات والتقى في أماكن فاخرة بأشخاص أقوياء لا يفهمون شيئا ويتفقون معه على انفراد ويقولون العكس في الأماكن العامة، هذا هو عالم زمور المسحور، ويستند إلى ركيزتين، هما الحنين إلى الماضي وكراهية الأجانب.

الأعداء الداخليون

اليوم كل شيء سيئ -كما يرى زمور- ففرنسا في الهاوية، "لم تعد بلدا صناعيا فهي تحت حكم الولايات المتحدة أو ألمانيا باسم أوروبا، لقد انهارت المدرسة، والعدالة مؤدلجة والسياسة "جثة"، يسود العنف، والأبطال المجيدون في تاريخنا يتعرضون للإهانة، ويسهم عدوان من الداخل (يسميه الميثاق الألماني السوفياتي) في هذا الانحدار إلى الجحيم".

من ناحية أخرى، هناك المهاجرون الذين غزوا البلاد -حسب زمور- وخلقوا "شعبا داخل الشعب"، يقودهم الإسلام الفاتح ويحلمون "باستعمار المستعمر السابق"، وإلى جانبهم الأمراض المجتمعية كالنسوية والمثلية التي تقوض قوتنا وتفرض على فرنسا قيما "تناقض ما بنته من قيم على مر القرون"، فهي تضع القيم الجديدة "للنظام الحضري والأمومي المناهض للعنصرية" بديلا للنظام الأبوي الكاثوليكي" القديم الذي ضمن السلطة وجلب السعادة والسلام.

هذا هو فكر المرشح المحتمل -كما يقول الكاتبان- فليست لديه كلمة تشير إلى تغير المناخ والكوارث التي يسببها أو الاضطرابات الجيوسياسية المستمرة، أو الصعوبات التي تعانيها الطبقات الشعبية والاضطراب في نموذجنا الاجتماع، بل إن زمور لا يبتكر شيئا جديدا، فهو يعيد تدوير النماذج الرجعية التي حملها اليمين الكاثوليكي الفرنسي الراديكالي منذ الثورة المضادة في القرنين الـ18 والـ19.

ويقارن جرار نورييل -وهو مؤرخ- زمور بكاتب وصحفي متطرف آخر أثار المشاكل في القرن الـ19، هو إدوار درومون، مؤلف كتاب "فرنسا اليهودية" الذي يحمل نفس الهوس بالعدو الذي يخدم كل شيء، اليهود بالنسبة لدرومون، والمسلمون بالنسبة لزمور، كما يتبنى نفس فكرة الانحطاط والرغبة في إنقاذ فرنسا "الملوثة" بالحداثة، ونفس الرغبة الشخصية في الانتقام الاجتماعي، وهكذا تكمن المصفوفة الفكرية لنجم التلفزيون في الأيديولوجية القومية التي نشأت في أقصى اليمين في القرن الـ19.

خطاب يدعو للحرب الأهلية

ظهرت الأمة -خلال الثورة الفرنسية- فكرة شاملة وتحررية، ولكن اليمين الرجعي الذي يحلم بالعودة إلى النظام القديم حارب هذه الفكرة، وجعل من عكس مفهوم أممية اليسار أساسا يجب الدفاع عنها ضد أعدائها الخارجيين كألمانيا، والداخليين كالأجانب واليهود.

ولا يخفي زمور إعجابه بالقومية التي أصبحت آلة للكراهية ومدرسة فكرية وبمروجيها، ولا شيء يزعجه مما أحدثته هذه الأيديولوجية القاتلة، فلأنه كان معاديا للسامية بشدة، لا يهمه أن يدان دريفوس البريء، ولأنه كان رجعيا، فقد اختار فيشي عام 1940، ويتوقف تفكيره عند فرنسا الخالدة وروسيا الحاضرة دائما وألمانيا الشريرة والمرأة والمسلمون، وقد كتب في مقاله "مصير فرنسي" 2018، أن "فرنسا تفسد دولتها باسم الحرية وتجانسها الثقافي باسم حقوق الإنسان ووحدة شعبها باسم العالمية".

أما التهديد الرئيسي لفرنسا الخالدة البيضاء الكاثوليكية بالنسبة لزمور، فهم المسلمون، في معركة الأسلاف التي يخوضها الشرق ضد الغرب، وهي "حرب الحضارات" التي يستعيرها من المحافظ الأميركي صامويل هنتنغتون، وهي حرب يريد بها المسلمون الانتقام، وستتحول بالفعل في فرنسا إلى "حرب أهلية" على أقل.

