لوفيغارو: عكس خصوم لا يرهبون الموت.. الغربيون غير مستعدين لخسارة أي أرواح

This handout picture taken on March 8, 2013 and released on March 14 by the ECPAD shows soldiers of the French army's Regiment Etranger de Parachutistes (Foreign Parachute Regiment) and of the Regiment de Genie Parachutiste (Parachute Engineer Regiment) taking part in an assault against the "rocks' camp" in the Amettetai valley in the Ifoghas mountains. Islamist groups have now largely been driven out of the main cities in the north and are waging a guerrilla war against French, Malian and other troops seeking to help the government assert its control over the entire territory
قوات فرنسية في مهمة قتالية بمالي (الفرنسية)

قالت صحيفة لوفيغارو (Le Figaro) الفرنسية إن المشاعر تجيش كلما قتل جندي في الساحل أو في أفغانستان، معيدة الوزراء وربما رئيس الجمهورية إلى الميدان، وقد تستدعي حفلات تكريم في مقبرة العظماء تحية لمن فقدوا حياتهم دفاعا عن فرنسا وأمنها وقيمها، ولكنها تثير دائما السؤال: ألا يجب أن نغادر بأسرع ما يمكن؟

وفي تحليل بقلم إيزابيل لاسير، تذكرت الصحيفة أن الرئيس السابق نيكولا ساركوزي عجّل بانسحاب القوات الفرنسية، بعد مقتل 4 جنود فرنسيين في أفغانستان عام 2012، وطلب منهم حزم أمتعتهم قبل عام من بقية قوات التحالف.

أما اليوم -كما تقول الكاتبة- فقد أثار مقتل 5 جنود فرنسيين في أسبوع واحد في مالي تساؤلات حول مستقبل عملية برخان، وقالت إن الحال في منطقة الساحل لا تختلف عنها في أفغانستان، وبالتالي فإن طرح سؤال العودة مشروع.

وبعد 7 سنوات من إطلاق عملية سرفال في مالي -كما تلاحظ الكاتبة- لم يتم القضاء على تهديد المتشددين، وثبت أن الجيوش المحلية غير فعالة وعنيفة، وغير قادرة على خلافة الجنود الفرنسيين في مهامهم، كما اتضح قصور الدول الضعيفة والفاسدة.

وبعد عدة سنوات من وجود القوات الفرنسية، أظهر السكان رفضهم للجيوش الأجنبية، وتبين أن كل انتصار عسكري يأتي بعده فشل في إعادة الإعمار ويتبع ذلك عودة المقاتلين الإرهابيين وهم أكثر خبرة، كما تقول الكاتبة.

حالة إنكار للموت

غير أن سؤال الرحيل، حتى لو كان وجيها، فهو لا يطرح غالبا إلا بشكل عاجل، وفي الساعات التي تعقب هجمات مميتة على الجنود الغربيين، مما يعطي انطباعا بالاستسلام للإرهابيين، كما ترى الكاتبة.

ومع أن تكلفة التدخل العسكري معروفة وصعبة التحمل، فنادرا ما يتم التطرق إلى تكلفة عدم التدخل التي قد تكون أعلى، وخاصة في حالة مالي، حيث من المسلم به أن العملية الفرنسية حالت دون قيام دولة إرهابية في غرب أفريقيا على شاكلة الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، كما أنه من المسلم به أيضا أن وجود القوات الفرنسية لا يزال يحد من عمل الجماعات الإرهابية التي تشكل خطرا على دول المنطقة وعلى أمن فرنسا.

ويقول الجنرال أوليفييه دي بافينشوف رئيس الأركان السابق لحلف شمال الأطلسي في أفغانستان وقائد القوات الفرنسية، محذرا "ليس من الممكن مغادرة منطقة الساحل اليوم، حيث يقدم الغرب القدرات الأساسية التي تفتقر إليها دول المنطقة وستظل تفتقر إليها. إذا غادرنا، يمكن أن تسوء الأمور بسرعة. ويمكن أن تسقط دول أخرى".

وفي حالة مالي كما تقول إيزابيل لاسير، فإن الدعوات إلى الانسحاب السريع تعطي إشارة خاطئة للشركاء الأوروبيين بأن فرنسا نجحت في حشد جهود مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، من خلال الجهود الدبلوماسية.

أما تكرار الدعوات للفرار من المسرح مع كل فاجعة، فذلك عائد -حسب الكاتبة- إلى أن العالم الغربي يعيش حالة إنكار للموت التي يريد أن يحذفها من حياته اليومية، باعتماد الرعاية الطبية في دور رعاية المسنين، خاصة منذ أن ابتعدت الحرب عن الأراضي الوطنية قبل الهجمات الإرهابية في السنوات الأخيرة.

ولذلك فإن المجتمع أصبح حساسا للغاية لكل ضربة قوية إذا تعلق الأمر بالعمليات الخارجية، والأمر نفسه ينطبق على "كوفيد-19" الذي أغرق المجتمعات الأوروبية في حالة من الذهول.

العدو يحارب بحقد

وللتوضيح أكثر نبهت الكاتبة إلى أن معدل القتلى في صفوف الجنود الفرنسيين أثناء الحرب العالمية الثانية كان ألف قتيل يوميا، في حين أن العملية الفرنسية في الساحل لم يمت فيها سوى 57 جنديا خلال 7 سنوات، وعلق أحد الضباط قائلا "اليوم لم نعد قادرين على البقاء في الخنادق".

ورأت الكاتبة في هذه المقارنة تقدما يجب أن نكون سعداء به، كما رأت أنه من الضروري أن نسعد بتقدم الطب الذي أدى إلى انخفاض معدل الوفيات، إلى درجة أن أزمة "كوفيد-19" التي تشبه أحيانا أوبئة مثل الطاعون والكوليرا، لم تتسبب في وفيات كثيرة.

غير أن هذا التقدم هو أيضا -حسب الكاتبة- ضعف، لأن خصوم الغرب في المقابل لا يخشون الموت بل يمجدونه أحيانا، يقول الجنرال دي بافينشوف "نحن نخوض الحرب دون حقد، بضبط طبيعي للنفس وقليل من التجاوزات، بينما الخصم يذهب للحرب بحقد. وهذا الحقد يزيد من عنفه وقدراته. إنه يربك جنودنا الذين لم يتعلموا هذا الأسلوب. نحن نعيش في كوكبين مختلفين اختلافا جذريا".

وخلصت الكاتبة إلى أن الانسحاب التدريجي للأميركيين من الأزمات الكبرى بالشرق الأوسط أدى إلى إضعاف فرنسا التي أصبحت، منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الدولة الوحيدة في الاتحاد التي تتعرض لانتقادات شديدة وواحدة من الدول الغربية القليلة التي تندب قتلى في المعارك.

المصدر : لوفيغارو