بيلاروسيا وأوكرانيا وإطلاق الصواريخ في الفضاء… ما الرسالة التي يريد بوتين إيصالها للغرب؟

بونيفاس: فن بوتين يقوم على إخفاء نقاط ضعف روسيا، والخوف الذي يثيره لا يتناسب إطلاقا مع قوته الحقيقية

Russian President Putin attends APEC summit via a video link in Moscow
موسكو تريد من رسائلها أن تثبت أنها لا تزال موجودة ويمكنها الإزعاج (رويترز)

يواصل الرئيس الروسي تحدي الأوروبيين ويضاعف الاستفزازات، وآخر ذلك هو اختبار روسيا صاروخا مضادا للأقمار الصناعية أثار قلق محطة الفضاء الدولية، فما الذي يريده فلاديمير بوتين؟

سؤال حاول الكاتب هانري فرني الإجابة عنه في مقال له بصحيفة لوباريزيان (Le Parisien) الفرنسية، قائلا في البداية إن الفضاء ظل صامتا حتى بعد الصاروخ الروسي، لكن ارتطام هذا الأخير بقمر صناعي هناك أيقظ الكوكب الأرضي بأسره.

وأضاف أن مثل هذا العمل المتعمد -الذي هدد بشكل غير مباشر محطة الفضاء الدولية- أثار حفيظة كثيرين في المجتمع الدولي، خصوصا أن هذا "الاستفزاز" يأتي في ظل تورط الكرملين في أزمة الهجرة الرهيبة على الحدود البيلاروسية البولندية، وتجدد التوترات في أوكرانيا وفي مسارح أخرى عبر العالم، من بلاد الشام إلى أفريقيا. إذن ما الذي يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتحقيقه بتحدياته المتلاحقة؟

ينقل الكاتب عن باسكال بونيفاس -مدير معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية "إيريس" (IRIS) في فرنسا- قوله "نظرا لأن الولايات المتحدة تركز الآن على الصين، فإنها لم تعد تلقي بالا -تقريبا- لروسيا كمنافس مهم.. غير أن المشكلة هي أن موسكو تمارس ما لديها من وسائل إزعاج في مناطق متفجرة".

ويرى فرني أن رسالة موسكو من وراء اعترافها باختبارها صاروخا مضادا للأقمار الصناعية هي أنها لا تزال ذات وزن في هذه المنطقة، التي كانت يوما ما محصورة على السوفيات والأميركيين وذلك رغم البون الشاسع بين ميزانية البلدين العسكرية (740 مليار دولار لأميركا مقابل 60 مليار فقط لروسيا).

ومع ذلك، فإن هذه الحادثة، وفقا للكاتب، تؤكد خطر زيادة عسكرة الفضاء، وهو ما يعكسه كذلك وجود قيادة فضائية للجيش الفرنسي، وينقل هنا عن ضابط فرنسي رفيع المستوى قوله إنه "صُدم من صعود الروس في الفضاء العسكري".

وبخصوص أزمة استغلال المهاجرين التي يقول فرني إن الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو افتعلها من أجل "معاقبة" أوروبا على العقوبات المفروضة عليه، يلعب فلاديمير بوتين -الذي يتحدث كل يوم مع نظيره البيلاروسي عبر الهاتف- دور الأب الروحي للوكاشينكو.

وينقل الكاتب هنا عن الخبير الجيوسياسي بونيفاس قوله وهو يصف دور بوتين في هذه الأزمة "إما أنه قدّم للوكاشينكو فكرة (إحضار لاجئين من الشرق الأوسط إلى بيلاروسيا من أجل توجيههم نحو بولندا والاتحاد الأوروبي)، أو أعطاه الضوء الأخضر".

وهنا يشير الكاتب إلى أن ثمة معلومات تفيد أن موسكو قدمت الدعم اللوجستي للبيلاروسيين لجلب ما بين 3 آلاف إلى 4 آلاف لاجئ -من الأكراد والعراقيين والسوريين والأفغان وغيرهم- إلى الحدود البولندية، حيث وجدوا أنفسهم عالقين في ظروف مأساوية، والعديد منهم فقدوا أرواحهم بالفعل وهو ما يجب استنكاره.

ويعلق باسكال بونيفاس على إستراتيجية بوتين قائلا إنه "ينفخ في الجمر، ثم يقدم نفسه كحل". لكن على الأرض، طال انتظار التحسن مع تكاثر الأحداث في ظل ما يشبه جو الحرب، وفقا للكاتب.

 

وعلى حدود أوكرانيا ثمة كذلك ما يدعو للقلق، إذ إن روسيا قامت أولا بضم شبه جزيرة القرم في عام 2014 ولم تواجه أي عقوبات بسبب ذلك، والسؤال المعروض حاليا هو "هل يستعد فلاديمير بوتين لغزو أوكرانيا، التي حشد قواته على حدودها؟" يتساءل الكاتب، ليرد بأن ذلك يأتي في الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بمناورات في البحر الأسود، إلى جانب حلف شمال الأطلسي، وهو ما وصفته موسكو بـ"الاستفزاز".

وينقل الكاتب هنا عن باسكال بونيفاس قوله "إن حشد القوات هو وسيلة كلاسيكية يتخذها بوتين للحفاظ على درجة معينة من التوتر والاضطراب، لكنه لا يملك الإرادة ولا الوسائل لغزو أوكرانيا".

ويشير الخبير إلى أن بوتين استخلص درسا من الكارثة الأفغانية، وأن الكرملين، وبالنظر إلى الإخفاقات الغربية الأخيرة، أصبح يدرك جيدا أن احتلال بلد على نطاق واسع هو فخ مكلف رجالا ومالا.

والواقع -وفق فرني- أن وجود موسكو العسكري في سوريا ليس هائلا؛ حوالي 30 طائرة وبضعة آلاف من الجنود، وهي تعتمد هناك على جيش بشار الأسد، كما أنها في أفريقيا تعزز وجودها عبر إرسال مرتزقة فاغنر، وهذا ما سيضمن لبوتين ممارسة بعض التأثير مقابل تكلفة غير باهظة، ويلخص بونيفاس سياسة بوتين الحالية بالقول "فن بوتين يقوم على إخفاء نقاط ضعف روسيا، والخوف الذي يثيره لا يتناسب إطلاقا مع قوته الحقيقية".

المصدر : لوباريزيان