بالنسبة لزمور؛ المسلمون هم التهديد الرئيسي لفرنسا الخالدة البيضاء الكاثوليكية في معركة الأسلاف التي يخوضها الشرق ضد الغرب

والغريب أن زمور -وهو سليل عائلة يهودية أمازيغية من "أهل الذمة" كما يصفها- على دراية بجذوره الجزائرية، ولكنه يفتخر بمحوها كما فعل "البرابرة الرومانسيون"، وهو يتحدث بمرارة عن "بشرته الداكنة"، ويقول لطارق رمضان إن لهما "نفس الرأس" وإنهما "ساميان".

وعلى رأس الرهانات السياسية للمرشح المحتمل زمور، يأتي "الاستبدال العظيم"، وهو فكرة خيالية وضع نظريتها اليميني المتطرف رينو كامو، وحتى مارين لوبان تأنف من تبنيه، ولكن زمور يقول في كتابه الأخير إن "الاستبدال العظيم ليس أسطورة ولا مؤامرة، ولكنه عملية لا هوادة فيها. إن سؤال الهوية الحيوي هذا يجعل كل الآخرين خاضعين"، وذلك لأنه يعتقد أن المسلمين يخططون "لضم فرنسا المسيحية منذ ألفي عام، إلى الأمة الإسلامية".

وينصح زمور المهاجرين وأحفادهم بخيار واحد فقط، هو أن يذوبوا تماما مثله هو ويتخلوا عن جذورهم، خاصة أن أي وجود أو أي علامة على وجود الإسلام في فرنسا أمر لا يطاق بالنسبة له، ويرى فيها علامة "حرب دينية"، وأي شخص لديه أدنى صلة بالإسلام أو المغرب العربي فهو عدو، فلاعب كرة القدم زيدان مثلا "سفاح صغير"، وهو يشتم الممثل عمر سي بسبب "مناهضته المتغطرسة للعنصرية".

عندما يكون زمور رئيسا

يرى الكاتبان أن زمور يحن إلى فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، إلى ذلك الزمن المبارك عندما كانت المرأة بعيدة عن السلطة وتحترم زوجها، وعندما كان المهاجرون عازبين وسعداء بالعودة إلى بلادهم، وعندما كان التلاميذ يقفون عند دخول المعلم وكان الرئيس أبا للأمة، غير أنه من الصعب رؤية كيفية العودة إلى هذا العالم من خلال قوانين وإصلاحات ملموسة.

ويظل زمور نفسه غامضا في كل شيء ما عدا الهجرة التي سيعمل على وقفها من خلال إنهاء لم شمل الأسر وإزالة الحق في الجنسية للمولود على الأرض ورفض الطلاب من أفريقيا، وسوف يشجع رفع معدل المواليد لتقوية الأسرة و"الحضارة المسيحية"، كما سيطرد جميع المهاجرين غير الشرعيين والأجانب المنحرفين ويسحب الجنسية الفرنسية من الجانحين ثنائيي الجنسية، وقد يفرض أن يكون الاسم الأول فرنسيا على الأطفال الذين لم يولدوا بعد.

وتساءل الكاتبان كيف يطبق مثل هذا البرنامج العنيف دون إشعال النار في أجزاء كاملة من البلاد مع خطر اندلاع حرب أهلية التي يندد بها؟ هنا أيضا، يمهد زمور الأرضية للقضاء على الديمقراطية التي يعتبرها منحطة، حيث يقول "اليوم لدينا قوى مضادة أصبحت قوية وهي العدالة والإعلام والأقليات، ويجب أن نأخذ السلطة من هذه السلطات المضادة"، وهكذا هي حرب على الديمقراطية أعلنها زمور، كما يقول الكاتبان.

أما الاقتصاد فموضوع تخلى عنه المرشح المحتمل، وهو في الأساس الليبرالية من الداخل والحمائية من الخارج، وفي البيئة يكون التركيز على الطاقة النووية باسم السيادة الوطنية، وباسمها أيضا يرى الانسحاب من حلف الناتو واتفاقية شنغن، إضافة إلى إنهاء العقوبات على روسيا ورفض "الاتفاقيات بأي ثمن" مع ألمانيا.

المصدر : لوبس