السودان.. "الانقلاب" الذي علم به الجميع قبل وقوعه

البرهان انتظر أكثر من 10 ساعات لإذاعة بيان الانقلاب (رويترز)

لم يكن ما حدث اليوم في السودان مفاجئا للمتابع للأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد، والصراع المتصاعد بين مكوني الحكم الذي بلغ ذروته خلال الأسبوعين الماضيين، منذرا بالاحتراب الأهلي بين أنصار كل من المكون العسكري والمكون المدني في مجلس السيادة الانتقالي، اللذين تسابقا في حشد المواكب وتنظيم الاعتصامات.

انقلاب اليوم يبدو فريدا من نوعه، وحالته ومقدماته والسياق الذي يأتي فيه، وردود الفعل الإقليمية والدولية تجاهه، وربما نتائجه، مقارنة بالانقلابات ومحاولات الانقلاب السابقة في الخبرة السودانية بصفة خاصة والأفريقية عامة.

يتزامن الانقلاب مع بدء العد التنازلي للفترة الانتقالية السودانية التي أعقبت الإطاحة بالرئيس المعزول عمر البشير عام 2019. فقبل أقل من شهر على الموعد المحدد لتسليم الفريق أول عبد الفتاح البرهان قيادةَ المجلس الانتقالي الحاكم إلى مدني، انقلب المكون العسكري على المكون المدني، وخرج البرهان معلنا انتهاء "شرعية التراضي" بين الجانبين، و"انقلاب التراضي إلى صراع يهدد أمن الوطن".

وسبق للبرهان أن حذر الشهر الماضي من أن الجيش لن يسلم السلطة إلا لحكومة ينتخبها الشعب السوداني، في إشارة مبكرة إلى أنه قد لا يلتزم بالجدول الزمني المتفق عليه سابقا، والذي دعا المجلس إلى أن يكون بقيادة شخصية عسكرية لمدة 21 شهرا، يليه مدني لمدة 18 شهرا تاليا.

وبموجب هذه الخطة، كان من المقرر أن يتم التسليم في وقت ما في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، مع اختيار الزعيم المدني الجديد من قبل تحالف من النقابات والأحزاب السياسية التي قادت الانتفاضة ضد البشير.

احتاج البرهان اليوم أكثر من 9 ساعات لصياغة بيانه الذي استغرقت مدة إذاعته في التلفزيون السوداني الرسمي 8 دقائق. فمنذ ساعات النهار الأولى وحتى ظهر اليوم، تعلقت الأنظار بالتلفزيون الحكومي منتظرة "البيان رقم 1″، حيث نبّه إلى "عاجل.. بيان مهم من رئيس مجلس القيادة السوداني"، لكن انتظار هذا العاجل تجاوز ساعات طويلة حتى ظهور البرهان على الشاشة لتلاوة البيان.

وخلال هذه الساعات، بث التلفزيون الرسمي معظم ما في أرشيفه من أغان وطنية سودانية في مراحل وحقب مختلفة، لمطربين كبار معظمهم رحل، إلى جانب أغان وطنية أخرى فردية وجماعية لأجيال شابة، مصحوبة بمقاطع فيديو تظهر جمال الوطن، لعلها تخفف من حدة الملل لمن ينتظر تأكيد المؤكد.

لم ينسَ البرهان في بيانه إبداء الامتنان وتوجيه الشكر إلى "الجيران والأصدقاء والأشقاء" الذين ساندوا السودان في أزمته، لكنه لم يذكر أحدا باسمه، تاركا الباب مفتوحا لاستنتاج الأسماء والاجتهاد في تحديدها وتحديد دوافع كل منها.

سودانيون يتدفقون على شوارع الخرطوم احتجاجا على الانقلاب (الأناضول)

ردود الفعل

تأخير البرهان في إلقاء بيانه طوال ساعات قد يفهم منه رغبة الرجل وبقية العسكريين النافذين في اختبار ردود الفعل الغربية والأميركية تحديدا، خصوصا أن الانقلاب جاء عقب اللقاءات المكثفة التي عقدها المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان مع أطراف الأزمة في الخرطوم.

وقبل أن تتوقف وكالة الأنباء السودانية الرسمية (سونا) عن بث أية أخبار محلية أو غيرها، ذكرت -أمس الأحد- أن رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك التقى -في مقر إقامته عصرا- فيلتمان، في لقاء هو الثالث خلال يومين، لمواصلة النقاش حول سُبُل الخروج من الأزمة السياسية الحالية، بوجود القائم بالأعمال الأميركي في البلاد برايان شوكان.

وجاء اللقاء في ختام لقاءات أجراها فيلتمان أمس أيضا مع البرهان، ونائبه الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ورئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم، ورئيس حركة "جيش تحرير السودان" مني أركو مناوي.

وذكرت "سونا" أن فيلتمان "عبّر لرئيس الوزراء عن تفاؤله بإمكان وجود مخرج من الأزمة الحالية بما يعزز من مسار التحول المدني الديمقراطي في البلاد، وبما يؤدي لاستكمال استحقاقات الوثيقة الدستورية واتفاقية جوبا لسلام السودان، وبما يحقق تطلعات الشعب السوداني في مستقبل أفضل".

