تونس.. هل أحسن الإعلام استخدام مناخ الحرية؟

باندلاع ثورة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 في تونس تحرّر قطاع الإعلام الذي ظل عقودا تحت راية السلطة، وأتيحت للمواطن التونسي حرية الانتقاء بين القنوات التلفزية والإذاعية المتعددة بعد أن كان محكومًا بمتابعة قناتيْن حكوميتين فحسب.
وسمح مناخ الحرية ببروز الإعلام الخاص الذي صار منافسا شرسا للإعلام الحكومي، غير أن هذا المشهد الإعلامي الحر والتعددي لم يخلُ من هفوات وهنات.
ومن بين أحدث هذه الهنات ما بثّته قناة التاسعة الخاصة في برنامجها يوم 26 ديسمبر/كانون الأول الحالي، وأثار جدلا واسعا في تونس لما تضمنه من إيحاءات جنسية بحق المرأة، حسب وصف رواد فيسبوك.
وتدخلت الهيئة العليا للاتصال السمعي والبصري (الهايكا)، فوجهت لإدارة القناة إعلاما بمخالفة تتعلق بمضمون الحلقة الذي عدّته "انتهاكا لكرامة الإنسان وإهانة للمرأة وتنميطا لصورتها".
سوء اختيار
وتعليقًا عل هذا الجدل الكبير، رأى مقدم البرنامج الإعلامي نوفل الورتاني، في مقطع فيديو على صفحته بإنستغرام، أن الأمر يتعلق بسوء اختيار اللعبة فوقع كلامه عرضة للتأويل، ونشرت صور من زوايا معينة مما جعل الناس يسيئون فهم فكرة المسابقات.
وقدّم الورتاني اعتذاره "على الرغم من المبالغة في النقد وفي ردة الفعل" -وفق تقديره- متهما صفحات فيسبوك مشبوهة وزملاء له في القطاع "يكرهونه" باستغلال المسألة، والعمل على تضخيمها وتجييش الرأي العام والهيئات المنظمة للقطاع ضده.
صدمة إيجابية
ويرى الخبير في إستراتيجيات الإعلام والاتصال، رضا الكزدغلي، أن قطاع الإعلام في تونس لم يستفق بعد من الصدمة الإيجابية التي وقعت له بعد الثورة.
وأوضح الكزدغلي -للجزيرة نت- أن الإعلام على المستوى التنظيمي صار مرتبطا أساسا بالتمثيليات المهنية التي بدأت تشعر بقدرتها على تجميع الصحفيين والإعلاميين تحت سقفها، وشرعت في التحرك من دون رؤية إستراتيجية أو قدرة على تحقيق هذا التجميع بما يفرضه من أداء مبني على القيمة المضافة التي يمكن أن تمنح للمشهد الإعلامي، وفق تصريحه.
وأضاف أن هذه الصدمة لم تعط فرصة للصحفيين لإبراز مهاراتهم وفرض اللون الصحفي المهني، بسبب وجود الطرف المتحكم في المال وفي الاستثمار في المؤسسات الإعلامية، الذي تمكن من هذا الدور وسحبه باتجاهه وفرض أجنداته وتوجيهاته عليهم.
كما وصف أداء الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بغير المقنع، وقال إنها دخلت في مرحلة من اللاشرعية القانونية وأصبحت جزءا من المشكلة، وما عادت قادرة على حلّها، مما أثر في الأداء الإعلامي، حسب رأيه.
وأكد الكزدغلي أن الإعلام العمومي "لم يستفق أيضا من هذه الصدمة الإيجابية ولا يزال إلى الآن تائها يبحث عن ذاته لوضع خطوط للأداء الإعلامي المبني على خيارات ما بعد الثورة". وأشار إلى فشل الإعلام في أدواره الرئيسة الثلاثة في الإخبار والتثقيف والترفيه.
فبالنسبة للأخبار لاحظ "حرمان المواطن من حقه في الوصول إلى المعلومة بإعلان نقابة الصحفيين مقاطعة أطراف على حساب أخرى، مما دفعه إلى إيجاد بديل في الإعلام الافتراضي والمواطني".
ويرى أن "الإعلام يؤدي دور التثقيف بمنظور لا يمثل المواطن في رأيه وتوجهاته، فضلا عن الترفيه الذي أصبح اليوم رهين مزاج صانعي وقيادات الرأي على الساحة الإعلامية والثقافية بطريقة أحادية الرؤية".
وشدد على أن رداءة المضامين في المنوعات الترفيهية ستنسى بوصفها حادثة، ولكنها سترسخ لدى الرأي العام الرؤية السلبية تجاه الإعلام.
ويعتقد أن الإعلام التونسي كان مطالبا بأن يكون على مستوى لحظة التفاعل مع التغيير بعد الثورة وصناعة رأي عام يواكب الانتقال الديمقراطي والسياسي والرهانات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، وأن يتحول إلى رافعة تغيير إيجابي لا إلى قوة جذب إلى الوراء.
إخلالات
بدوره، تحدث مدير مركز تونس لحرية الصحافة، محمود الذوادي، عن وجود إخلالات وتجاوزات على مستوى الواقع الإعلامي تتنافى مع مصطلحات الضوابط المهنية مثل الصحافة الجادة والأخلاقية والمحترفة.
ومن بين الإخلالات الأخلاقية -يقول الذوادي للجزيرة نت- تغلغل المال الفاسد من الداخل والخارج في الإعلام التونسي، مما يجعل مؤسسات إعلامية عدة تتسابق إلى إخضاع وابتزاز المعلنين لتمويلها.
وأشار إلى أن "معركة نسب المشاهدة بين المؤسسات الإعلامية، لضمان حظوظها في تلقي أموال الإعلانات أو الأموال السياسية، جعلت المشهد الإعلامي على درجة كبيرة من الرداءة في أكثر من برنامج تلفزي".
ونبه على أن إفساد بعض المؤسسات الإعلامية للذوق العام لا يضر المتلقي فقط بل هوية ومكانة الصحفي المحترف في المجتمع التي أصبحت اليوم مهددة، لأن "المتفرج لا يفرق بين الصحفي المحترف والمذيع الدخيل الذي يقدم هذه البرامج".
ضوابط واجبة
ولضمان إعلام هادف وجادّ يشدد الذوادي على ضرورة وضع ضوابط لتنظيم قطاع الإعلام كضمان حقوق الصحفيين المحترفين، وتقديم مادة إعلامية تخضع للمقاييس الأخلاقية والمهنية والقانونية.
ودعا إلى ضرورة استعادة الهياكل المهنية دورها في الرصد المستمر للمادة الإعلامية وفضح المتجاوزين، مؤكدا أنه لا يمكن القضاء على ظاهرة الرداءة بدروس أخلاقية وبتأديب المواطن، بل بمساءلة أصحاب هذه المؤسسات لتقديم منتوج إعلامي "غير مغشوش".
من جانبه، يؤكد الكزدغلي ضرورة قيام ثورة فعلية مهنية في المضمون الإعلامي تعيد النظر في الخيارات الكبرى.
وقال إن على المنظمات النقابية "الخروج من الجانب المطلبي السياسي"، وأن تحمل مع مؤسسات التكوين، خاصة معهد الصحافة وجمعيات المجتمع المدني، مسؤولية إعادة هندسة الإعلام واسترجاع قيمته.