كما أعرب فيلتمان -بحسب الوكالة- عن التزام الولايات المتحدة بـ"دعم التحول الديمقراطي في السودان، شرط تمسك القيادة السودانية بالوثيقة الدستورية الموقعة عام 2019، واتفاق جوبا للسلام عام 2020 الذي تم التوافق عليه بين الأطراف السودانية".

التفاؤل الذي أبداه المبعوث الأميركي وتأكيده التزام بلاده بدعم التحول الديمقراطي في السودان، لا يتناسب مع ردة فعله تجاه ما تردد بشأن الانقلاب، حيث أعلن -قبل بيان البرهان- أن واشنطن "قلقة للغاية" من تقارير "استيلاء" الجيش على الحكومة السودانية، متجنبا استخدام كلمة انقلاب.

وغير بعيد عن ردّ الفعل الأميركي، جاء موقف الاتحاد الأوروبي الذي أعلن ممثله الأعلى للشؤون الخارجية والأمنية جوزيب بوريل، أن الاتحاد يتابع الأحداث الجارية في السودان بـ"قلق بالغ"، وأنه "يدعو جميع أصحاب المصلحة والشركاء الإقليميين لإعادة عملية الانتقال إلى مسارها الصحيح".

أما الصين -سند السودان الاقتصادي الأول وشريكه الدولي الرئيسي أيام العقوبات الأميركية والغربية، وصاحبة الاستثمارات المهمة فيه- فحثت "جميع الأطراف السودانية على حل خلافاتها من خلال الحوار، من أجل الحفاظ على السلام والاستقرار في البلاد"، مؤكدة في الوقت نفسه أنها ستواصل متابعة الاضطرابات عن كثب وستتخذ "الإجراءات اللازمة لضمان سلامة المؤسسات والموظفين الصينيين هناك".

ولعل أبرز ردود فعل دول "الجوار والأشقاء" الذين أشاد بهم البرهان في بيانه، هو ردّ الفعل المصري، حيث دعت القاهرة -عقب إعلان البيان- جميع الأطراف السودانية "الشقيقة" إلى "ضبط النفس وتغليب المصلحة العليا والتوافق الوطني في البلاد".

وذكرت الخارجية المصرية أنها "تتابع عن كثب التطورات الأخيرة في السودان، وأن أمن واستقرار السودان جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار مصر والمنطقة"، كما شددت على "أهمية تحقيق الاستقرار والأمن للشعب السوداني، والحفاظ على مقدراته، والتعامل مع التحديات الراهنة بالشكل الذي يضمن سلامة البلد الشقيق".

الوضع الداخلي

لكن يبدو أن ردود الفعل الداخلية هي الأكثر تأثيرا في الحالة، ويخشى من تطور التعبير السلمي الرافض للانقلاب إلى مصادمات واشتباكات عنيفة مع قوى الأمن، تقود إلى الأسوأ، بعد أن بدا أن طريق السودان نحو الديمقراطية لا يزال غير معبد، ويقود إلى حالة من عدم اليقين.

وعلى أرض الواقع، تدفق الآلاف إلى شوارع العاصمة الخرطوم ومدينتها التوأم أم درمان، احتجاجا على الانقلاب العسكري. وأظهرت لقطات نشرت على الإنترنت متظاهرين يغلقون الشوارع ويشعلون الإطارات، بينما استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريقهم وسط حديث عن حملة اعتقالات واسعة.

امتصاص تلك الحالة ليس مهمة هينة تلطف من آثارها وعود البرهان في بيانه بإكمال التحول الديمقراطي في البلاد، وقوله "إن حكومة تكنوقراط جديدة ستقود السودان إلى الانتخابات". فإذا كانت صياغة بيان مدته 8 دقائق قد استغرقت نحو 9 ساعات، فكم سيستغرق البرهان من وقت لترجمة وعوده إلى واقع عملي يقبل به السودانيون؟

وهل يصبح البطء قدَر السودان والسودانيين في قضايا مصيرية؟ خصوصا أنه منذ الإطاحة بالبشير، خرج السودان ببطء من حالة "المنبوذ الدولي" التي وصم بها، وتمت إزالة اسم الدولة من قائمة الولايات المتحدة الداعمة للإرهاب في عام 2020، مما فتح الباب أمام القروض والاستثمارات الأجنبية التي تشتد الحاجة إليها. فهل يراهن البرهان وجماعته على صديق آخر لم يذكر اسمه فيمن شملهم بالشكر إجمالا؟

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

Sudanese take to the streets of capital Khartoum

بعد ساعات من استيقاظها على وقع تحركات عسكرية واعتقال وزراء وقادة بارزين في المكون المدني بمجلس السيادة، بلغ المشهد في الخرطوم ذروته مع انتصاف النهار عبر إعلان البرهان حالة الطوارئ بكافة أرجاء السودان.

Published On 25/10/2021

هناك بعض الأسئلة وأجوبتها عن خلفيات الأحداث الجارية في السودان تتعلق بمن يتولى زمام الأمور، والتوترات السابقة، ونقاط الخلاف، والأوضاع الاقتصادية، والعلاقات بدول الجوار.

Published On 25/10/2021
المزيد من أخبار
الأكثر قراءة